شرارة
القتال وبسالة أبي دجانة وعلي
نادى
رسول الله ﷺ
رافعًا سيفه: «مَنْ
يَأْخُذُ هَذَا السَّيْفَ بِحَقِّهِ؟» فأحجم عنه رجال، حتى قام إليه أَبُو
دُجَانَةَ سِمَاكُ بْنُ خَرَشَةَ فَقَالَ: "وَمَا حَقُّهُ يَا
رَسُولَ اللَّهِ؟"، فقال ﷺ:
«أَنْ تَضْرِبَ
بِهِ الْعَدُوَّ حَتَّى يَنْحَنِيَ»، فأخذه أبو دجانة، وأخرج عصابة
حمراء عَصَبَ بها رأسه (وكانت الأنصار تسميها عصابة الموت)، وجعل يتبختر بين
الصفين منشدًا:
أَنَا
الَّذِي عَاهَدَنِي خَلِيلِي * * * ونَحْنُ بِالسَّفْحِ لَدَى النَّخِيلِ
أَلَّا
أَقُومَ الدَّهْرَ فِي الْكَيُّولِ * * * أَضْرِبُ بِسَيْفِ اللَّهِ وَالرَّسُولِ
ولما
رآه ﷺ
يتبختر قال: «إِنَّهَا
لَمِشْيَةٌ يُبْغِضُهَا اللَّهُ، إِلَّا فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْطِنِ».
وكان
أول من بدأ القتال أبو عامر الفاسق في الأحابيش وعبدان مكة، فنادى
قومه الأوس لعلهم يتبعونه، فردوا عليه:
"فَلَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِكَ عَيْنًا يَا فَاسِقُ"، فقاتلهم
قِتَالًا شديدًا ورَاضَخَهُمْ بالحجارة، وفي صفوف المشركين، كان أبو سفيان
يحرّض بني عبد الدار حاملي اللواء ليثبتوا أو يُخَلُّوا بينهم وبينه، فتوعدوه
بالثبات، وقامت هند بنت عتبة والنسوة يضربن الدفوف خلف الرجال وينشدن:
وَيْهَا بَنِي عَبْدِ الدَّارْ * * * ويْهَا
حُمَاةَ الْأَدْبَارْ
ضَرْبًا بِكُلِّ بَتَّارْ
وتقول
أيضا:
إنْ تُقْبِلُوا نُعَانِقْ * * * ونَفْرِشُ
النَّمَارِقْ
أَوْ تُدْبِرُوا نُفَارِقْ * * * فرَاقَ
غَيْرَ وَامِقْ
انطلقت
المعركة وكان شعار المسلمين:
"أَمِتْ، أَمِتْ".
قاتل
أبو دجانة بضراوة لا يلقى أحدًا إلا قتله، وتتبعه الزبير بن العوام
لينظر ما يصنع، فرآه يلتقي بمشرك كان يُذَفِّف على الجرحى -يسرع في قتلهم-،
فاختلفا ضربتين، فاتقى أبو دجانة ضربة المشرك بدرقته فقتله.
ثم
رفع أبو دجانة السيف على مفرق رأس هند بنت عتبة، ولكنه عدله عنها
مكرمًا لسيف رسول الله ﷺ
أن يضرب به امرأة كانت تُوَلْوِل أمامه، قَالَ الزَّبِيرُ فَقُلْتُ: "اللَّهُ
وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ".
وقاتل
مصعب بن عمير دون اللواء حتى قتله ابن قميئة الليثي، فأُعطي اللواء لعلي
بن أبي طالب، وبرز أبو سعد بن أبي طلحة (صاحب لواء المشركين) يتحدى،
فخرج إليه علي بن أبي طالب، فاختلفا ضربتين فصرعه علي ولم يُجهز عليه، ولما
سأله أصحابه قال: "إنَّهُ اسْتَقْبَلَنِي
بِعَوْرَتِهِ، فَعَطَفَتْنِي عَنْهُ الرَّحِمُ، وَعَرَفْتُ أَنَّ اللَّهَ عز وجل
قَدْ قَتَلَهُ"، وقتل عاصم بن ثابت الأخوين مسافع والجلاس ابني طلحة،
وكانا يرجعان لأمهما سلافة فيضعان رؤوسهما في حجرها ويخبرانها أن عاصمًا هو من
رماهما، فنذرت لئن أمكنها الله من رأسه لتشربن فيه الخمر، وقتل حمزة عثمان بن أبي
طلحة وهو يرتجز دفاعًا عن لواء المشركين.
