وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
إن المتأمل في نسيج التشريع الإسلامي يدرك أن صيام ست من شوّال له منزلة سنية، ومكانة عليّة؛ لأنه كصيام شعبان في كونه امتدادًا لرمضان، وهو شهر الصيام الذي يليه، والمتاخم له، فيلتحق به، ويكمل شرفه، ويجبر نقصه، وقد قرر المحققون من أهل العلم أن صيام هذين الشهرين - شعبان وشوّال - أفضل من صيام الأشهر الحرم، وهذا هو الأظهر، ولا خلاف في ذلك عند أهله [انظر: لطائف المعارف لابن رجب (ص٣٨٩)، والمجموع للنووي (٣/٤٩٣)]؛ إننا في مدرسة المنهج النبوي المستقيم نؤكد أن رمضان هو المعمل الذي تُصهر فيه النفوس، لتخرج منه بهوية مستقيمة لا تحول ولا تزول.
فإن قلت: كيف عدل صيام رمضان واتباعه بست من شوّال أجر صيام الدهر كله؟ قلت: هذا من فضل الله العظيم، وكرمه العميم، الذي يضاعف لمن يشاء؛ فالحسنة بعشر أمثالها، وهذا سر عظيم، قد جاء مفسرًا في الحديث الشريف الذي رواه ثوبان رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : «صِيَامُ رَمَضَانَ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ، وَصِيَامُ سِتَّةِ أَيَّامٍ بِشَهْرَيْنِ، فَذَلِكَ صِيَامُ سَنَةٍ» [أخرجه: أحمد (٥/ ٢٨٠)،]، ولا عبرة في هذا الفضل بنقصان شهر رمضان أو تمامه؛ سواء كان ثلاثين أو تسعًا وعشرين، فإن شهر رمضان لا ينقص حقيقة، وإنما نقص عددًا، وكماله في الفضل والأجر، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «شَهْرَانِ لَا يَنْقُصَانِ، شَهْرَا عِيدٍ: رَمَضَانُ وَذُو الحَجَّةِ.» [أخرجه: البخاري (١٩١٢)]، وحمل أهل العلم ذلك على كمال الأجر والثواب، وإن نقص العدد [ينظر: فتح الباري لابن حجر (٤/ ١٣٧)، وشرح النووي على مسلم (٧/ ٢٢٣)]، وقد كان إسحاق بن راهويه رحمه الله يكره أن يقال لشهر رمضان: إنه ناقص، وإن كان تسعًا وعشرين؛ تعظيمًا له، وإجلالًا لمقامه [لطائف المعارف (ص ٣٨٧)].
وهنا سؤال: لو صام المسلم هذه الست من غير شوّال، فهل يحصل له هذا الفضل؟ فالجواب: أن تخصيص شوّال بهذه الفضيلة ليس اعتباطًا،( إعادة صياغة)( وهنا يَرِدُ سؤال: لو صام المسلم هذه الأيام الستة في غير شهر شوّال، فهل ينال هذا الأجر الموعود؟ والجواب: إن تخصيص شوّال بهذه المزية ليس أمرًا عَرَضيًّا ولا بلا حكمة، بل هو مقصود شرعًا وله دلالته وفضيلته الخاصة) وإنما هو لمعنى لطيف، وحكمة بديعة؛ فإن صيامها من شوّال يلتحق بصيام رمضان، فيكون له أجر صيام الدهر فرضًا؛ ذكر ذلك الإمام عبد الله بن المبارك رحمه الله، وأشار إليه الترمذي في جامعه [جامع الترمذي (٣/ ١١٣) عقب حديث (٧٥٩)]، ولعله أشار إلى ما روي عن السيدة أم سلمة رضي الله عنها: أن من صام الغد من يوم الفطر، فكأنما صام رمضان [أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣/ ٨٩) عن أم سلمة رضي الله عنها].
فانظر إلى كرم الله عزوجل! من صام مع رمضان ستًا من شوّال، فكأنما صام السنة كلها، بل وكأنما صام رمضان مرتين! فهيهات هيهات أن يبلغ العاقل مثل هذا الفضل في غير هذا الشهر الكريم.
