Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

التوحيد

الكاتب

أ. د. فيصل عون

التوحيد

التوحيد هو أصل الأصول في الدين الإسلامي، ومحوره الأساسي الذي تدور حوله كل القضايا الشرعية والعقائدية، وفهم التوحيد كما ورد في القرآن الكريم والسنة يمثل جوهر الإيمان، ويميزه عن المفاهيم الأخرى التي قدمتها الديانات والفلسفات المختلفة.

مفهوم التوحيد وأهميته

من جملة الألقاب التي أطلقت على علم الكلام نجد: علم التوحيد، علم الذات والصفات، علم أصول الدين.... وحتى إذا قيل: إن علم الكلام هو "الفقه الأكبر" كاسم من أسماء هذا العلم، فإن الدلالة هنا واحدة، وهي أن كل القضايا الشرعية تُرد إلى (التوحيد) كمصدر رئيسي من مصادر التشريع.

إن قضية (التوحيد) كأصل من أصول الدين تعد العمود الفقري لعلم الكلام، حتى إن بعض الدارسين ذهب إلى أن أصول الدين كلها تختزل في أصل التوحيد، أما سائر الأصول الأخرى كالعدل والوعد والوعيد والمنزلة بين المنزلتين والنبوات... كلها متفرعة عن (أصل التوحيد) بحيث لا يصح لنا أن نعالج أية مشكلة من مشكلات (العقيدة) والشريعة بمعزل عن أصل التوحيد.

على أن مسائل علم الكلام إما أن تكون عقائد دينية كإثبات وجود الله بصفاته من قدم ووحدانية، وإما أن تكون موضوعاته قضايا مرتبطة بأصول العقيدة كالحديث عن العالم بأجسامه وعلله. [التهانوي: كشاف اصطلاحات الفنون، ط ص ٢٢، طبعة إستانبول ١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤م]

والتوحيد من حيث (اللغة) عبارة عما يصير به الشيء واحدًا، على حد تعبير القاضي عبد الجبار. [القاضي عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة ص ١٢٨، تحقيق د. عبد الكريم عثمان، مكتبة وهبة ط ا القاهرة ١٩٦٥م]

أما من حيث الاصطلاح - وهذا هو الأهم - فإن المتكلمين جميعًا يقصدون بالتوحيد العلم بأن الله - تعالى - واحد في كل ما يخصه، والإقرار أيضًا بكل ما وصف الله به نفسه، أي أن قضية التوحيد تتضمن مسألتين رئيسيتين:

أ - أن الله واحد لا شريك له.

ب - الإيمان والإقرار بذلك.

وبدون هذين الشرطين لا يكون المرء موحدًا؛ لأن المرء لو علم ولم يقر، أو أقر ولم يعلم، لم يكن موحدًا، هذا ما قاله القاضي عبد الجبار [شرح الأصول الخمسة ص ١٢٨]

على أنّ قضية التوحيد من جملة القضايا الرئيسية التي تناولتها الكتب المقدسة كما تناولها الحكماء الشرقيون واليونانيون، على حد سواء، ذلك أن كل أمة من الأمم لديها تصور عن (التوحيد)، وهذا التصور يخضع لاعتبارات عديدة، وفي حديثنا عن (التوحيد) عند المسلمين لا بد أن نضع في حسباننا ما ذكره القرآن الكريم والسنة النبوية من جهة... وما قالته الديانات الأخرى على الجانب الآخر، وثمة آيات كثيرة في القرآن اهتمت في المقام الأول بتقديم تصور واضح ومتميز عن مفهوم (التوحيد) كما ورد في بعض الكتب المنزلة السابقة على الإسلام، وبخاصة اليهودية والنصرانية، وسوف نعرض فيما يلي عرضًا تاريخيًا موجزًا لمفهوم (التوحيد) عبر مراحل الفكر الإنساني؛ لكي يتضح لنا مدى أهمية مفهوم التوحيد وتميزه كما جاء في القرآن الكريم.

عَرِفَ الفكر الشرقي القديم تعدد الآلهة: إله للخير وإله للشر، إله للحب وإله للزرع... إلخ، لكن لا شك أن من أشهر المذاهب الثنوية القائلين بوجود إلهين: إله للخير وإله للشر نجد(ماني) و(زرادشت)، وفي الفلسفة اليونانية نجد أنها تحدثت عن تعدد الآلهة، كما تحدثت عن وجود إله واحد أكبر يعلو سائر الآلهة، ولا شك أنه بوجود الفلسفة اليونانية نجد أن الفكر الفلسفي علا درجة من السمو والتجريد عن ذي قبل، فالإله عند أفلاطون أصبح إلهًا للخير والجمال، وأحد العناصر الرئيسية في وجود هذا العالم: الإله، عالم المثل، ثم المادة الأولى (الكاوس).

أما عند أرسطو فقد لفت الأنظار بحديثه عن العلة الأولى أو العقل الخالص، أو إن شئت المحرك الأول الذي لا يتحرك ولا يتغير ولا ينفعل، ومع أن هذا الإله كامل إلا أنه يعلم الكلي فحسب، وإذا أدرك الجزئي فمن جهة أنه متضمن في الكلي فحسب، وآمن فلاسفة الرواق من بعد، بوحدة الوجود بين الله، وبين العالم، فقوانين العالم ليست إلا تعبيرًا عن الإرادة الإلهية، والحتمية هي القانون المسيطر على العلاقة بين العلة والمعلول.