استشهاد
أسد الله حمزة
قاتل
حمزة بن عبد المطلب بقوة يَهُدُّ الناس بسيفه هَدًّا كالجمل الأوْرَق لا
يقوم له شيء، فقتل أرطاة بن عبد شرحبيل، ثم نادى سباع بن عبد العزى وقتله.
وهنا
كان وحشي يتربص به ليسترد حريته، وقد روى وحشي لاحقًا تفاصيل تلك
اللحظة (حين سأله عبيد الله بن عدي وجعفر بن عمرو في حمص بعد أن غلب عليه الكبر
والخمر) قال وحشي: خَرَجْتُ انْظُر حَمْزَة وأ تبصّره، حَتَّى رَأَيْتُهُ
فِي عُرْضِ النَّاسِ مِثْلَ الْجَمْلِ الْأَوْرَقِ، يَهُدُّ النَّاسَ بِسَيْفِهِ
هَدًّا، مَا يَقُومُ لَهُ شَيْء، فو الله إنِّي لَأَتَهَيَّأُ لَهُ، أُرِيدُهُ
وَأَسْتَتِرُ مِنْهُ بِشَجَرَةِ أَوْ حَجَرٍ لِيَدْنُوَ مِنِّي إذْ تَقَدَّمَنِي
إلَيْهِ سِبَاعُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى، فَضَرَبَهُ ضَرْبَةً كَأَنَّ مَا أَخَطَأَ
رَأْسَهُ، وَهَزَّزَتْ حَرْبَتِي، حَتَّى إذَا رَضِيتُ مِنْهَا، دَفَعْتُهَا
عَلَيْهِ، فَوَقَعَتْ فِي ثُنَّتِهِ، حَتَّى خَرَجَتْ مِنْ بَيْنَ رِجْلَيْهِ،
وَذَهَبَ لِيَنُوءَ -أي ينْهض متثاقلا- نَحْوِي، فَغُلِبَ، وَتَرَكْتُهُ
وَإِيَّاهَا حَتَّى مَاتَ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَأَخَذْتُ حَرْبَتِي، ثُمَّ رَجَعْتُ
إلَى الْعَسْكَرِ، فَقَعَدْتُ فِيهِ، وَلَمْ يَكُنْ لِي بِغَيْرِهِ حَاجَةٌ،
وَإِنَّمَا قَتَلْتُهُ لِأُعْتَقَ.
وقد
ذكر وحشي في روايته أنه هرب للطائف بعد فتح مكة، ثم ضاقت عليه المذاهب حتى
قيل له إن رسول الله ﷺ
لا يقتل مَنْ دخل دينه، فقدم عليه المدينة وتشهد بشهادة الحق، فلما رآه رسول الله ﷺ
عرفه وطلب منه أن يحدثه كيف قتل حمزة، ثم قال له: «وَيْحَكَ! غَيِّبْ عَنِّي وَجْهَكَ»،
فكان يتنكب طريق رسول الله ﷺ
حتى قُبض، ولما خرج المسلمون لقتال مسيلمة الكذاب، خرج وحشي بحربته تلك
فقتل بها مسيلمة، قائلًا: " فَإِنْ كُنْتُ قَتَلْتَهُ، فَقَدْ قَتَلْتُ خَيْرَ
النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ،
وَقَدْ قَتَلْتُ شَرَّ النَّاسِ".
استبسال
حملة اللواء والمبارزات الفردية
قاتل
مصعب بن عمير دون رسول الله ﷺ حاملًا اللواء حتى استشهد،
قتله ابن قميئة الليثي وهو يظن أنه قتل النبي ﷺ، فرجع صارخًا في قريش: "قتلت محمّدًا"، فأعطى ﷺ
اللواء لعلي بن أبي طالب، فتقدم به للقتال، واشتدت المعركة، فبرز صاحب لواء
المشركين أبو سعد بن أبي طلحة يدعو للبراز، فخرج إليه علي بن أبي طالب، فاختلفا
ضربتين فصرعه عليّ ولم يجهز عليه، ولما سأله أصحابه عن ذلك قال: "إنَّهُ اسْتَقْبَلَنِي بِعَوْرَتِهِ،
فَعَطَفَتْنِي عَنْهُ الرَّحِمُ، وَعَرَفْتُ أَنَّ اللَّهَ عز وجل قَدْ قَتَلَهُ"،
وكان عثمان بن أبي طلحة قد حمل لواء المشركين وهو يرتجز:
إنَّ عَلَى أَهْلِ اللِّوَاءِ حَقَّا * *
* أَنْ يَخْضِبُوا الصَّعْدَةَ أَوْ تَنْدَقَّا
فبرز
له حمزة بن عبد المطلب فقتله.
