وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
تعلمنا من شهر رمضان الكثير، وما زلنا نحتاج أن نقرأه ونتعلم من نفحاته ومنحه، وأن نقف عند كل دقيقة وجليلة من روحانياته، حتى يتربى فينا ذلك النبيل الذي أراده الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وينشأ فينا ذلك المجاهد الذي يرهب عدو الله وعدونا.
إلا أن رمضان ليس موسمًا للعبادة والقرب وحسب، بل ينبغي أن يكون منطلقًا لسلوك قويم وحالٍ مرضيٍّ يدوم بعد رمضان، ولا ينبغي أن يكون رمضان مدةً تعلو فيها الهمة ثم تخمد بعده؛ فأحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل.
ولا ينبغي أن يفتر المؤمن بانقضاء رمضان؛ فإن رمضان من خلق الله، ولما كادت همم المسلمين تفتر بانتقال سيد الخلق وحبيب الحق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أعظم الخلق على الإطلاق، قام أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه فقال: "ألا من كان يعبد محمدًا صلى الله عليه وسلم، فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت" [رواه البخاري].
ولذا، فيحسن بنا أن نقول: من كان يعبد رمضان فإن رمضان قد انقضى، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ولا يُقضى عليه سبحانه وتعالى، فاثبت أيها المسلم على طاعتك، ولا تترك كتاب الله، فاتلوه آناء الليل وأطراف النهار، ولا تترك صلاة القيام، ولا تترك حسن الأخلاق، والسماحة والمسامحة التي كانت في رمضان، ولا تتجرأ على المحرمات؛ فإن الله حرم المعاصي في رمضان وفي كل زمان ومكان، فكن عبدًا لله وحده، وأخلص له العبادة.
ولقد فتح الله علينا أبواب خير، ومواسم شكر بعد رمضان، ليصبرنا على رحيله عنا، فشرع زكاة الفطر شكرًا لنعمه، وتعاونًا بين المسلمين، وإغناءً للفقراء.
وثاني مواسم الخير والشكر مما يصبرنا على فراق شهر رمضان هو عيد الفطر المبارك.
وثالث هذه الطاعات التي تعقب شهر رمضان صيام الست من شوال، فعن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «مَنْ صَامَ سِتَّةَ أَيَّامٍ بَعْدَ الْفِطْرِ كَانَ تَمَامَ السَّنَةِ، مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا» [رواه ابن ماجه].
يقول ابن حجر الهيتمي: "لأن الحسنة بعشر أمثالها، كما جاء مفسرًا في رواية سندها حسن، ولفظها: «صِيَامُ رَمَضَانَ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ، وَصِيَامُ سِتَّةِ أَيَّامٍ -أي: من شوال- بِشَهْرَيْنِ، فَذَلِكَ صِيَامُ السَّنَةِ»، أي: مثل صيامها بلا مضاعفة، نظير ما قالوه في خبر: «﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدِلُ ثلثَ القرآنِ» وأشباهه، والمراد ثواب الفرض، وإلا لم يكن لخصوصية ستة شوال معنى؛ إذ من صام مع رمضان ستة غيرها يحصل له ثواب الدهر لما تقرر، فلا تتميز تلك إلا بذلك.
وحاصله: أن من صامها مع رمضان كل سنة تكون كصيام الدهر فرضًا بلا مضاعفة، ومن صام ستة غيرها كذلك تكون كصيامه نفلًا بلا مضاعفة، كما أن من يصوم ثلاثة من كل شهر يتحصل له ذلك أيضًا" [تحفة المحتاج].
ودَّعنا رمضان، وتعلمنا منه، ونستقبل مواسم الخير التي تعقبه، عسى الله أن يصبرنا على فراقه، وأن يبلغنا رمضان في أعوام قادمة عديدة، تقبل الله منا ومنكم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
إن شهر رمضان مدرسةٌ للتربية وغرس كل سلوك قويم في نفوسنا، وحالٌ قلبيٌّ لا يحده زمان، فالمحبُّ الحقيقي لا يفترُ بذهابِ المواسم، بل يستدل على ربِّ رمضان في كلِّ آن؛ فكنْ عبدًا ربانيًّا يستمد من نفحات شوال وعطر العيد مددًا يثبّتُ قدمه على طريق الشوق، ليظلَّ القلبُ موصولًا بالحي الذي لا يموت، وفيًّا لعهدِ الطاعةِ في غيبتها كما في حضورها.
شهر رمضان محطة إيمانية استثنائية وفرصة ذهبية للتغيير الجذري نحو الأفضل.
ثمانية مقاصد إيمانية كامنة في آيات الصيام، إذا تحققت في نفس الصائم، أحدثت فيه تحولًا جذريًا يغير حياته بعد رمضان.
يربي الإسلام في أبنائه نفسية أبية تترفع عن الشهوات، وتكتفي من الدنيا بما يعينها على المسير.
شهر رمضان مدرسة إيمانية متكاملة، يخرج منها المسلم وقد تهذبت نفسه.
ليس الزهد أن تترك الدنيا من يدك، بل أن تخرجها من قلبك لتجعلها جسرًا تعبر به نحو الرضوان.