Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

معركة القادسية بين القيادة الراشدة والتخطيط العسكري

الكاتب

هيئة التحرير

معركة القادسية بين القيادة الراشدة والتخطيط العسكري

تعد معركة القَادِسِيَّة الملحمة الفاصلة التي وقعت في شعبان سنة (١٥هـ) بالعراق حيث قاد سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه ثلاثين ألفًا؛ لينتصروا على مائة وعشرين ألفًا من الفرس بقيادة "رُسْتُم".

القَادِسِيَّة مَشرق النور، وميلاد الحضارة والإنسان

تعد معركة القَادِسِيَّة إحدى التجليات الكبرى لمدد الحق، ونور اليقين؛ حيث لم تكن مجرد صدام عسكري عابر بين إمبراطوريتين، بل كانت لحظة ميلاد حضاري فارقة أخرجت الإنسان من ضيق التبعية للأكاسرة، ومن استبداد النظم المادية إلى سعة العدل الإسلامي الشريف، ورحابة القيم النبوية.

وقد وقعت هذه الملحمة الخالدة التي أعادت صياغة تاريخ المشرق، وذلك في شهر شعبان، وقيل: في محرم من سنة خمس عشرة للهجرة، الموافق لعام (٦٣٦) من الميلاد، وذلك في أرض القَادِسِيَّة بالعراق حيث اجتمع المسلمون هناك في كتيبة مباركة قوامها "ثلاثون ألف مقاتل"، وقد استقرت هذه القوة في أرض القَادِسِيَّة شهرًا كاملًا، كان سيدنا سعد رضي الله عنه يبث خلالها السَّرايا في كل الجهات، فتأتي بالغنائم، وتبث الرعب في نفوس المتربصين؛ ليكون المكان شاهدًا على انكسار كبرياء الظلم، وبزوغ فجر الحرية، وتحقق الوعد النبوي الكريم؛ فعَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللهَ زَوَى لِي الْأَرْضَ ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا، وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ الْأَحْمَرَ وَالْأَبْيَضَ» [رواه مسلم في "صحيحه" رقم (٢٨٨٩)].

الفاروق - رضي الله عنه - والإعداد المقاصدي

لقد جاءت معركة القَادِسِيَّة تتويجًا لسلسلة من الأحداث بدأت منذ عهد الصديق -رضي الله عنه - عندما أرسل خالد بن الوليد - رضي الله عنه - إلى العراق، ففتح الحِيرَة، ووطد الأمن، ولكن الردة الفارسية كانت تتربص، خاصة بعد أن توحدت الجبهة الفارسية بتولي يزدجرد الثالث -حفيد كِسْرى الثاني- العرشَ، وتحالفه مع البيزنطيين.

وقد أدرك الفاروق عمر - رضي الله عنه - خطورة الموقف، فأعلن النفير العام في جزيرة العرب، قائلًا: "لا تدعوا أحدًا له سلاح أو فرس أو نجدة أو رأي إلا انتخبتموه" [تاريخ الطبري = تاريخ الرسل والملوك (٣/ ٤٧٩)]، وهكذا تجمعت كتائب الإيمان من كل فَجٍّ عميق.

وتجلى وعي الفاروق عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في اختياره للقيادة ببدء مرحلة جديدة، فأمّر سيدنا سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - ليكون قائدًا لهذه الملحمة الكبرى، وفي المقابل حشد يزدجرد ملك الفرس جيشًا كثيفًا بلغ "مائة وعشرين ألفًا"، ومثلها من المدد، بقيادة "رُسْتُم".

المفاوضات: الحكمة قبل القوة

ومن عظمة هذا الفتح أن المسلمين لم يقدموا على القتال إلا بعد إقامة الحجة، وإبلاغ الدعوة، فقد أظهر المسلمون أن غرضهم الهداية لا الجِباية، فلم يتركوا بابًا من أبواب الحكمة إلا وطرقوه، فبعث سيدنا سعد - رضي الله عنه - وفودًا متعاقبة؛ لإقامة الحجة، وإبلاغ الرسالة، فتوالى على "رُسْتُم" رجال كأنهم قطع من جبال، بدأت بسيدنا رِبْعِي بن عامر - رضي الله عنه - الذي وقف أمام "رُسْتُم" في زيه المتواضع، وقال كلمته الخالدة: "إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام"، ثم سيدنا حُذيفة بن مِحْصَنٍ - رضي الله عنه - وأخيرًا سيدنا المُغيرة بن شُعبة - رضي الله عنه - [البداية والنهاية لابن كثير، ط: هجر (٩/ ٦٢٢)]، الذين وقفوا أمام إغراءات الفرس بقلوب زاهدة، وعقول حكيمة، ولكن كِبْرَ الفرس وغطرستهم حالت دون قبول الحق، فكانت المعركة حتمية.