والتقى
حنظلة بن أبي عامر بأبي سفيان، فلما استعلاه حنظلة وكاد يجهز عليه،
رآه شداد بن الأسود (ابن شعوب) فتدخل لإنقاذ أبي سفيان، فضرب حنظلة فقتله، فقال
رسول الله ﷺ:
«إِنَّ صَاحِبَكُمْ
يَعْنِي حَنْظَلَةَ لَتُغَسِّلُهُ الْمَلَائِكَةُ»، ولما سُئلت زوجته
عن شأنه، أخبرت أنه خرج وهو جنب حين سمع الهَيْعَة (صيحة الفزع)، وقد تفاخر
المشركون بهذا الموقف؛ فأنشد شداد يفتخر، وأنشد أبو سفيان أبياتًا يذكر فيها صبره
ومساعدة ابن شعوب له قائلًا:
وَلَوْ شِئْتُ نَجَّتْنِي كُمَيْتٌ
طِمَرَّةٌ * * * ولَمْ أَحْمِلْ النَّعْمَاءَ لِابْنِ شَعُوبِ
وَمَا زَالَ مُهْرِي مَزْجَرَ الْكَلْبِ
مِنْهُمْ * * * لَدُنْ غُدْوَةٍ حَتَّى دَنَتْ لِغُرُوبِ
(إلى
آخر قصيدته التي ذكر فيها قتله للنجباء)، فأجابه حسان بن ثابت مفندًا فخره
ومذكرًا إياه بقتلى قريش:
ذَكَرْتَ الْقُرُومَ الصَّيْدَ مِنْ آلِ
هَاشِمٍ * * * ولَسْتَ لِزُورٍ قُلْتَهُ بِمُصِيبِ
أَتَعْجَبُ أَنْ أَقَصَدْتُ حَمْزَةَ
مِنْهُمْ * * * نَجِيبًا وَقَدْ سَمَّيْتَهُ بِنَجِيبِ
انكشاف
المسلمين وتغير الموازين
في
بداية الأمر، أنزل الله نصره وصدقهم وعده، وكشف المسلمون المشركين عن العسكر حتى
رُئيت هند بنت عتبة وصواحبها مُشَمِّرَات هَوَارِب، لكن الرماة خالفوا الأمر
ومالوا إلى العسكر لجمع الغنائم، فَأُتِيَ المسلمون من خلفهم، وصرخ صارخ (وهو أزب
العقبة، أي الشيطان): "ألا إن
محمّدًا قد قُتل!"، فانكفأ المسلمون واختلطت الصفوف.
