Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

شعبان ميزان العبادة والعمل ومعمل تربية الإنسان

الكاتب

هيئة التحرير

شعبان ميزان العبادة والعمل ومعمل تربية الإنسان

شهر شعبان ليس مجرد محطة زمنية بين رجب ورمضان؛ بل هو مدرسة فريدة؛ للتوازن بين العبادة والعمل حيث يتعلم الإنسان الجمع بين خلوة الروح، وجلوس السوق، إنه معسكر روحي وعملي يبني الإرادة، ويحوّل العادات إلى عبادات، ويهيئ النفوس؛ لحمل ثقل الأمانة في رمضان.

بين "خلوة الروح"، و"جلوس السوق".. هندسة بناء الإنسان

كثيرًا ما تضطرب كفة الميزان لدى السالك إلى الله؛ فإما غرقٌ في المادة يُنسي الروح، وإما انقطاع للعبادة يُعطل عمارة الأرض، وتأتي الشهور والمواسم؛ لتربي فينا جانبًا دون آخر، إلا شهر شعبان؛ فإنه يأتي مدرسةً فريدةً في "التوازن الصعب".

إنه الشهر الذي يقع بين رجب (شهر الانقطاع والحرمة) ورمضان (شهر القرآن والتجلي)؛ ليكون هو جسر العبور الذي يختبر فيه العبد قدرته على الجمع بين "القيام بحق الحق" (العبادة)، و"القيام بحق الخلق" (العمل والسعي)، وتلك هي الغاية العظمى من بناء الإنسان في الإسلام.

فلا بد أن نعرف فقه التوازن بين العمل والعبادة، فكلاهما عبادة إذا كان القصد حسنًا، والنية صالحة.

فلسفة "عبادة الغفلة".. التعبد في قلب المعركة

المحور الرئيس لفهم سر شعبان يكمن في حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما حين سأل النبي ﷺ عن كثرة صيامه فيه، فقال: «ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ» [رواه النسائي في "سننه" رقم ٢٣٥٧].

فالناس ينشغلون في شعبان بالتجارة، والاستعداد المادي لرمضان، أو يستريحون فيه بعد جهد رجب، وهنا تكمن عظمة "بناء الإنسان"، فإن العابد في المحراب معتكفٌ بحكم المكان، لكن الصائم في شعبان عابدٌ، وهو في قلب السوق، وفي مكتبه، وبين أوراقه.

البعد التربوي: الإنسان الذي يصوم (وهو عمل شاق) بينما يمارس حياته العملية الطبيعية (وهو جهد آخر) يبني في نفسه "قوة الإرادة"، فإن كمال النفس لا يكون بترك الشهوات عجزًا، بل بتركها قدرةً واختيارًا مع توفر دواعيها، فشعبان مدرسة تقول للإنسان: "كن في الدنيا ببدنك، ومع الله بقلبك".

وهذا هو سر "الخلوة في الجلوة" التي يقررها السادة "النقشبندية" وغيرهم من طرق التربية كما قال المرتضى الزبيدي في "إتحاف السادة المتقين": (خلوة وراء تجمر؛ يعنى الخلوة في الجلوة الظاهر مع الخلق والباطن مع الحق، اليد بالشغل والقلب بالحق، و أنشدوا:

ومن داخل كن صاحيا غير غافل *** ومن خارج خالط كبعض الأجانب). أ.هـ.

رفع الأعمال.. وبناء الإنسان

يقول النبي في بقية الحديث السابق: «وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ» [النسائي في "سننه" رقم ٢٣٥٧]. هذا "الرفع السنوي" يشبه في لغة الإدارة الحديثة "إغلاق الحسابات الختامية" أو "تقييم الأداء السنوي".

فهناك ترابط بين "الأعمال" و"الأحوال"؛ فالرفع هنا ليس مجرد رفع لصحائف حسنات وسيئات؛ بل هو عرض لـ "حقيقة الإنسان" على خالقه: ماذا أنجزت في عامك؟ كيف عمَّرت أرضي؟ وكيف زكَّيت نفسك؟

المحاسبة قبل الرفع: فالعاقل من يُراجع (أعماله، وسلوكه، وأخلاقه في العمل والبيت) في شعبان ويصلح ما فسد بالتوبة والاستغفار قبل أن يُرفع نهائيًا.

تجويد الختام: «وَإِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالخَوَاتِيمِ» [رواه البخاري في "صحيحه" رقم ٦٦٠٧] فالصيام في شعبان هو محاولة؛ لتجميل ختام عبادة العام في الختام.

هذا يُعَلِّم الإنسان مبدأ "الإتقان"؛ فالمسلم يسعى دائمًا لأن تكون نهايات أعماله مشرقة كنهاياتها.

التوازن بين "الصوم" و"الخدمة

لم ينقل إلينا أن النبي كان يعطل جيشًا أو يوقف غزاة أو يغلق سوقًا في شعبان؛ لأنه صائم، بل كانت حياته تسير بنسقها الطبيعي مع زيادة الأعمال والأوراد.

