Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

قصة الهدي في الحج عبر الزمان

الكاتب

هيئة التحرير

قصة الهدي في الحج عبر الزمان

كيف تحوّل الهدي من شعيرة ضاربة في التاريخ إلى مدرسة في التوحيد والتكافل؟ وما الأسرار الفقهية والروحية الكامنة وراء هذه العبادة العظيمة في الحج؟

العديد من الأسئلة حول الموضوع يجيب عنها هذا المقال.

قصة الهدي في القرآن الكريم

يرتبط الهدي ارتباطًا وثيقًا بأعظم قصة تضحية في التاريخ الإنساني، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّآ أَسۡلَمَا وَتَلَّهُۥ لِلۡجَبِينِ * وَنَٰدَيۡنَٰهُ أَن يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُ * قَدۡ صَدَّقۡتَ ٱلرُّءۡيَآۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ *إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلۡبَلَٰٓؤُاْ ٱلۡمُبِينُ * وَفَدَيۡنَٰهُ بِذِبۡحٍ عَظِيمٖ﴾ [الصافات: ١٠٣-١٠٧].

ذلك الذِبح العظيم الذي فدى الله به إسماعيل هو أصل الهدي والأضحية، قال الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسيره: "الذبح العظيم" هو كبش من الجنة، أرسله الله ليفدي به إسماعيل، وهو الذي فدى الله به إسماعيل، وهو باقٍ إلى يوم القيامة يراه الحجاج على جبل ثبير" [تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ٧ /١٠٤]، فصارت هذه الشعيرة سنة إبراهيمية خالدة في كل حجة.

الهدي في الجاهلية بين الشرك والتفاخر

كانت العرب في الجاهلية تعرف الهدي، لكنها حرَّفت معناه، كانوا يعلِّقون لحوم الهدي على أصنامهم، ويصبون دماءها على جدران الكعبة، ويمنعون الفقراء من الاقتراب منها، وكان الرجل الغني يذبح مئات الإبل ليقال عنه: "فلان أشدّ"، دون أن يبالي بالفقراء الذين يتضورون جوعًا [السيرة النبوية، لابن هشام، ١ /٧٥]، وجاء الإسلام ليصحِّح هذا المسار، ويُعيدَ للهدي معناه الحقيقي.

الهدي في الإسلام - التوحيد والتكافل

جاء الإسلام ليقلب هذه الممارسة رأسًا على عقب.

أولًا: توحيد الوجهة: قال الله تعالى: ﴿قُلۡ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحۡيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢]، والنسك هنا يشمل كل ما يُذبح لله، ومنه الهدي والأضحية، قال الإمام النسفي: "﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾ أي: عبادتى، والناسك العابد، أو ذبحي أو حجي" [مدارك التنزيل، ١ /٥٥٢].

ثانيًا: التكافل الاجتماعي: قال تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِنۡهَا وَأَطۡعِمُواْ ٱلۡبَآئِسَ ٱلۡفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨]، جاء في تفسير الطبري: "وقوله: (وَأَطۡعِمُواْ ٱلۡبَآئِسَ ٱلۡفَقِيرَ) يقول: وأطعموا مما تذبحون أو تنحرون هنالك من بهيمة الأنعام من هديكم وبُدنكم البائسَ، وهو الذي به ضرّ الجوع والزمانة والحاجة، والفقير : الذي لا شيء له" [تفسير الطبري ١٨ /٦١١].

وقال تعالى: ﴿وَٱلۡبُدۡنَ جَعَلۡنَٰهَا لَكُم مِّن شَعَٰٓئِرِ ٱللَّهِ لَكُمۡ فِيهَا خَيۡرٞۖ فَٱذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَيۡهَا صَوَآفَّۖ فَإِذَا وَجَبَتۡ جُنُوبُهَا فَكُلُواْ مِنۡهَا وَأَطۡعِمُواْ ٱلۡقَانِعَ وَٱلۡمُعۡتَرَّۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرۡنَٰهَا لَكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾ [الحج: ٣٦].

يقول الشيخ أبو زهرة رحمه الله: "القانع" من القناعة، وهو الفقير الراضي الذي لا يسأل الناس إلحافا و"الْمعْتَرّ" افتعل من عَرَّ، وهو الذي يكشف فقره ولا يستره، ويطلب من الناس، ولا يمتنع عن السؤال، والإعطاء لهؤلاء صدقة مبرورة، وقدم عليها أكله هو لكيلا يحسب الناس أنه لَا يصح أن يأكل" [زهرة التفاسير: ٩ /٤٩٨٨]؛ فأصبح الفقراء أولى الناس بلحوم الهدي.

