ومن خلال فهم الصحابة الكرام، ومن بعدهم الأئمة
الأعلام، للغة العربية ولمفردات ألفاظها وقواعد بنائها، عرفوا أن حكمَ الله هو
وصفٌ للفعل البشري؛ ولذلك كان هذا الوصف على خمسة أقسام:
القسم الأول: هو الذي أمرَ الله به أمرًا جازمًا،
وأسماه بالواجب؛ كالصلوات المفروضة، وصيام شهر رمضان، وإخراج الزكاة عند
تحقق شروطها، والذهاب إلى الحج عند تحقق شروطه، والصدق في القول، وأمثال ذلك.
والقسم الثاني: هو ما نهى الله عنه نهيًا جازمًا،
وهو الحرام؛ كالزنى والسرقة والربا وشهادة الزور والكذب ونحو ذلك.
والقسم الثالث: هو ما أمرَ الله به ولكن ليس على
سبيل الجزم، وهو المندوب؛ إذا فعله الإنسان أعطاه الله الثواب، وإذا لم
يفعله فليس هناك مؤاخذةٌ عليه ولا عقاب؛ مثل الصلوات النوافل والصدقة، وكل أنواع
فعل الخير غير المفروضة.
والقسم الرابع: هو ما نهى الله عنه نهيًا غير جازم،
وهو المكروه، وعدَّ منه العلماء: كثرةَ الكلام من غير طائل، وكثرةَ الأكل،
ونحو ذلك.
أما القسم الخامس والأخير: فهو الفعل البشري الذي لم
يأمرنا الله فيه بأمر ولم ينهَنا عنه بنهي، وهو المباح.
وإذا تخيلنا أننا قد حصرنا أفعالَ البشر
وتصرفاتهم في حياتهم، لوجدنا أن دائرة المباح هي أعظم مساحةً من أي دائرة أخرى،
وهذا من رحمة الله بعباده، وهذا أيضًا مَزيّةٌ جعلت الفقهَ الإسلامي أكثر مرونة،
وجعلته أقدرَ على تطبيق القواعد التي أتت بها الشريعة الغرّاء، مع اختلاف حاجات
الناس وتباين مصالحهم بتغيّر الزمان والمكان والأشخاص والأحوال.