يقول سيدنا ابن عطاء الله - رضي الله عنه: "إرادتك التجريد مع إقامة الله إياك في الأسباب من الشهوة الخفية"، ويمكن أن تستخلص من هذا المعنى: إذا وضعك الله في مقام "العمل" (الأسباب: وظيفة، دراسة، رعاية أسرة)، فلا تظن أن الروحانية هي الهروب من العمل للاعتكاف (التجريد) في غير وقته، فشهر شعبان يعالج هذا الخلل: إنه يقول لك: ابقَ في عملك، ابقَ في وظيفتك، ولكن "صُم" أدخل العبادة على العمل، ولا تلغِ العمل لأجل العبادة، فهذا المزج هو الذي يبني شخصية المسلم القوي الذي يعمل فِي القَوْمِ فيكون أَجَلَدَهُمْ؛ أي: أصبرهم وأقواهم، وهو صائم.

التحول من العادة إلى العبادة

مشكلة الإنسان المعاصر هي تحول حياته إلى "عادات" ميكانيكية رتيبة، فيأتي شعبان؛ ليقوم بعملية "إحياء للقلب" قبل دخول رمضان.

يقول الشيخ عبد القادر الجيلاني - قدَّس الله سره: (وقال ذو النون المصري -رحمه الله-: رجب لترك الآفات، وشعبان لاستعمال الطاعات، ورمضان لانتظار الكرامات، فمن لم يترك الآفات، ولم يستعمل الطاعات، ولم ينتظر الكرامات، فهو من أهل الترهات) أ.هـ.

وقال أيضًا - رحمه الله: (رجب شهر الزرع، وشعبان شهر السقي، ورمضان شهر الحصاد، وكل يحصد ما زرع، ويجزي ما صنع، ومن ضيع الزراعة ندم يوم حصاده، وأخلف ظنه مع سوء معاده) أهـ..

وقال بعض الصالحين: (السَّنة شجرة، رجب أيام إيراقها، وشعبان أيام إثمارها، ورمضان أيام قطافها) أهـ [الغنية لطالبي طريق الحق ١/ ٣٣٩، ط: دار الكتب العلمية].

فبناء الإنسان في شعبان يتم عبر تحويل "العادات اليومية" إلى "عبادات" عبر نية التقوى.

فالموظف يتقن عمله؛ لأنه يعلم أن عمله سيُرفع إلى الله هذا الشهر، فيحب أن يُرفع العمل "متقنًا".

والتاجر يصدق في بيعه؛ لأنه يريد أن يُرفع كسبه "حلالًا طيبًا".

هنا يتحول المجتمع كله إلى "محراب كبير"، وتلتحم الدنيا بالآخرة، وهذا هو جوهر التصوف السُّني المنضبط بالكتاب والسنة: "أن تكون مع الخلق بلا غش، ومع الحق بلا غفلة".

الاستعداد لثقل الأمانة

يقول الله تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلۡقِی عَلَیۡكَ قَوۡلࣰا ثَقِیلًا﴾ [المزمل: ٥] القرآن الكريم أمانة عظيمة، وكذلك تجليات ليلة القدر ثقيلة، ولا يحتمل هذا الثقل إلا من تدرب على "حمل الأمانة" وشعبان هو معسكر التدريب.

إن الصيام الطويل في أيام الحر أو العمل، والقيام في ليالي التعب، هو الذي يبني "القوة الروحية" التي ستحمل "ثقل" الواردات الإلهية في رمضان.


مراجع للاستزادة:

  • صحيح الإمام البخاري.
  • صحيح الإمام مسلم.
  • سنن الإمام النسائي.
  • الغنية لطالبي طريق الحق عز وجل- للشيخ عبد القادرالجيلاني
  • الفتوحات المكية – للشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الحاتمي.
  • لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف – للحافظ ابن رجب الحنبلي.
  • استنشاق نسيم الأنس من نفحات رياض القدس – للحافظ ابن رجب الحنبلي.
  • مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي – للحافظ ابن رجب الحنبلي.
  • إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين – للإمام المرتضى الزبيدي.
  • إيقاظ الهمم في شرح الحكم العطائية – للشيخ أحمد بن عجيبة الحسني.
  • البحر المديد في تفسير القرآن المجيد – للشيخ أحمد بن عجيبة الحسني.

الخلاصة

شعبان ليس مجرد شهر للمغفرة، بل هو منهج حياة يعيد ضبط البوصلة، يعلمنا أن العبادة ليست بديلًا عن العمل، والعمل ليس مبررًا للغفلة، نرفع أعمالنا إلى السماء بصيامنا، ونعمر أرضنا بالنهار بجدنا، وبذلك يتحقق مراد الله - عز وجل - من خليفته في الأرض.

موضوعات ذات صلة

شهر شعبان ليس مجرد محطة زمنية بين رجب ورمضان؛ بل هو مدرسة فريدة؛ للتوازن بين العبادة والعمل.

شهر شعبان بمثابة "الإصلاح الهيكلي" للقلب والجسر الإيماني الذي لا يَعبره المرءُ إلى حصاد رمضان إلا بصدق السقيِ والتطهير من الأحقاد والعيوب.

يعد شهر شعبان مضمارًا لليقظة، وبوابةً للأهبة؛ فهو الموسم الذي يغفل عنه الناس بين رجب ورمضان، وفيه تُرفع الأعمال،