وكان لواء المشركين قد سقط، فرفعه غلامهم الحبشي
صُؤاب وقاتل به حتى قُطعت يداه فاحتضنه بصدره وعنقه حتى قُتل عليه، وفيه أنشد
حسان بن ثابت يهجوهم:
فَخَرْتُمْ بِاللِّوَاءِ وَشَرُّ فَخْرٍ *
* * لِوَاءٌ حِينَ رُدَّ إلَى صُؤَابِ
جَعَلْتُمْ فَخَرَكُمْ فِيهِ بِعَبْدٍ *
* * وأَلْأَمُ مَنْ يَطَا عَفَرَ التُّرَابِ
ثم
رفعت اللواء عمرة بنت علقمة الحارثية فثاب المشركون حوله، وقال حسان فيها:
إذَا عَضَلٌ سِيقَتْ إلَيْنَا كَأَنَّهَا
* * * جِدَايَةُ شِرْكٍ مُعْلِمَاتِ الْحَوَاجِبِ
أَقَمْنَا لَهُمْ طَعْنًا مُبِيرًا
مُنَكِّلًا * * * وحُزْنَاهُمْ بِالضَّرْبِ مِنْ كُلِّ جَانِبِ
المحنة:
الدفاع المستميت عن رسول الله ﷺ
اشتدت
المحنة وخلص العدو إلى رسول الله ﷺ،
فدُثَّ بالحجارة حتى وقع لشقه في حفرة أعدها أبو عامر الفاسق ليقع فيها المسلمون وهم
لا يعلمون، كُسرت رباعيته، وشُجَّ في وجهه، وكُلِمت شفته، وكان الذي أصابه عتبة بن
أبي وقاص، وشجه عبد الله بن شهاب الزهري، وجرح وجنته ابن قميئة فدخلت حلقتا
المِغْفَر في وجنته، فجعل ﷺ
يمسح الدم عن وجهه ويقول: «كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ خَضَبُوا وَجْهَ نَبِيِّهِمْ، وَهُوَ
يَدْعُوهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ!»، فأنزل الله عز وجل: ﴿لَیۡسَ لَكَ مِنَ ٱلۡأَمۡرِ شَیۡءٌ أَوۡ یَتُوبَ عَلَیۡهِمۡ أَوۡ
یُعَذِّبَهُمۡ فَإِنَّهُمۡ ظَٰلِمُونَ﴾
[آل عمران: ١٢٨].
وسارع
الصحابة لإنقاذه ﷺ؛
فأخذ علي بن أبي طالب بيده، ورفعه طلحة بن عبيد الله حتى استوى قائمًا، وقال
ﷺ
في طلحة: «مَنْ
أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إلَى شَهِيدٍ يَمْشِي عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَلْيَنْظُرْ
إلَى طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ»، ومصَّ مالك بن سنان (والد أبي
سعيد الخدري) الدم من وجهه وازدرده، فبشره النبي ﷺ بأن النار لا تصيبه، وتقدم
أبو عبيدة بن الجراح فنزع إحدى الحلقتين من وجهه فسقطت ثنيته، ثم نزع الأخرى فسقطت
ثنيته الأخرى، وقد أنشد حسان بن ثابت غاضبًا في عتبة بن أبي وقاص:
فَأَخْزَاكَ رَبِّي يَا عُتَيْبُ بْنَ
مَالِكٍ * * * ولَقَّاكَ قَبْلَ الْمَوْتِ إحْدَى الصَّوَاعِقِ
بَسَطْتَ يَمِينًا لِلنَّبِيِّ
تَعَمُّدًا * * * فأَدْمَيْتَ فَاهُ، قُطِّعَتْ بِالْبَوَارِقِ
ودعا
النبي ﷺ
أصحابه قائلًا: «مَنْ
رَجُلٌ يَشْرِي لَنَا نَفْسَهُ؟» فقام زياد بن السكن (وقيل عمارة بن
يزيد) في خمسة من الأنصار فقاتلوا دونه حتى أثبتتهم الجراح واستشهدوا رَجُلًا تلو
الآخر، وكان آخرهم زياد فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَدْنُوهُ مِنِّي»، فَأَدْنَوْهُ مِنْهُ،
فَوَسَّدَهُ قَدِمَهُ، فَمَاتَ وَخَدُّهُ عَلَى قَدَمِ رَسُولِ اللَّهِ.
وقاتلت
أم عمارة (نسيبة بنت كعب) تباشر القتال وتَذُبُّ عن النبي ﷺ
بالسيف وترمي بالقوس، واعترضت لابن قميئة الذي كان يصرخ: "دُلُّونِي عَلَى مُحَمَّدٍ، فَلَا نَجَوْتُ إنْ نَجَا"،
فضربها ابن قميئة جرحًا أجوف له غور في عاتقها، وضربته هي ضربات لكنه كان محميًّا
بدرعين، وتترَّس أبو دجانة بنفسه يحمي النبي ﷺ، فكان النبل يقع في ظهره
وَهُوَ مُنْحَنٍ عَلَيْهِ، حَتَّى كَثُرَ فِيهِ النَّبْلُ، ورمى سعد بن أبي
وقاص والرسول يناوله النبل قائلًا: «ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي»، وأُصيبت عين قتادة
حتى وقعت على وجنته، فردها ﷺ
بيده فصارت أحسن عينيه وأحَدَّهُمَا، وأُصيب عبد الرحمن بن عوف يومها
بعشرين جراحة أو أكثر وهُتِم فوه وعرجت رجله.