إن في معاودة الصيام بعد رمضان في شهر شوال فوائد جليلة، وحكمًا باهرة جميلة؛ الفائدة الأولى هي جبر النقص واستدراك الخلل، إذ إن صيام شوّال وشعبان بمنزلة السنن الرواتب مع الصلوات المكتوبات، يكمل بها ما في الفريضة من خلل ونقص؛ فإن الفرائض تكمل بالنوافل يوم القيامة، كما صحت بذلك السنة المطهرة من وجوه متعددة [ينظر حديث أبي هريرة عند: أحمد (٢/ ٢٩٠)، وأبي داود (٨٦٤)، والنسائي (٢٣٣)، وابن ماجه (١٤٢٦)]. وما من أحد إلا وفي صيامه للفرض نقص وخلل، فلا بد من جابر، ولا غنى عن مكمل، ولهذا نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يقول الرجل: صمت رمضان كله، أو قمته كله، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: إِنِّي صُمْتُ رَمَضَانَ كُلَّهُ، وَقُمْتُهُ كُلَّهُ» [سنن أبي داود (٢٤١٥)]. وكان عمر بن عبد العزيز رحمه الله يقول: من لم يجد ما يتصدق به فليصم [لطائف المعارف (ص ٣٨٩)]. يعني من لم يجد ما يخرجه صدقة الفطر فليصم بعد الفطر؛ فإن الصيام يقوم مقام الإطعام في تكفير السيئات، كما أن معاودة الصيام من أعظم علامات قبول صوم رمضان؛ فإن الله تعالى إذا تقبل عمل عبد وفقه لعمل صالح بعده، فثواب الحسنة الحسنة بعدها.
إن صيام رمضان يوجب مغفرة ما تقدم من الذنوب، والصائمون يوفون أجورهم في يوم الفطر، وهو يوم الجوائز، فمعاودة الصيام بعد الفطر شكر لهذه النعمة العظمى، فلا نعمة أكبر من مغفرة الذنوب، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقوم حتى تتورم قدماه، فيقال له: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول: «أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا» [أخرجه: البخاري (١١٣٠، ٤٨٣٦، ٦٤٧١)]، وقد أمر الله تعالى بشكر نعمة صيام رمضان فقال تعالى: ﴿وَلِتُكۡمِلُوا۟ ٱلۡعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا۟ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥] . فمن تمام شكر العبد لربه أن يصوم له شكرًا عقيب ذلك، وكان بعض السلف إذا وفق لقيام ليلة أصبح صائمًا، وجعل صيامه شكرًا للتوفيق، وكان وهيب بن الورد يسأل عن ثواب الطواف فيقول: لا تسألوا عن ثوابه، ولكن سلوا ما الذي على من وفق لهذا من الشكر [حلية الأولياء لأبي نعيم (٨/ ١٤٩)]، قال موسى - عليه السلام- : يا رب، كيف أشكرك؟ قال: «الآن شكرتني» [أخرجه ابن المبارك في الزهد (ص ١٨]، وأما مقابلة نعمة رمضان بالمعاصي بعده فهو من فعل من بدل نعمة الله كفرًا، قال كعب: من صام رمضان وهو يحدث نفسه أنه إذا أفطر لا يعصي الله، دخل الجنة بغير حساب، ومن صام وهو يحدث نفسه أنه إذا أفطر عصى ربه، فصيامه عليه مردود [لطائف المعارف (ص ١٩١)].