وعن الديانتين المنزلتين: اليهودية والنصرانية، نجد أن فكرة (التجسيم) فكرة سيطرت على الفكر الديني اليهودي، حيث قدم العهد القديم تصورًا إنسانيًا خالصًا عن الإله، فالله أو ما سمي ب(إلوهيم) عند اليهود معناه (القوي)، و(إلوهيم) جمع (ألوه) أي: القوة، بمعنى أن الإله عند اليهود بمثابة مجموعة من القوى الفائقة، وقد ربط اليهود كل ما يقومون به من أفعال، سواء كانت خيرًا أو شرًا بالرب، فهم يضربون باسم الرب، ويسرقون باسم الرب، ويدفنون الناس أحياء باسم الرب... ورغم هذه القوة الفائقة التي عليها الرب عند اليهود نطالع في سفر التكوين "بعد خلق السموات والأرض، فرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل، وبارك الله اليوم السابع وقدسه؛ لأنه فيه استراح من جميع عمله الذي عمل"[سفر التكوين، الإصحاح ٢: ٢-٣]

إن الإله عند اليهود يتعب، والتعب سمة من سمات البشر، وهذا لا يمكن فهمه إلا من خلال القول: إن اليهود (أنَّسُوا) الإله جاء في سفر التكوين "إن آدم وحواء اختبأ من وجه الرب، وكان أن سأل الربُّ الإله آدمَ وقال له: أين أنت" [ سفر التكوين الإصحاح الثالث ٨، ٩]، وفي سفر الخروج يخاطب موسى ربَه قائلًا: "ارجع عن حُمُوّ غضبك، واندم على الشر بشعبك، واذكر إبراهيم وإسحاق وإسرائيل عبيدك، فندم الرب على الشر الذي قال إنه يفعله بشعبه" [سفر الخروج، الإصحاح ٣٢]، أضف إلى هذا أن الرب كثيرًا ما يندم على أنه جاء بالإنسان إلى الدنيا "ورأى الربُّ أن شر الإنسان قد كثر في الأرض، وأن كل تصور فكر قلبه يتسم دائمًا بالإثم ،فعراه قلبه الأسف والحزن؛ لأنه خلق الإنسان، وقال الرب أمحو الإنسان الذي خلقته على وجه الأرض مع سائر الناس، والحيوانات والزواحف، وطيور السماء؛ لأني حزنت أنّي خلقته" [راجع سفر التكوين، ٦]

أما عن النصرانية، فإن أهم ما نصادفه هنا هو عقيدة (التثليث) فالله ثالث ثلاثة، ثمة أقانيم ثلاثة: الأب، الابن، روح القدس، كلها قديمة وكلها غير مخلوقة (وأزلية أبدية) ليس واحد منها أقدم من الآخرين، الثلاثة واحد، والواحد ثلاثة، ولقد آمن النصارى بالله الإنسان في شخص المسيح عليه السلام الذي يؤمن النصارى أن اللاهوت اتحد مع الناسوت في عيسى عليه السلام.

أما إذا انتقلنا إلى الحديث عن مفهوم التوحيد عند المسلمين، فمن المؤكد أنهم جميعًا يلتقون حول وحدة الذات الإلهية، لكن فهمهم لهذه الذات وعلاقتهم بها يختلف طبقًا للتيارات الفكرية، ففهم الصوفية للتوحيد مباين لفهم المتكلمين، الذين يختلفون في فهمهم للتوحيد عن الفلاسفة، فعلاقة الصوفي بربه - على سبيل المثال - علاقة حبيب بمحبوبه، وعاشق بمعشوقه، ومثل هذه العلاقة لا يحكمها منطق؛ لأنها صادرة عن الوجد، وهو درجة من درجات المعرفة، أو إن شئت العرفان تتجاوز من خلاله الصوفية المعرفة الحسية، والعقلية.

ولا يخفى على أحد أن أكثر الصوفية جميعًا يقولون بالوحدة، سواء كانت وحدة شهود أو وحدة وجود، وهم يعبرون عن أحوالهم ومواجيدهم بلغة يصعب على المسلم أن يتقبلها أو حتى يفهمها.

أما علماء الكلام فإنهم يتحدثون عن (التوحيد) من خلال علاقة العبد بربه، علاقة المكلِّف بالمكلَّف، علاقة الآمر بالمأمور، فكل المتكلمين يؤمنون بأنهم (عبيد) الله؛ لأن الخوف والطمع يحكمان العلاقة بين العبد والرب: {يَدۡعُونَ رَبَّهُمۡ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا} [السجدة: ١٦]، وكذلك: {وَٱدۡعُوهُ خَوۡفٗا وَطَمَعًاۚ} [الأعراف: ٥٦].

أما الفلاسفة المسلمون فإنهم - تحت تأثير نفوذ فلاسفة اليونان القوي - أطلقوا على الله (واجب الوجود بذاته) أو (العلة الأولى)، ومن جانبنا فإنا نرى - من وجهة نظر إسلامية - أن أسماء الله وصفاته كلها توقيفية، بحيث لا يصح أن نضيف إلى الله أسماء أو صفة (أو ننزع عنه سبحانه اسمًا أو صفةً) لم يصف سبحانه نفسه بها.

الاختلاف في فهم التوحيد

إن تصور المسلمين بوجه عام لمفهوم (الوحدانية) ينطلق من (التشبيه) والتنزيه في آن واحد: فالله كما جاء في القرآن الكريم: {لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ} [الشورى: ١١] وهذا تنزيه مطلق، لكنه سبحانه، وبلغة القرآن الكريم أيضًا (سميع بصير)، وهذا تشبيه لا يخطئه العقل، وبسبب ذلك اختلف المسلمون فيما بينهم، في حديثهم عن علاقة الذات الإلهية بصفاتها اختلافات كبرى يصعب بل يستحيل التوفيق بينها.

