إن استقرار الأوطان هو مشكاة الحضارة وبوصلة الاستخلاف ، فهل يعي الأعضاء أن حماية الأرض والوعي هي صيانة للدين قبل كلاي، وبوابة العبور نحو مرضاة رب العالمين؟
إن استقرار الأوطان هو مشكاة الحضارة وبوصلة الاستخلاف ، فهل يعي الأعضاء أن حماية الأرض والوعي هي صيانة للدين قبل كلاي، وبوابة العبور نحو مرضاة رب العالمين؟
المتأمل في مسيرة الأمم والحضارات يدرك يقينًا أن الأمن هو الركيزة الأولى للاستخلاف في الأرض؛ فلا عبادة تُقام، ولا حضارة تُبنى، ولا نفس تُصان إلا في ظلال استقرارٍ تام، قال تعالى: ﴿فَإِذَا ٱطۡمَأۡنَنتُمۡ فَأَقِیمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَۚ﴾ [النساء: ١٠٣]، وقد امتن الله على عباده بنعمة الأمن، وربطها بالعبادة، في قوله تعالى: ﴿فَلۡیَعۡبُدُوا۟ رَبَّ هَٰذَا ٱلۡبَیۡتِ * ٱلَّذِیۤ أَطۡعَمَهُم مِّن جُوعࣲ وَءَامَنَهُم مِّنۡ خَوۡفِۭ﴾ [قريش: ٣-٤]، ومن هنا، فإن الحفاظ على تراب الوطن أمانة شرعية، ومسؤولية تعبدية تقع على عاتق كل مواطن.
معركتنا مع قوى الظلام والضلال ليست مجرد نزالٍ في ميدان السلاح، بل هي - قبل ذلك - حربٌ في حصون الفكر ومستقر العقول، فالتطرف ما هو إلا ثمرة غلوٍ أفسد التصورات وشوّه الفطرة، وقد قطع حضرة سيدنا النبي المصطفى - صلى الله عليه وسلم - الطريق على هذا المسلك الوعر بقوله: «إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ» [ أحمد : المسند ( ١٨٥١، عن ابن عباس رضي الله عنهما ].
لقد رزق الله أبناء سيناء وعياً فطريًّا وبصيرةً نفّاذة، أدركوا بها أنَّ تلك الجماعات المارقة ما هي إلا تجار شعارات، يتسترون بالدين لتبرير الإفساد، ويمزجون بين دعاوى الجهاد وزيف العبادة، وبين التحالف الآثم مع شياطين المخدرات؛ ليكون التمويل القذر وسيلةً لهدم العقول وتدمير القوى، فاجتمع لديهم الفساد الفكري والإفساد الجسدي، وصدق فيهم قول الحق سبحانه: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن یُعۡجِبُكَ قَوۡلُهُۥ فِی ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا وَیُشۡهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِی قَلۡبِهِۦ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلۡخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِی ٱلۡأَرۡضِ لِیُفۡسِدَ فِیهَا وَیُهۡلِكَ ٱلۡحَرۡثَ وَٱلنَّسۡلَۗ وَٱللَّهُ لَا یُحِبُّ ٱلۡفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٤-٢٠٥].
وإذ بلغ طغيان هؤلاء المفسدين مداه، كان لا بُدَّ من صولةٍ للحق تزلزل أركان باطلهم وتطهر الأرض من دنسهم، فلم تكن مأساة مسجد الروضة إلا شهادة انتحار شرعية لهذه الجماعات؛ فبسفك دماء الركع السجود سقطت الأقنعة، واستحال الألم في صدور أبناء سيناء إلى غضب مقدس أنهى أوهام الحياد، وهنا انطلقت القوات المسلحة الباسلة، ومعها رجال الشرطة الأوفياء، في استنفارٍ كاسح عبر (العملية الشاملة سيناء ٢٠١٨م)، لتطهير الأرض، واجتثاث جذور الإرهاب بروحٍ تستمد شرعيتها من القصاص للحق.
لقد التحمت دماء الأبطال بوعي القبائل، لتتحطم أوهام المفسدين على صخرة هذا التلاحم؛ وتظل سيناء دائماً مقبرةً للغلو، ومحرقةً لكل فكرٍ دخيل يبتغي النيل من قدسية هذا الوطن.
ولم يكن قطع دابر المفسدين بصولةِ الحق في ميدان القتال إلا شطر المعركة؛ إذ أدركت الدولة المصرية بيقينٍ لا يداخله ريب، أنَّ الرصاصة التي تُطهر الأرض لا بد أن تتبعها فأسٌ تبني الوعي وتُشيّد العمران، عملاً بمنطق الاستخلاف الذي أراده الله في قوله: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِیهَا﴾ [هود: ٦١].