إن الأعمال التي كان العبد يتقرب بها إلى ربه في رمضان لا تنقطع بانتهائه، بل هي باقية ما دام العبد حيًا. وهذا معنى الحديث: «الصَّائِمُ بَعْدَ رَمَضَانَ كَالْكارِّ بَعْدَ الْفَارِّ» [الجامع الصغير:٧٩٦٦]؛ أي كالعائد إلى القتال بعد الفرار منه، فالعائد إلى الصيام بعد فطره يدل عوده على رغبته فيه، وأنه لم يملله ولم يستثقله، وفي حديث الترمذي: «أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ الْحَالُّ الْمُرْتَحِلُ» [جامع الترمذي (٢٩٤٦) من حديث سيدنا عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما]. قال بشر رحمه الله: بئس القوم قوم لا يعرفون لله حقًا إلا في رمضان، إن الصالح الذي يتعبد السنة كلها [لطائف المعارف (ص ٣٩٢)]، وسئل الشبلي: أيهما أفضل رجب أو شعبان؟ فقال: كن ربانيًا ولا تكن شعبانيًا [المصدر نفسه]، وكان الحبيب النبي - صلى الله عليه وسلم - عمله ديمة، قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: «عَمَلُهُ دِيمَةً» [أخرجه: البخاري (١٩٨٧، ٦٤٦٦)]. ولم يكن يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة [أخرجه: البخاري (١١٤٧، ٢٠١٣ (] وقضى اعتكاف العشر الأواخر من رمضان في شوال [أخرجه: البخاري (٢٠٣٣)]. وأمر الرجل أن يصوم إذا أفطر، يقضي ما فاته من صيام شعبان في شوال [أخرجه البخاري: (١٩٨٣)].
من كان عليه قضاء من رمضان فليبدأ بقضائه في شوال؛ فإنه أسرع لبراءة ذمته، وهو أولى من صيام الست، وقد اختلف العلماء في جواز التطوع قبل القضاء، وعلى قول من يجوزه لا يحصل له مقصود صيام ست من شوال إلا لمن أكمل صيام رمضان ثم أتبعه بست منها. فمن بدأ بالقضاء ثم أتبعه بصيام الست بعد تكملة قضاء رمضان كان حسنًا، وأدرك الفضل إن شاء الله، وإن لم يحصل له فضل الست بصوم القضاء [انظر تفصيل هذه المسألة في: المجموع (٦/ ٤٤٠-٤٤١)، والمغني لابن قدامة (٤/ ٤٣٤)].
قال الحسن البصري رحمه الله: إن الله لم يجعل لعمل المؤمن أجلًا دون الموت، ثم قرأ ﴿وَٱعۡبُدۡ رَبَّكَ حَتَّىٰ یَأۡتِیَكَ ٱلۡیَقِینُ﴾ [الحجر: ٩٩] ، فهذه الشهور والأعوام مقادير للآجال، تنقضي سريعًا، والذي أوجدها باقٍ لا يزول، دائم لا يحول، وهو في كل وقت إله واحد، ولأعمال عباده رقيب مشاهد [ابن رجب :لطائف المعارف (ص ١٩٦) بتصرف يسير]، المحب لا يمل من التقرب بالنوافل، ولا يأمل إلا قربه ورضاه، ما أحسن الحسنة بعد السيئة تمحوها! وأحسن منها الحسنة بعد الحسنة تتلوها، وما أقبح السيئة بعد الحسنة تمحقها وتنقص من أجرها! فذنب واحد بعد التوبة أقبح من سبعين ذنبًا قبلها، أيها العزيز النكسة أصعب من المرض، وربما أهلكت، سلوا الله الثبات على الطاعات إلى الممات، وتعوذوا به من تقلب القلوب، ومن الحور بعد الكور؛ ارحموا عزيز قوم بالمعاصي ذلّ، وغنيّ قوم بالذنوب افتقر.
إن الاستقامة بعد رمضان هي معراج المؤمن من عالم الفناء إلى عالم البقاء، رحل رمضان وبقيت أنواره وديعة في أعناقنا، وصيام الست من شوال هو التحية التي نقدمها لهذا الشهر الكريم اعترافًا بفضله، لنجعل من أيامنا كلها ربانية في القصد، ومحمدية في الخلق، مستعيذين بالله من نكسة القلوب بعد طهرها، ومحققين لمقام الربانية الذي لا يحده زمان ولا مكان.
كيف تتحول مقاصد الصيام إلى ثمار في حياة المسلم بعد رمضان؟
إنَّ صيامَ الستِّ من شوال ليس مجردَ نافلةٍ زمنية.
ثمانية مقاصد إيمانية كامنة في آيات الصيام.
يكثر التساؤل حول جواز الجمع بين نية صيام الفرض، كقضاء أيام من رمضان، ونية صيام النافلة.
شهر شوال أول أشهر الحج، ويُعَدُّ موسمًا مباركًا تتواصل فيه الطاعات بعد انقضاء شهر رمضان.