وسط
هذه الأحداث، ألقى بعض الصحابة أسلحتهم لما أشيع مقتل النبي ﷺ،
فمرَّ بهم أنس بن النضر (عم أنس بن مالك) فوجد عمر وطلحة ورجالًا قد ألقوا
بأيديهم، فقال: "مَا يُجْلِسُكُمْ؟"
قالوا: قُتل رسول الله ﷺ،
فقال: "فَمَاذَا تَصْنَعُونَ
بِالْحَيَاةِ بَعْدَهُ؟ فَمُوتُوا عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ".
ثم
استقبل القوم فقاتل حتى استشهد، حتى قالوا: "لَقَدْ وَجَدْنَا بِأَنَسِ بْنِ
النَّضْرِ يَوْمئِذٍ سَبْعِينَ ضَرْبَةً، فَمَا عَرَفَهُ إلَّا أُخْتُهُ،
عَرَفَتْهُ بِبَنَانهِ".
التراجع
إلى الشِّعْب ومقتل أُبَيّ بن خلف
كان
كعب بن مالك أول من عرف رسول الله ﷺ
بعد الهزيمة؛ إذ ميز عينيه تَزْهَرَانِ من تحت المغفر، فنادى بأعلى صوته مبشرًا المسلمين،
فأشار إليه ﷺ
أن أنصت، فنهض المسلمون بالنبي ﷺ
نحو الشِّعب (ومعه أبو بكر وعمر وعليّ وطلحة والزبير والحارث بن الصمة
ورهط).
وفي
الطريق، أدركهم أُبي بن خلف وهو يقول:
"أي محمّد، لا نجوت إن نجوت"، وطلب القوم أن يعطف عليه أحدهم، فقال ﷺ:
«دَعُوهُ»،
ولما دنا، تناول ﷺ
الحربة من الحارث بن الصمة وانتفض بها انتفاضة تطايروا عنه تطاير الشعراء (الذباب)
عن ظهر البعير، ثم استقبله فطعنه في عنقه طعنة تَدَأْدَأَ منها عن فرسه مرارًا، وكان
أبيّ يقول بمكة للنبي
ﷺ:
"إن عندي فرسًا أعلفه كل يوم فَرَقًا من ذرة أقتلك عليه"، فيرد
النبي: «بَلْ
أَنَا أَقْتُلُكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ»، ولما رجع أبيّ لقريش
مخدوشًا، احتقن الدم وقال: "قتلني
والله محمّد، لو بصق علي لقتلني"، فمات عَدُوُّ الله بالطريق وهم راجعون به
إلى مكة، وفي ذلك أنشد حسان:
لَقَدْ وَرِثَ الضَّلَالَةَ عَنْ أَبِيهِ
* * * أُبَيٌّ يَوْمَ بَارَزَهُ الرَّسُولُ
أَتَيْتَ إلَيْهِ تَحْمِلُ رِمَّ عَظْمٍ *
* * وتُوعِدُهُ وَأَنْتَ بِهِ جَهُولُ
في
فم الشِّعْب
لما
انتهى رسول الله ﷺ
إلى فم الشِّعب، خرج علي بن أبي طالب فملأ درقته ماءً من المِهْرَاس (مَاء
بِأحد، وقيل: هو حجر ينقر وَيجْعَل إِلَى جَانب الْبِئْر، وَيصب فِيهِ المَاء
لينْتَفع بِهِ النَّاس)، لكن النبي ﷺ
وجد له ريحًا فعافه ولم يشرب منه، واكتفى بغسل الدم عن وجهه ورأسه وهو يقول: «اشْتَدَّ غَضَبُ
اللَّهِ عَلَى مَنْ دَمَّى وَجْهَ نَبِيِّهِ»، وكان سعد بن أبي وقاص
حريصًا أشد الحرص على قتل أخيه عتبة لفعله هذا.
وبينما
هم كذلك، علت طائفة من قريش بقيادة خالد بن الوليد الجبل، فقال ﷺ:
«اللَّهُمَّ
إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَعْلُونَا!»، فقاتلهم عمر بن
الخطاب ورهط معه حتى أهبطوهم من الجبل، ثم صلى النبي ﷺ
صلاة الظهر قاعدًا من الجراح، وصلى المسلمون خلفه قُعُودًا.