وإذا كان من الشائع القول إن المعتزلة هم أهل العدل والتوحيد، فإن من الصحيح القول إن (الباطنية) من الشيعة كانوا - قبل المعتزلة - يطلقون على أنفسهم أنهم (أهل التوحيد) من جهة أنهم من أجل تنزيه الله عن كل ما عداه راحوا ينفون عنه سبحانه كل الصفات، حتى صفة الوجود نفسها نفاها الباطنية عن الله سبحانه... مع أن المتتبع لآراء غلاة الباطنية يدرك أنهم قالوا بحلول الروح الإلهية في الإمام أو الأئمة، ويدرك أنهم أطلقوا على بعض المفاهيم الفلسفية ما أطلقوه على الله سبحانه (كالنفس الكلية، العقل الكلي).

وهاكم نص الكرماني: "لما كان توحيد الله يتم بطريقين: طريق من جهة إلحاق الصفات التي لا يكون أشرف منها وإثباتها له، وطريق من جهة نفي الصفات وسلبها عنه، وكان طريق التوحيد والتمجيد من جهة إثبات الصفات له مؤديًا إلى الكذب على الله تعالى والافتراء عليه بنسب ما لا يليق به إليه وإجرائه مجرى ما دونه من مخترعاته، كان أصدق ما يعتمد عليه في التوحيد والتمجيد ضد إثبات الصفات وهو نفيها عنه، فأخذنا معاشر الدعاة الموحدين المتبعين للأئمة الطاهرين في التوحيد، والتسبيح طريق نفي الصفات بكونه حقًا وصدقًا، وذلك أنه لما كان الصدق هو إثبات شيء لما هو موجود له، ونفي شيء عما هو ليس بموجود له، رأينا أننا إنْ أثبتنا له تعالى صفة، وكانت الصفة لا له بل لغيره، بكونها مختصة بالموجودات عنه التي هي غيره، تعالى الله، كنا كاذبين، إذ الكذب هو إثبات شيء لما هو ليس له أو نفي شيء عما هو له، وإننا إن نفينا عنه صفة وكانت تلك الصفة ليست له بل لغيره، كنا في ذلك صادقين..."[حميد الدين الكرماني: راحة العقل ص ١٤٧-١٤٨ تحقيق د. مصطفى غالب، دار الأندلس للطباعة والنشر- بيروت ط ٢ سنة ٩٨٣ ١م، وراجع علم الكلام ومدارسه ص ١٠١ وما بعدها، وكذلك مذاهب الإسلاميين لعبد الرحمن بدوي ج ٢ ص ٢٢٤ وما بعدها، دار العلم للملايين بيروت ط ١، ١٩٧٣م]

وعلى النقيض من الرؤية السابقة لمسألة الصفات الإلهية نجد (الكرامية) حيث ذهب (ابن كرام) في معرض حديثه عن مفهوم الذات الإلهية إلى أن معبوده (الله) على العرش مستقر، وأنه بجهة فوق ذاتًا، وأطلق عليه اسم الجوهر، ويضيف ابن كرام أن الله أحدي الذات أحدي الجوهر، وأنه مماس للعرش من الصفحة العليا، وجوز عليه الانتقال، والتحول، والنزول، ومن الكرامية من قال: إنه على بعض أجزاء العرش، ومنهم من قال: امتلأ به العرش، وصار المتأخرون منهم إلى القول: إنه تعالى بجهة فوق، وأنه محاذٍ للعرش[الشهرستاني: الملل والنحل ج ١ ص ٩٩، تخريج محمد بن فتح الله بدران، مكتبة الأنجلو المصرية ١٩٥٦م]

ويذكر عبد القاهر البغدادي أن ابن كرام قال: "إن معبوده جسم له حد ونهاية من جهة السفل، ومنها ما يماس عرشه"[راجع عبد القاهر البغدادي: أصول الدين ص ٣٣٧- ٣٣٨، مكتبة المثنى، بغداد ط ١ إستانبول ١٩٢٨م- ١٣٤٦هـ، وراجع الفرق بين الفرق، ص ٢١٦ نشرة محمد محيي الدين عبد الحميد، مكتبة: محمد علي صبيح (د.ت)، وراجع: الآمدي: أبكار الأفكار، ورقة ٧٠٣ مخطوط بدار الكتب المصرية]

المعتزلة وتصورهم للتوحيد

أما عن المعتزلة، والتي هي من أكبر الفرق الكلامية، فقد نفت ما قالته الكرامية إن الله جسم، لقد سعت المعتزلة إلى أن تقدم تصورًا للتوحيد تحافظ به على ما ورد من نصوص قرآنية، وفي عين الوقت تقدم فهمًا يتوافق ومنطق العقل الإنساني.

ترى المعتزلة أن الله متصف بكل الصفات التي وصف بها نفسه، وهذه الصفات هي عين الذات الإلهية، هذا هو جوهر التوحيد كما فهمته المعتزلة، ليس ثمة ذات وصفات، بل ذات واحدة بصفاتها: الله عالم بعلم، وعلمه ذاته، حي بحياة، وحياته ذاته... والمعتزلة بحديثها عن أن الصفات عين الذات، إنما كانت ترد على التصور اليهودي للإله، وترد على المجسمة والمشبهة والحشوية...كما أن المعتزلة أرادت كذلك الرد على النصارى الذين تحدثوا عن أقانيم ثلاثة؛ لأن القول: إن الذات الإلهية جوهر يتقوم بأقانيم أي صفات هي: الوجود، والعلم، والحياة، قد أدى إلى الاعتقاد باستقلال الأقانيم عن الجوهر، وإلى اعتبار الصفات أشخاصًا، وإلى تجسد الأقنوم الثاني - أقنوم العلم - في الابن، ولمواجهة هذا الاعتقاد نفى المعتزلة وصف الله بأنه جوهر، واعتبروا الصفات عين الذات.