هدي الجناب النبوي - صلى الله عليه وآله وسلم - في الحج

في حجة الوداع، أهدى النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- مائة بدنة، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرُ طَوَافِهِ عَلَى الْمَرْوَةِ فَقَالَ -صلى الله عليه وآله وسلم: «لَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقْ الْهَدْيَ، وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحِلَّ، وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً»، فَقَامَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَلِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِأَبَدٍ؟ فَشَبَّكَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وآله وسلم- أَصَابِعَهُ وَاحِدَةً فِي الْأُخْرَى، وَقَالَ «دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ» مَرَّتَيْنِ «لَا بَلْ لِأَبَدٍ أَبَدٍ» وَقَدِمَ عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ بِبُدْنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وآله وسلم- ، فَوَجَدَ فَاطِمَةَ عليها السلام مِمَّنْ حَلَّ، وَلَبِسَتْ ثِيَابًا صَبِيغًا، وَاكْتَحَلَتْ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: إِنَّ أَبِي أَمَرَنِي بِهَذَا، قَالَ: فَكَانَ عَلِيٌّ يَقُولُ بِالْعِرَاقِ: فَذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وآله وسلم- مُحَرِّشًا عَلَى فَاطِمَةَ، لِلَّذِي صَنَعَتْ، مُسْتَفْتِيًا لِرَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وآله وسلم- فِيمَا ذَكَرَتْ عَنْه، فَأَخْبَرْتُهُ أَنِّي أَنْكَرْتُ ذَلِكَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: «صَدَقَتْ صَدَقَتْ، مَاذَا قُلْتَ حِينَ فَرَضْتَ الْحَجَّ؟» قَالَ قُلْتُ: اللَّهُمَّ! إِنِّي أُهِلُّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُكَ، قَالَ: «فَإِنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ فَلَا تَحِلُّ» قَالَ: فَكَانَ جَمَاعَةُ الْهَدْيِ الَّذِي قَدِمَ بِهِ عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ وَالَّذِي أَتَى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِئَةً، قَالَ: فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ وَقَصَّرُوا، إِلَّا النَّبِيَّ -صلى الله عليه وآله وسلم- وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ» [رواه مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم، برقم ١٢١٨].

ونحر النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- بيده الشريفة ثلاثًا وستين بدنة، وأمر عليًا رضي الله عنه فنحر الباقي [البداية والنهاية، لابن كثير، ٥ /١٦٥].

وقد قيل: إن عدد الثلاث والستين كان بعدد سنوات عمر حضرة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- ، ليكون كل عام ببدنة، شكرًا لله على نعمة الحياة والرسالة.

الهدي عبر الزمن من التوزيع الفردي إلى المشروع الحضاري

في الماضي، كان الحاج يشترى هديه بنفسه، ويذبحه بيده، أو يوكّل من يذبحه، ثم يوزع لحمه بنفسه على الفقراء والمساكين في مكة ومنى، لكن مع تزايد أعداد الحجاج، أصبح هذا شبه مستحيل.

أتت المملكة العربية السعودية بمشروع عملاق لتنظيم الهدي، يُعرف بـ "مشروع المملكة للهدي والأضاحي"، تقوم فكرته على شراء الحاج للهدي بأسعار مدعومة، وذبحه بطريقة مقننة صحيًا، وتجميده وشحنه إلى الفقراء والمساكين في مختلف أنحاء العالم، يذبح سنويًا أكثر من مليون رأس من الهدي، توزع لحومها على ٢٧ دولة فقيرة حول العالم.

وهذا يتفق مع مقصد الشريعة في الهدي: إغاثة الفقراء والمساكين، وتحقيق التكافل الاجتماعي، كما أنه يتوافق مع فتاوى دار الإفتاء التي تجيز التوكيل في الذبح والتوزيع، ما دامت المؤسسات المعنية تؤدي المهمة على الوجه الشرعي.

