لما رأى سيدنا رسول الله - صلى الله
عليه وآله وسلم - ما فُعل بسيدنا حمزة رضي الله عنه، تألم لذلك ألمًا شديدًا.
"قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله
عليه وآله وسلم - فِيمَا بَلَغَنِي - يَلْتَمِسُ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ
الْمُطَّلِبِ فَوَجَدَهُ بِبَطْنِ الْوَادِي، قَدْ بُقِرَ بَطْنُهُ عَنْ كَبِدِهِ،
وَمُثِّلَ بِهِ; فَجُدِعَ أَنْفُهُ وَأُذُنَاهُ، فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ
جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - قَالَ
حِينَ رَأَى مَا رَأَى: «لَوْلَا أَنْ تَحْزَنَ صَفِيَّةُ وَتَكُونَ
سُنَّةً مِنْ بَعْدِي، لَتَرَكْتُهُ حَتَّى يَكُونَ فِي بُطُونِ السِّبَاعِ
وَحَوَاصِلِ الطَّيْرِ، وَلَئِنْ أَظْهَرَنِي اللَّهُ عَلَى قُرَيْشٍ فِي مَوْطِنٍ
مِنَ الْمَوَاطِنِ لَأُمَثِّلَنَّ بِثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنْهُمْ».
فَلَمَّا
رَأَى الْمُسْلِمُونَ حُزْنَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وآله وسلم -،
وَغَيْظَهُ عَلَى مَنْ فَعَلَ بِعَمِّهِ مَا فَعَلَ، قَالُوا: وَاللَّهِ لَئِنْ أَظْفَرَنَا اللَّهُ بِهِمْ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ
لَنُمَثِّلَنَّ بِهِمْ مُثْلَةً لَمْ يُمَثِّلْهَا أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي بُرَيْدَةُ بْنُ
سُفْيَانَ بْنِ فَرْوَةَ الْأَسْلَمِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ وَحَدَّثَنِي
مَنْ لَا أَتَّهِمُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ اللَّهَ عزوجل أَنْزَلَ فِي ذَلِكَ: ﴿وَإِنۡ عَاقَبۡتُمۡ فَعَاقِبُوا۟ بِمِثۡلِ
مَا عُوقِبۡتُم بِهِۦۖ وَلَئِن صَبَرۡتُمۡ لَهُوَ خَیۡرࣱ لِّلصَّٰبِرِینَ﴾ [النحل: ١٢٦]
قَالَ:
فَعَفَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - وَصَبَرَ وَنَهَى عَنِ
الْمُثْلَةِ" [ابن كثير: البداية والنهاية، ٥/٤٢٥]
"وَيُقَالُ: لَمّا أُصِيبَ حَمْزَةُ
جَاءَتْ صَفِيّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ تَطْلُبُهُ، فَحَالَتْ بَيْنَهَا
وَبَيْنَهُ الْأَنْصَارُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم -:
دَعُوهَا! فَجَلَسَتْ عِنْدَهُ فَجَعَلَتْ إذَا بَكَتْ بَكَى رَسُولُ اللهِ - صلى
الله عليه وآله وسلم -، وَإِذَا نَشَجَتْ يَنْشِجُ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه
وآله وسلم -، وَكَانَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ النّبِيّ - صلى الله عليه وآله وسلم - تَبْكِي،
وَجَعَلَ رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - إذا بَكَتْ بَكَى، وَجَعَلَ
رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم- يَقُولُ: لَنْ أُصَابَ بِمِثْلِك
أَبَدًا!" [مغازي الواقدي:١/٢٩٠]
ودفن سيدنا حمزة وابن أخته سيدنا عبد
الله بن جحش رضي الله عنهما في قبر واحد، وكان
حمزة أول من صلى رسول الله عليه ذلك اليوم من الشهداء، وكبر عليه أربعًا، ثم جمع إليه
الشهداء، فكلما أتي بشهيد وضع إلى جنب حمزة، فصلى عليه وعلى الشهيد، حتى صلى عليه سبعين
مرة [ابن سعد: الطبقات الكبرى، ٣/٢٤].