إن صفات الله ليست حقائق مستقلة، وإنما هي اعتبارات ذهنية، ويمكن أن تختلف وجوه الاعتبارات في النظر إلى الشيء الواحد دون أن يلزم ذلك التعدد في ذاته، [أحمد محمود صبحي: في علم الكلام ص ١٢٧ مؤسسة الثقافة الجامعية، الإسكندرية ١٩٧٨م]، وفيما يتعلق بالصفات التشبيهية، والتي تنسب إلى الله صفات يبدو أنها حسية كاليد، والمجيء، والاستواء، والعين، والرؤية.. فإن المعتزلة قامت بتأويل هذه الصفات من حيث إن المعتزلة رأت أنها صفات (مجازية) وليست صفات حقيقية كما قال المجسمة والمشبهة.

إن الخطاب الديني عند المعتزلة استخدم بعض الصفات الحسية في الدين عن الله وصفاته؛ لأن الإنسان عاجز عن أن يحيط علمًا بالله إذا جاء هذا الخطاب مجاوزًا واقع الناس المادي المحسوس وبما يتجاوز طاقتهم الفكرية.

ولقد قسمت المعتزلة الصفات الإلهية إلى قسمين: صفات ذات، وصفات أفعال... صفات الذات قديمة قدم الذات الإلهية، أما صفات الأفعال فإنها لحقت بالذات الإلهية من جهة أنه فعل فأصبح فاعلًا، خلق فأصبح خالقًا، رزق فأصبح رازقًا، غفر فأصبح غفارًا... إلخ؛ لهذا قالت المعتزلة إن الفرق بين صفات الذات وصفات الأفعال أن صفات الذات قديمة أما صفات الأفعال فإنها حادثة بحدوث الفعل، كذلك فإن صفات الذات لا يجوز البتة أن يوصف الله بنقيضها... أما صفات الأفعال فإن الله يوصف بالصفة ونقيضها: المحيي والمميت، العاطي والمانع، الجبار المنتقم، والرحيم الغفار.. إلخ.

ومع أن المعتزلة اتفقت على إنكار أن تكون الصفات زائدة على الذات، إلا أنهم اختلفوا في تحليلهم للصلة بين الذات والصفات، وفي تحليلهم للعلاقة بين الصفات بعضها وبعض؛ فقد قال (العلاف): إن الصفات عين الذات، لكنها من حيث تعقلها هي (وجوه) للذات، وهي تتمايز تمايزًا اعتباريًا حسب موضوع كل منها؛ فالقدرة تتمايز عن العلم، لأن موضوع القدرة شيء وموضوع العلم شيء آخر.

أما (النظام) فيرى أن الصفات عين الذات، لكن هذه الصفات تتميز من جهة أن إثبات كل صفة لله يتضمن نفي وجه من وجوه النقص، فإثبات القدرة يعني نفي العجز، وإثبات العلم يعني نفي الجهل، ومن المعتزلة من قال: إن الصفات (أحوال) للذات (أبو هاشم الجبائي) ...إلخ [راجع شرح الأصول الخمسة ص ١٢٧ وما بعدها وكذلك ص ١٥١ وما بعدها].

ولقد بدأت المعتزلة حديثها عن الصفات الإلهية بالحديث أولًا عن صفة (القدرة) التي تدل على صحة الفعل، وهذه القدرة أزلية لا تتجدد؛ لأنها من الصفات الذاتية، أو النفسية، وترتبط بصفة القدرة صفة العلم من حيث إن الأثر محكم، وهذا الإحكام يقتضي بطبيعة الحال العلم...إلخ.

يقول القاضي عبد الجبار: "إن الله قد صح منه الفعل المحكم، والفعل المحكم دليل على كون فاعله عالمًا، أما الذي يدل على أنه تعالى قد صح منه الفعل المحكم فهو خلقه للحيوانات، مع ما فيها من العجائب، وإدارته للأفلاك، وتركيب بعضها على بعض، وتسخيره الرياح، وتقديره الشتاء والصيف، وكل ذلك أظهر وأبلغ في الإحكام من الكتابة المحكمة الحسنة والبيان العظيم.[ شرح الأصول الخمسة، ص ١٥٧ويرتبط بصفة القدرة والعلم صفة الحياة... فيما أن الله قادر، وهو كذلك، وبما أنه عالم، وهو كذلك، فينبغي أن تكون هذه الأفعال صادرة عن (وحي) ثم يتطرق الحديث بالقاضي عبد الجبار ذلك إلى الحديث عن السمع والبصر..... وإدارة كل المدركات وأنه سبحانه موجود ...إلخ (راجع الأصول الخمسة، ص ٦٧- ٦٩ تحقيق فيصل عون].

ومن مظاهر اهتمام المعتزلة بتجريد مفهوم التوحيد، قولهم إن القرآن كلام الله مخلوق، ووجهة نظرهم في هذا أن الله وحده متصف بصفة القدم وأن ما عداه (وهو هنا القرآن) ينبغي أن يكون حادثًا، وبخاصة أن القرآن يتحدث عن وقائع وحوادث حدثت في عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- ومن ثم لا يمكن أن تكون أزلية قديمة، وفي هذا الصدد استشهدت المعتزلة على حدوث القرآن ببعض من آياته: {إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ فِي لَيۡلَةٖ مُّبَٰرَكَةٍۚ} [الدخان: ٣]، و: {إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ فِي لَيۡلَةِ ٱلۡقَدۡرِ} [القدر: ١]، و: {إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ} [الحجر: ٩].