أيام القَادِسِيَّة الأربعة: ملاحم الصبر والمدد

لما لم تنفع الحكمة مع كبرياء الفرس، بدأ القتال بعد زوال الشمس، وامتدت المعركة لأربعة أيام، كل يوم منها يحمل اسمًا وعبرة، حملت دروسًا في الثبات والبطولة:

  • يوم أَرْمَاث: وهو يوم الاختبار الأول، وامتحان الصدور، وفيه واجه المسلمون قوة الفرس وفيلتهم بصدور مؤمنة، فثبتوا كالجبال الراسيات أمام هول الصدمة الأولى.
  • يوم أَغْوَاث: وتوالت فيه صور المدد الإلهي بقدوم طلائع أهل الشام، فكانت لمقدِمهم هيبة في النفوس، ومواساة عظيمة للقلوب الوجلة، واشتدت المعركة، واختلطت الصفوف.
  • يوم عَمَاس: وهو اليوم الذي تكسرت فيه سطوة القوة المادية بفضل التخطيط والجلد؛ حيث استهدف أبطال الإسلام مواطن القوة في جيش العدو وأرهقوهم قتالًا وصمودًا.
  • يوم القَادِسِيَّة: وهو اليوم الرابع والأخير؛ حيث اشتد فيه أثر الفيلة على صفوف المسلمين، ولكن عناية الله تدخلت، فهبت ريح شديدة على الفرس أزالت خيامهم، وزلزلت أركانهم، ففروا من الميدان، وقُتل قائدهم "رُسْتُم"، وتمت الهزيمة الساحقة للفرس، وقُتل منهم ما لا يحصى عددًا.

أنوار النصر وتحقق البشارة النبوية

بعد هذا النصر المبين ارتحل سيدنا سعد رضي الله عنه بالجيش حتى نزل غربي دِجْلَة على نهر شير، قبالة مدائن كسرى وديوانه العظيم، فكان أول من دخل المدائن كتيبة الأهوال، ثم الكتيبة الخَرْسَاء، فأخذوا في سِكَكِهَا لا يلقون أحدًا ولا يخشونه غير القصر الأبيض، ففيه مقاتلة، وهو مُحصَّن، فلما جاء سعد رضي الله عنه بالجيش، دعا أهل القصر الأبيض ثلاثة أيام على لسان سلمان الفارسي رضي الله عنه، فلما كان اليوم الثالث نزلوا منه، وسكنه سعد رضي الله عنه، واتَّخذ الإيوان مُصلَّى، وحين دخله تلا قوله تعالى: ﴿كَمۡ تَرَكُوا۟ مِن جَنَّٰتࣲ وَعُیُونࣲ * وَزُرُوعࣲ وَمَقَامࣲ كَرِیمࣲ * وَنَعۡمَةࣲ كَانُوا۟ فِیهَا فَٰكِهِینَ * كَذَٰلِكَۖ وَأَوۡرَثۡنَٰهَا قَوۡمًا ءَاخَرِینَ﴾ [الدخان: ٢٥-٢٨] [البداية والنهاية (١٠/ ١٣)]، وتحققت بشارة رسول الله - صلى الله عليه وسلم«إِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ، وَإِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا فِي سَبِيلِ اللهِ» [رواه البخاري في "صحيحه" رقم (٣١٢٠)، ومسلم في "صحيحه" رقم (٢٩١٨)]، وقد استشهد من المسلمين في هذه الملحمة "ألف وخمسمائة بطلٍ"، بينما هلك من الفرس "عشرون ألفًا"، وغنم المسلمون من خزائن الأكاسرة ما كان ذخرًا للإسلام وأهله.

 

مراجع للاستزادة:

  1. فتوح البلدان للبلاذري (ت: ٢٧٩ هـ).
  2. تاريخ الرسل والملوك لابن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ).
  3. الكامل في التاريخ لابن الأثير (ت: ٦٣٠ هـ).
  4. البداية والنهاية لابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ).

الخلاصة

إن القَادِسِيَّة تمثل انتصار المنهج الأخلاقي والقيمي النبيل على المنهج المادي الغاشم، وهي تذكير دائم للأمة بأن قوتها الحقيقية تكمن في صدق التجائها إلى خالقها، وفي تمسكها بقيم الرحمة والجمال والعدل التي جاء بها المصطفى - صلى الله عليه وسلم - فبالقيم تفتح القلوب قبل الحصون، وبها يكتب الله للأمة البقاء، والتمكين والسيادة في كل زمان ومكان.

موضوعات ذات صلة

تقع بدر بين مكة والمدينة، وهي موقع غزوة بدر الكبرى في ١٧ رمضان من السنة الثانية للهجرة، وفي هذه المعركة الفاصلة.

غزوة أحد كانت معركة حاسمة في تاريخ الإسلام، حيث واجه المسلمون تحديات كبيرة تحت قيادة سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم.

تُعتبر غزوة خيبر حدث مهم في التاريخ الإسلامي، حيث شهدت مواجهة المسلمين بقيادة سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- لليهود المتحصنين في حصون خيبر.