الدروس المستفادة

  1. التضحية الحقيقية طاعة لله، لا إراقة دم فقط: قصة إبراهيم عليه السلام علمتنا أن الجوهر هو التسليم لله.
  2. الهدي وسيلة للتكافل الاجتماعي: ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة لإغاثة الفقراء والمساكين، 
  3. اليسر ورفع الحرج: من لم يجد الهدي صام، ومن صام ثم قدر على الهدي لم يلزمه الرجوع إليه عند الجمهور، 
  4. تطور وسائل التنفيذ لا يمس جوهر الشعيرة: الهدي كشعيرة باقٍ بجوهره، لكن وسائل تنفيذه تتطور.
  5. الوسطية والاعتدال: فتاوى دار الإفتاء تجمع بين أقوال المذاهب، وتأخذ بالأيسر عند الحاجة، وهو منهج الأزهر الوسطي.

سؤال وجواب

س: ما الفرق بين الهدي والأضحية؟

ج: الهدي خاص بمناسك الحج، يذبحه الحاج في منى أو الحرم، أما الأضحية فهي سنة في عيد الأضحى عن كل مسلم، في أي مكان في العالم، ولا تشرع الأضحية للحاج عند المالكية، لأنه مشغول بالهدي [حاشية الدسوقي، ٢ /٥٥].

س: هل يجوز أكل الحاج من هديه؟

ج: نعم، يجوز بالإجماع، والأفضل أن يأكل الثلث، ويهدي الثلث، ويتصدق بالثلث، قاله سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما.

س: كم يومًا يستمر ذبح الهدي؟

ج: اتفق الحنفية والمالكية والحنابلة على أنه أيام النحر (١٠، ١١، ١٢ من ذي الحجة)، وخالفهم الشافعية فلم يحددوا وقتًا معينًا [بداية المجتهد، ١ /٣٤٢]، وفتوى دار الإفتاء ترجِّح الجواز مع الاستحباب في أيام النحر [دار الإفتاء المصرية، الفتوى رقم ٧٦٥٣].

س: هل تجزئ البقرة أو البدنة عن أكثر من شخص؟

ج: نعم، تجزئ البدنة أو البقرة عن سبعة أشخاص كحدٍّ أقصى، فعن جابر رضي الله عنه قال: «نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ» [رواه مسلم، ١٣١٨] [المغني لابن قدامة، ٣ /٢٨٥].

س: ما شروط الهدي من حيث السن؟

ج: يشترط في الهدي أن يبلغ السن المجزئ شرعًا: الإبل خمس سنوات (ثنية)، والبقر سنتان (ثنية)، والغنم سنة (جذع)، وخولف في الضأن فأجيز بالجذع، وهو ما أتم ستة أشهر [المجموع للنووي، ٨ /١٦٠].

س: هل يشترط في الهدي الذكورة؟

ج: لا يشترط، ويجزئ الأنثى والذكر.

الخلاصة

الهدي في الحج شعيرة عابرة للزمان والمكان، بدأت من كبش الفداء الذي أنزله الله من السماء فداءً لإسماعيل عليه السلام، فصارت سنة خالدة، ثم انحرفت في الجاهلية إلى مظهر من مظاهر الفخر والشرك، فجاء الإسلام ليصحِّح المسار، محولًا إياها إلى قمة التوحيد والتكافل الاجتماعي، وفي فقه الأزهر الشريف، وفتاوى دار الإفتاء المصرية، تتجسد هذه الرؤية الوسطية التي تجمع بين الأصالة والواقعية، وبين الالتزام بالنصوص ومراعاة ظروف الناس، مستندة إلى كتب التراث المعتمدة في المذاهب الأربعة.

واليوم، مع مشروع المملكة العملاق للهدي، أصبحت هذه الشعيرة تغذي فقراء العالم، شاهدة على أن هذه الأمة لا تزال تحمل راية "إطعام البائس الفقير" منذ أربعة عشر قرنًا، وستظل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

موضوعات ذات صلة

يوضح الفروق الفقهية الدقيقة بينهما لتؤدي عبادتك على ع​​​لم وبصيرة

تتعرف على أهم أحكام طواف الوداع بكل وضوح

دليل واضح يجيب عن كل ما يدور في ذهنك من أحكام وتفاصيل

إجابات واضحة ومبسطة تقودك خطوة بخطوة نحو أداء النسك على الوجه الصحيح

يمثل حجر إسماعيل عليه السلام معلمًا بارزًا في رحاب المسجد الحرام

موضوعات مختارة