ويرتبط بقضية التنزيه، كما فهمته المعتزلة، أنها أنكرت رؤية الله في الدنيا والآخرة على حد سواء؛ لأنهم اعتقدوا أن الرؤية لا يمكن أن تفهم إلا بالمعنى الحسي، وبما أن الله ليس جسمًا، فإنه سبحانه لا يمكن أن يُرى، وفي هذا أُولت كل الآيات التي قد يفهم منها الرؤية، فقد أوضحت المعاني المختلفة لكلمة (النظر) وبينت أنه ليس مقتصرًا على العين المحسوسة... فقد يذكر ويراد به (الانتظار) كقوله سبحانه: {فَنَاظِرَةُۢ بِمَ يَرۡجِعُ ٱلۡمُرۡسَلُونَ} [النمل: ٣٥]، وقد يذكر ويراد به العطف والرحمة: {وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيۡهِمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ} [آل عمران: ٧٧]  وقد يذكر ويراد به المقابلة ، وقد يذكر ويراد به إدامة التفكير بالقلب: { أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى ٱلۡإِبِلِ كَيۡفَ خُلِقَتۡ} [الغاشية: ١٧]، وطبقًا لنزعة المعتزلة العقلية قررت أن معرفة الله واجبة بالعقل؛ لأن الناس عند المعتزلة محجوجون بعقولهم.

ولعل من أهم الواجبات العقلية وأولاها هي معرفة الله سبحانه بكل صفاته، ومن جملة أدلتهم على وجود الله هذا العالم المنصوب أمام الحس والعقل، ذلكم أن هذا الإحكام، والترتيب، والانضباط الموجود في الكون لا يمكن أن يكون حاصلًا حصولًا ذاتيًا، ولا يمكن أن يكون أيضًا خاضعًا للصدفة، وفي هذا نسوق ما قاله أحد فلاسفة الإسلام، والذي كان اعتزالي النشأة (الكندي)، قال:" إن في الظاهرات أنّ للحواس أظهر الله لك الخفيات؛ لأوضح دلالة على تدبير مدبر أول، أعني مُدبرًا لكل مدبر، وفاعلًا لكل فاعل، ومكونًا لكل مكون... لمن كانت حواسه الآلية موصولة بأضواء عقله، وكانت مطالبه وجدان الحق وخواص الحق، وغرضه الإسناد للحق، واستنباطه والحكم عليه، والمُزَكي عنده في كل أمر شجر بينه وبين نفسه العقل"، ويضيف الكندي في موضع لاحق: ".. فإن في نظم هذا العالم وترتيبه، وفعل بعضه في بعض وانقياد بعضه لبعض، وتسخير بعضه لبعض، وانقياد هيئته على الأمر الأصلح في كون كل كائن، وفساد كل فاسد، وثبات كل ثابت، وزوال كل زائل، لأعظم دلالة على أتقن تدبير، ومع كل تدبير مدبر، وعلى كل أحكم حكمة، ومع كل حكمة حكيم؛ لأن هذه جميعًا من المضاف" [الكندي: رسائل الكندي الفلسفية، رسالة في الإبانة عن العلة الفاعلة القريبة للكون والفساد، ص ٢١٤- ٢١٥، حقق الرسائل د. محمد عبد الهادي أبو ريدة، دار الفكر العربي، مطبعة الاعتماد، القاهرة ١٣٦٩هـ - ١٩٥٠م].

على كل حال ترى المعتزلة - وعلى لسان زعيمها القاضي عبد الجبار - أن ما يلزم المكلف معرفته في هذا الباب، باب التوحيد، أن الله تعالى كان قادرًا فيما لم يزل ويكون قادرًا فيما لا يزال، ولا يجوز خروجه عنها (القدرة) لضعف أو عجز، وأنه قادر على جميع أجناس المقدورات، ومن كل جنس، على ما لا يتناهى، وأنه لا ينحصر مقدوره لا في الجنس ولا في العدد [شرح الأصول الخمسة ص ١٥٥].

المنهج العقلاني المعتدل

الأشاعرة: جاءت الأشاعرة رافضة معظم ما ذهبت إليه المعتزلة من فهم لأصول الدين... إن أهل السنة والأشاعرة بل وكل المتكلمين لا ينكرون الأصول الخمسة عند المعتزلة، أو بتعبير أدق لا ينكرون أصول الدين التي هي قاسم مشترك بين كل الفرق الإسلامية... لكن الاختلاف كان، وما زال قائمًا في فهم كل فرقة وتحليلها وتأويلها وتفسيرها لهذه الأصول.

من هنا جاءت الأشاعرة حاملة لواء تصحيح آراء المعتزلة، وبخاصة ما يتعلق بقضية الذات والصفات... نقطة انطلاق الأشاعرة هنا تكمن في الصلة بين العقل والدين، حيث أخضعت العقل للدين، صحيح أن الأشاعرة دافعوا عن الدين بالعقل، لكن من الصحيح أيضًا أنهم في دفاعهم عن الدين بالعقل إذا بدا لهم أي تعارض بين العقل وبين النقل نحّوا العقل جانبًا، هذا هو منهجهم الذي ساروا عليه.

لقد أكد الأشاعرة في هذا الصدد على عدة مسائل:

المسألة الأولى: تأكيد القول بوجود الله، اعتمادًا على أدلة نقلية تتوافق والفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها... {وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِن سُلَٰلَةٖ مِّن طِينٖ * ثُمَّ جَعَلۡنَٰهُ نُطۡفَةٗ فِي قَرَارٖ مَّكِينٖ * ثُمَّ خَلَقۡنَا ٱلنُّطۡفَةَ عَلَقَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡعَلَقَةَ مُضۡغَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡمُضۡغَةَ عِظَٰمٗا فَكَسَوۡنَا ٱلۡعِظَٰمَ لَحۡمٗا ثُمَّ أَنشَأۡنَٰهُ خَلۡقًا ءَاخَرَۚ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحۡسَنُ ٱلۡخَٰلِقِينَ} [المؤمنون: ١٢-١٤].