فالآن، وقد انقشع ليلُ الإرهاب عن سيناء، انطلقت في ربوعها ثورةٌ تنمويةٌ مباركة، لم تترك شبراً إلا وغرست فيه من الخير نماءً، ومن الأمل ضياءً؛ فارتفعت مآذن العلم والمعرفة بجوار قلاع الصناعة والزراعة، ومدت الجسورُ أواصرَ الوصل بين سيناء وبين قلب الوطن، ليكون العمرانُ هو الحصن الحصين الذي يمنع تسلل الأفكار الممسوخة مرة أخرى.
إنَّ هذا العبور الجديد الذي نشهده اليوم في ربوع سيناء، هو انتصارٌ حقيقي لمقاصد الشريعة الغراء في حفظ النفس والمال والعقل، وإعلانٌ صريحٌ بأنَّ يد الله مع الذين صبروا وصابروا ورابطوا؛ إذ تحولت دماء الشهداء الزكية إلى مدادٍ يكتب تاريخاً جديداً، عنوانه أنَّ مصر لا تترك حقها، ولا تفرط في أرضها، ولا تتوقف عن بناء حاضرها؛ وفاءً لأمانةٍ في الأعناق، واستشرافاً لمستقبلٍ تظل فيه سيناءُ - بإذن الله - واحةً للأمن، ومنارةً للسلام، وشاهداً حياً على انكسار الباطل أمام جلال الحق وبصيرة أهله.
لقد برهنت تضحيات الأبطال أنَّ دماء الشهداء هي الثمن الغالي لترسيخ دعائم الاستقرار وبناء سيناء وتنميتها؛ فالرخاء لا ينبت إلا في أرضٍ سقاها الإخلاص وحماها الوعي، والشهادة في سبيل حماية هذا التراب مقامٌ محمود وموردٌ مَوْرود، خلدَّه القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِینَ قُتِلُوا۟ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ أَمۡوَٰتَۢاۚ بَلۡ أَحۡیَاۤءٌ عِندَ رَبِّهِمۡ یُرۡزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩].
وبفضل هذا الوعي المتوقد ورصانة المؤسسات الوطنية، ستبقى سيناء دائمًا مقبرةً للغزاة، ومقبرةً للغلو والتطرف، وعرينًا لا يجرؤ على تدنيسه عابث، ليمتد فجر الإعمار مستبشرًا بوعد الله: ﴿وَیَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَۖ قُلۡ عَسَىٰۤ أَن یَكُونَ قَرِیبࣰا﴾ [الإسراء: ٥١].
س: لماذا توصف سيناء بمقبرة الغلو والتطرف؟
ج: لأنها شهدت مواجهة حاسمة مع الإرهاب وانتصارًا للأمن والاستقرار.
س: ما علاقة الأمن ببناء الحضارة؟
ج: الأمن هو الأساس الذي تقوم عليه التنمية والعمران.
س: كيف أصبحت سيناء رمزًا للإعمار بعد المواجهة؟
ج: عبر مشروعات التنمية والتحول نحو البناء والاستقرار.
س: ما دور الوعي في مواجهة التطرف؟
ج: الوعي يحصّن المجتمع من الانحراف الفكري والتشدد.
س: ما دلالة سيناء في الجمهورية الجديدة؟
ج: تمثل نموذجًا للجمع بين الأمن والتنمية وبناء المستقبل.
إن معركتنا في سيناء لم تكن نزالًا عابرًا، بل هي تجلٍ لانتصار النموذج المعرفي المستنير على أوهام الخوارج الجدد؛ حيث التحمت قسوة السلاح على الباطل بلين الفأس في البناء، لتغدو أرض الفيروز محرقة للأفكار الممسوخة، ومنارة يسطع منها فجر الإنسان الساجد الذاكر الذي يعمر الأرض بالحب والنماء.
إن حرب السادس من أكتوبر عام ١٩٧٣م ستظل مصدر فخر وإلهام للأجيال القادمة.
في الخامس والعشرين من أبريل عام ١٩٨٢م، اكتملت فرحة مصر بعودة سيناء الحبيبة إلى حضن الوطن.
حب الوطن في الإسلام ليس عاطفة عابرة أو خيالًا شعريًا، بل هو فطرة أصيلة وثابت شرعي يقرنه الشرع بالوفاء والإيمان.
مصرُ – درّةُ تاج العروبة والإسلام – كانت عبر العصور مهبط السلام وراية الأمان.
ليلة عجيبة شهدتها أرض سيناء، فارتفع لها لواء من المجد والكرامة والمنزلة في عالمي الغيب والشهادة.