إن الإنسان الذي يبدو أنه في غاية الكمال كان نطفة وكان علقًة... وعلمنا أنه ينقل نفسه من حال إلى حال؛ لأن المعلول لا يمكن أن يكون علة نفسه، أقصد لا يمكن أن يكون موجودًا قبل أن يكون موجودًا!! ويضرب الأشعري على ذلك مثلًا بالقطن، وكيف أنه لا يمكن أن يتحول إلى نسيج من تلقاء نفسه؛ لأن من توهم، أو ظن ذلك، كان عن المعقول خارجًا، وفي تيه الجهل والجًا، على حد تعبير الأشعري، وصدق الحق سبحانه إذ يقول: {ءَأَنتُمۡ تَخۡلُقُونَهُۥٓ أَمۡ نَحۡنُ ٱلۡخَٰلِقُونَ} [الواقعة: ٥٩]. [راجع في هذا الصدد: الأشعري: اللمع ص ١٧-١٩ نشرة حمودة غرابة، مكتبة الخانجي ١٩٧٥م، وراجع: الباقلاني: الإنصاف/ نشره محمد زاهد الكوثري، مكتبة الخانجي ١٣٨٤م- ١٩٦٣م، وكذلك: الجويني. لمع الأدلة ص ٧٦ شرح د. فوقية حسين محمود، الهيئة المصرية ١٩٦٥م، وراجع كذلك الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد ص ١٥، مصطفى البابي الحلبي وشركاه ١٩٦٦م]

المسألة الثانية: وحدانية الله: وقد أفاض الأشاعرة في تأكيد هذه الوحدانية من خلال ثلاث آيات لا يملك العقل إلا أن ينحني أمامها:

الآية الأولى:{لَوۡ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلَّا ٱللَّهُ لَفَسَدَتَاۚ} [الأنبياء: ٢٢].

الآية الثانية: قوله سبحانه: {مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٖ وَمَا كَانَ مَعَهُۥ مِنۡ إِلَٰهٍۚ إِذٗا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهِۭ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} [المؤمنون: ٩١].

الآية الثالثة: {قُل لَّوۡ كَانَ مَعَهُۥٓ ءَالِهَةٞ كَمَا يَقُولُونَ إِذٗا لَّٱبۡتَغَوۡاْ إِلَىٰ ذِي ٱلۡعَرۡشِ سَبِيلٗا} [الإسراء: ٤٢]. 

على ضوء هذه الآيات الثلاث وما يجري مجراها قال بعض رجالات الأشاعرة: إنْ سأل سائل لم قلتم إن صانع الأشياء واحد، قيل له؛ لأن الاثنين لا يجري تدبيرهما على نظام واحد، ولا يتسق على إحكام واحد، ولا بد أن يلحقهما العجز أو واحدًا منهما؛ لأن أحدهما إذا أراد أن يحيى إنسانًا وأراد الآخر أن يميته، لم يخل أن يتم مرادهما جميعًا، أو لا يتم مراد أحدهما دون الآخر، ويستحيل أن يتم مرادهما جميعًا؛ لأنه يستحيل أن يكون الجسم حيًا ميتًا في حال واحدة، وإن لم يتم مرادهما جميعًا وجب عجزهما، والعاجز لا يكون إلهًا ولا قديمًا؛ فدل ما قلناه على أن صانع الأشياء واحد، وقد قال الله تعالى: {لَوۡ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلَّا ٱللَّهُ لَفَسَدَتَاۚ} [الأنبياء: ٢٢]. [راجع الأشعري: اللمع ص ٢٠، ٢١، الشهرستاني: نهاية الإقدام في علم الكلام ص ٩١ وما بعدها، حرره وصححه، ألفرد جيوم، مكتبة المثنى، بغداد (د.ت)، وراجع نشرتنا لكتاب الشامل في أصول الدين للجويني (بالاشتراك مع آخرين) ص ٣٥٢وما بعدها، منشأة المعارف بالإسكندرية، ١٩٦٩م]

وفي حديثها عن الصفات الإلهية قالت الأشاعرة: إن الصفات كلها قديمة قائمة بالذات الإلهية، ليست هي الله وليست غير الله، كذلك فإن الأشاعرة رفضت القول بوجود صفات ذات وصفات أفعال؛ لأن الله سبحانه كامل بكل صفاته من الأزل... إن القدرة والعلم والإرادة والخلق... كلها صفات قائمة بالذات الإلهية، ولا ينبغي أن نسوي بين كل منها، بمعنى أنها تتمايز فيما بينها؛ لأن موضوع العلم غير موضوع القدرة، وموضوع القدرة غير موضوع الإرادة... وهكذا.. إن العقل يميز بين كون الشيء حيًّا، وبين كونه عالمًا، أو قادرًا، أو متحركًا... إلخ.

أضف إلى هذا أن الصفات الإلهية تعم الوجود كله، فالعلم الإلهي يَجُبُّ كل معلوم، والقدرة الإلهية تشمل كل مقدور، والإرادة الإلهية تشمل كل مراد؛ لذلك فإن الأفعال الإلهية كلها تجري طبقًا للعناية الإلهية بفهم خاص عند الأشاعرة أطلقت عليه (نظرية الكسب).

وإذا كانت المعتزلة قد قالت إن الناس محجوجون بعقولهم، فإن الأشاعرة ترى أن الناس محجوجون بالنص في المقام الأول: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبۡعَثَ رَسُولٗا} [الإسراء: ١٥].

وعن الصفات التشبيهية، أو الخبرية فإن الأشاعرة آمنت بكل ما وصف الله به نفسه من صفات لكن بلا كيف، فالله له يد لا كأيدينا، وأنه استوى على العرش بلا كيف، بمعنى أن الاستواء على العرش معلوم والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة والإيمان به واجب، وهذا ما قاله الإمام مالك.

ولقد خالف الأشاعرة المعتزلة في مسألة (رؤية الله)، ورأى الأشاعرة في هذا الصدد أن رؤية الله جائزة في الدنيا، وأن المؤمنين سوف يرونه في الآخرة، لكن رؤية الله عند الأشاعرة لا تعني أبدًا أنه جسم أو أنه مشابه للأجسام، بل تعني أننا سوف نرى (الوجود الإلهي)، وقد استدلت على ذلك بالقول:" إن كل موجود يمكن أن يُرى، وبما أن الله موجود، فإن رؤيته سبحانه من ثم تكون قائمة.

يقول الجويني: "إذا تقرر بضرورة العقل أن الإدراك لا يتعلق إلا بالوجود، وحقيقة الوجود لا تختلف، فإذا رئي موجود لزم تجويز رؤية كل موجود، كما أنه إذا رئي جوهر لزم تجويز رؤية كل جوهر". [الجويني: الإرشاد ص ٧٧، وراجع لمع الأدلة ص١٠١، والاقتصاد في الاعتقاد ص ٣٣ وما بعدها]

ولقد استشهدت الأشاعرة هنا بخطاب موسى إلى ربه وطلبه الرؤية: {قَالَ رَبِّ أَرِنِيٓ أَنظُرۡ إِلَيۡكَۚ} [الأعراف: ١٤٣]، ورد عليه الحق سبحانه قائلًا: {ٱنظُرۡ إِلَى ٱلۡجَبَلِ فَإِنِ ٱسۡتَقَرَّ مَكَانَهُۥ فَسَوۡفَ تَرَىٰنِيۚ} [الأعراف: ١٤٣]، وتؤكد الأشاعرة هنا على عدة أمور هامة:

أ - أن استقرار الجبل أمر قائم وممكن وجائز، وما عُلق على الممكن (الرؤية) فهو ممكن.

ب - أن موسى عليه السلام لو لم يدرك مشروعية سؤاله لما سأله، ومن ثم فإن طلب موسى أمر جائز ومشروع، ولو لم يكن الأمر كذلك لكان هذا معناه أن موسى (يجهل) فحوى السؤال، ومعاذ الله أن يوصف نبي الله ورسوله بالجهل.

ج - أن النظر الوارد في هذه الآية لا يمكن أن يفسر هنا بمعنى العلم أو غيره... بل إن له فهمًا واحدًا هو الرؤية... فلا يصح القول: إن موسى قال ربي اجعلني عالمًا بك.. فلو أن الأمر كان كذلك لكان رد الحق: (اعلم إلى الجبل)!! وهذا كلام أو أن شئت فهم أو تفسير خارج عن نطاق العقل. [راجع بشيء من التفصيل: الغزالي (الاقتصاد في الاعتقاد ص ٣٣- ٤٢) مصطفى البابي الحلبي وشركاه ١٩٦٦م]

الماتريدية: أما عن آراء الماتريدية فإنها نهجت نهج أهل السنة والأشاعرة بوجه عام، مع بعض الاختلافات التي ليس لها كبير شأن على مستوى المذهب بوجه عام، ففي قضية (التوحيد) أكدت الماتريدية الأدلة النقلية والعقلية التي قال بها المتكلمون... من هذه الأدلة النقلية: {قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِنۡ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمۡعَكُمۡ وَأَبۡصَٰرَكُمۡ وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُم مَّنۡ إِلَٰهٌ غَيۡرُ ٱللَّهِ يَأۡتِيكُم بِهِۗ} [الأنعام: ٤٦]، وكذلك: {قُلۡ أَفَرَءَيۡتُم مَّا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنۡ أَرَادَنِيَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ هَلۡ هُنَّ كَٰشِفَٰتُ ضُرِّهِۦٓ أَوۡ أَرَادَنِي بِرَحۡمَةٍ هَلۡ هُنَّ مُمۡسِكَٰتُ رَحۡمَتِهِۦ}ۚ [الزمر: ٣٨].

ومن جملة الأدلة العقلية التي ذكرها الماتريدي على وحدانية الله نجد ما ذكره من الربط بين العدد واحد والتناهي من جهة، وبين لا تناهي الأعداد من جهة أخرى.. إن القول بلا تناهي العوالم يفترض لا تناهي الآلهة، ولا تناهي الآلهة يتعارض مع أن يكونوا (الآلهة) جميعًا على مستوى واحد من العظمة والجمال والكمال... إلخ، ومن ثم لا بد من وجود إله واحد يعلو الجميع ويكون هو وحده لا سواه مُحْدثًا، ومدبرًا للعالم، ثم إن مفهوم الإحكام، والإتقان، لا يصح إلا من قِبل مدبر، ومحكم واحد "فإذا دار كله على مسلك واحد ونوع واحد من التدبير، واتساق ذلك على سنن واحد لا يتم بمدبرين؛ لذلك لزم القول بالواحد" [الماتريدي: التوحيد ص ٢١، نشره فتح الله خليف، دار الجامعات المصرية، الإسكندرية، (د.ت)، وراجع كذلك: أبو المعين النسفي: تبصرة الأدلة في أصول الدين، تحقيق كلود سلامة ج ١، المعهد العلمي الفرنسي للدراسات العربية، دمشق ١٩٩٠م.]

وعن الصفات الإلهية يقول الماتريديون: إنها (توقيفية): "إننا ننتهي في أسماء الله تعالى إلى ما أنهانا إليه الشرع، ألا ترى أنا لا نسميه صحيحًا، وإن كانت الآفات والأسقام عنه منتفية، ولا طبيبًا وإن كان عالمًا بالأدواء والعلل والأدوية الموضوعة لها، ولا فقيهًا وإن كان عالمًا بالأحكام الشرعية" [المرجع السابق ص ١٣٨]،

كما أن الماتريدية لا تميز بين صفات الذات وصفات الأفعال، (فالله قديم بصفات أفعاله كما هو قديم بصفات ذاته). [البزدوي: أصول الدين ص ٥٥- ٥٦، وراجع (التوحيد للماتريدي ص ٣٨)، وراجع كذلك تبصرة الأدلة للنسفي ص١٢١]

وترفض الماتريدية رفضًا قاطعًا القول بجسمية الله: "ليس في ضرورة وجود الفعل عن اختيار على ترتيب حسن أن يكون الفاعل جسمًا، بل يقتضي كونه موجودًا لا غير... ولا يجوز أن يسمى جسمًا؛ لأنه لم يرد ذلك في كتاب الله ولا في خبر مشهور، وهو (الجسم) عند أهل اللغة اسم لمن له جسامة وضخامة، وذلك لا يكون إلا باجتماع الجواهر، والله تعالى منزه عن ذلك". [البزدوي: أصول الدين ص ٣٥، وراجع: نور الدين الصابوني: البداية من الكفاية في الهداية ص ٤٥-٤٦]

والماتريدية، بعد أن رفضت القول بجسمية الله كان عليها أن تؤول كل الصفات التي قد توحي بذلك، ولهذا ذكرت أن اليد الواردة في القرآن والمنسوبة إلى الله يراد بها القدرة، والقوة، والسلطان، والمملكة، والحجة، والغلبة، واليسر، والعز، والغنى... إلخ، يقول الماتريدي: "لا يحتمل أن يفهم من إضافة اليد إلى الله ما يفهم من الخلق لما وجد إضافة اليد إلى من لا يحتمل أن يكون له يد، من ذلك قول الحق: {لَّا يَأۡتِيهِ ٱلۡبَٰطِلُ مِنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَلَا مِنۡ خَلۡفِهِۦۖ} [فصلت: ٤٢]، ألا ترى أنه قال: {ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتۡ يَدَاكَ} [الحج: ١٠]، وقال: {فَبِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِيكُمۡ} [الشورى: ٣٠] لم يفهم منه اليد نفسها، (أضيف ذلك إلى اليد؛ لما باليد يقدم ويعطي ويكسب).[الماتريدي: تأويلات أهل السنة، ج ٢ ص ٥٢ وما بعدها، تحقيق فاطمة يوسف الخيمي، مؤسسة الرسالة، ناشرون ط ١، بيروت- لبنان ١٤٢٥هـ- ٢٠٠٤م. ]

صفات الله عند الماتريدية قائمة بالله من الأزل، لا هي ذاته ولا هي خلافه سبحانه (لا هي هو) في الوجود الواقعي الخارجي، وفي هذا يتفق الماتريدية مع الأشاعرة، ومع أن الماتريدية رفضت إطلاق الجسمية على الله، فإنها أجازت أن يطلق عليه لفظ (شيء) وربطت ذلك بقول الحق: {لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ} [الشورى: ١١]، وقوله سبحانه: {قُلۡ أَيُّ شَيۡءٍ أَكۡبَرُ شَهَٰدَةٗۖ قُلِ ٱللَّهُۖ شَهِيدُۢ} [الأنعام: ١٩]، وقد أفاضت الماتريدية في الحديث عن صفة (التكوين) حيث ميزت بين هذه الصفة الأزلية وبين المكونات الحادثة، وكان من رأيها أن القول بقدم التكوين لا يؤدي إلى القول بقدم الموجودات، ومن ثم قدم العالم.

بقي أن أشير إلى أن الماتريدية توافق على القول برؤية الله، وفي هذا تلتقي مع الأشاعرة وأهل السنة، إن الرؤية ثابتة بالنص: {فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا} [الكهف: ١١٠]، وقال تعالى: {تَحِيَّتُهُمۡ يَوۡمَ يَلۡقَوۡنَهُۥ سَلَٰمٞۚ} [الأحزاب: ٤٤]، وقال تعالي: {وُجُوهٞ يَوۡمَئِذٖ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٞ} [القيامة: ٢٢-٢٣].

الخلاصة

يُعد التوحيد حجر الأساس في علم الكلام الإسلامي وأهم دعامة للدين، وقد شهد المفهوم اختلافًا كبيرًا مقارنة بتصوراته في الديانات القديمة والفلسفات اليونانية، التي تناولته بأشكال مختلفة مثل التثنية والتجسيم، كما اختلفت نظرة الفرق الإسلامية الكبرى، مثل المعتزلة والأشاعرة والماتريدية، لهذا المفهوم، حيث تنوعت آراؤهم حول العلاقة بين الذات الإلهية وصفاتها، إلى جانب قضايا أخرى مثل رؤية الله وخلق القرآن.

موضوعات ذات صلة

يدعو القرآن الكريم إلى إعمال الفكر والنظر في آيات الله الكونية.

القاعدة التي يبنى عليها فهم الإنسان لربه وعلاقته بالعالم من حوله.

من المفاهيم الأساسية التي تحظى بأهمية بالغة في الفكر الإسلامي والفلسفي.

موضوعات مختارة