Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

علاقة الهجرة النبوية بحب الوطن

الكاتب

وزارة الأوقاف المصرية

علاقة الهجرة النبوية بحب الوطن

 حين خرج سيدنا النبيمن مكة المكرمة، ودّعها بكلمات تفيض حنينًا، ليثبت للبشرية أن مفارقة الديار لا تعني كراهيتها. 

اكتشف معنا كيف يترك الإنسان أحب البقاع إلى قلبه؟ وهل تعني الهجرة والتضحية التخلي عن الوطن؟ وكيف رسمت الهجرة النبوية أعظم ملاحم الانتماء، وكيف تحول الوداع المؤلم إلى طريقٍ لإنقاذ الوطن!

حب الوطن بين الفطرة النبوية والهجرة المباركة

حب الوطن غريزة فطرية جبل الله عليها خلقه، والنبي أكمل البشر فطرة وخُلُقًا، ويظن بعض الناس أن الهجرة النبوية تعني مفارقة الوطن كَرْهًا أو ازدراءً به، وهذا فهم خاطئ؛ فالحق أن حضرة النبي كان أشد الناس حبًّا لمكة، وهاجر منها بأمر الله لا بغضًا فيها، فعن سيدنا عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-: إن سيدنا رسول الله قال لمكة: «مَا أَطْيَبَكِ مِنْ بَلَدٍ، وَأَحَبَّكِ إِلَيَّ، وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مِنْكِ مَا سَكَنْتُ غَيْرَكِ» [رواه الترمذي: (٣٩٢٦)، وقال: حديث حسن صحيح غريب].

حب النبي ﷺ لمكة المكرمة

أولًا: فضل مكة ومكانتها في قلبه ﷺ : عن سيدنا عبد الله بن عدي بن الحمراء الزهري -رضي الله عنه- أنه سمع النبييقول وهو واقف بالحزورة: «وَاللهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللهِ إِلَيَّ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ» [رواه الترمذي: (٣٩٢٥)، وقال: حديث حسن صحيح]، وهذا نص صريح يثبت أن خروجه كان إخراجًا وليس اختيارًا.

ثانيًا: حنينه ﷺ إلى مكة بعد الهجرة: روى سيدنا عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي كان إذا قفل من غزو أو حج أو عمرة يكبر على كل شرف من الأرض، ثم يقول: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ سَاجِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ» [رواه البخاري: (٤٤١٦)]، وكان في هذا الدعاء حنين إلى مكة وشوق إليها.

ثالثًا: وصيته ﷺ بالأنصار لا تعني إهدار حق مكة: قد يقول قائل: إن النبي أثنى على الأنصار حتى قال: «لَوْ سَلَكَتِ النَّاسُ وَادِيًا وَسَلَكَتِ الْأَنْصَارُ شِعْبًا لَسَلَكْتُ شِعْبَ الْأَنْصَارِ» [رواه البخاري: (٣٧٩٥)]، هذا لا ينفي حبه لمكة؛ فالإنسان يحب أوطانه المتعددة، ومكة هي موطن النشأة والنسب والقلب، والمدينة هي موطن النصرة والدين والإخاء، والجمع بينهما ممكن ومتوافق مع الفطرة.

رابعًا: بكاؤه ﷺ عند رؤية مكة: ذكرت كتب السيرة أن النبي لما عاد إلى مكة عام الفتح، وبدت له معالمها، خفض رأسه حتى كادت لحيته تمس الرحل خُشُوعًا، وحُبًّا، وتَوَاضُعًا، قال القاضي عياض -رحمه الله-: "وَلَمَّا فُتِحَتْ عَلَيْهِ مَكَّةُ وَدَخَلَهَا بِجُيُوشِ الْمُسْلِمِينَ طَأْطَأَ عَلَى رَحْلِهِ رَأْسَهُ حَتَّى كَادَ يَمَسُّ قَادِمَتَهُ تَوَاضُعًا لِلَّهِ تَعَالَى" [الشفا بتعريف حقوق المصطفى (١‏/ ١٣٢)].

لماذا هاجر النبي ﷺ إن كان يحب وطنه؟

أولًا: الهجرة لحفظ الدين لا هربًا من الوطن: خروج النبي من مكة كان بأمر من الله تعالى بعد أن اشتد أذى المشركين، وحوصر في الشعب، وعُذب أصحابه، يقول الله تعالى: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدۡ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذۡ أَخۡرَجَهُ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ ثَانِیَ ٱثۡنَیۡنِ إِذۡ هُمَا فِی ٱلۡغَارِ إِذۡ یَقُولُ لِصَٰحِبِهِۦ لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]؛ فأضاف الإخراج إلى الذين كفروا، مما يدل على أن النبي لم يخرج طواعيةً.

ثانيًا: المشركون هم الذين طردوه: أكد النبي على حرمة مكة يوم الفتح قائلًا: «إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ» [رواه البخاري: (٤٣١٤)]، وقوله السابق: «وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مِنْكِ مَا سَكَنْتُ غَيْرَكِ» هو دليل قاطع على أن النبي لم يكن ليخرج من مكة لولا الإكراه.

ثالثًا: الوطن ليس مجرد أرض بل القيم والدين: في الفقه الإسلامي، يتخذ الوطن معانيَ عدة: وطن الأصل، وطن الإقامة، ووطن الهجرة، وحب الوطن الحقيقي يقتضي ألا تبقى فيه تحت ظلم يمنعك من إقامة دينك. وقد أثنى الله على المهاجرين قائلًا: ﴿وَٱلَّذِینَ هَاجَرُوا۟ فِی ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا ظُلِمُوا۟ لَنُبَوِّئَنَّهُمۡ فِی ٱلدُّنۡیَا حَسَنَةࣰۖ وَلَأَجۡرُ ٱلۡءَاخِرَةِ أَكۡبَرُۚ لَوۡ كَانُوا۟ یَعۡلَمُونَ﴾ [النحل: ٤١].

رابعًا: حادثة الغار نموذج للتضحية: سجلت السيرة النبوية أروع صور الحفظ الإلهي والتضحية حين لجأ النبيوصاحبه أبو بكر إلى غار ثور، حيث حماهما الله بعنايته رغم تعقب قريش لهما [يُشار هنا إلى الروايات الواردة في دلائل البيهقي حول نسج العنكبوت وحماية الله لنبيه].

الهجرة النبوية نموذج في التضحية من أجل الوطن الأعظم

حب الوطن المقبول شرعًا هو الذي لا يقدح في الدين، ولا يمنع الأمر بالمعروف، أما المشركون في مكة، فقد جعلوا حب الأوثان والأسلاف عَائِقًا عن اتباع الحق: ﴿إِنَّا وَجَدۡنَاۤ ءَابَاۤءَنَا عَلَىٰۤ أُمَّةࣲ وَإِنَّا عَلَىٰۤ ءَاثَٰرِهِم مُّقۡتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣].

أولًا: بناء دولة قوية تعيد للوطن كرامته: هاجر النبي إلى المدينة فبنى مسجدًا، وآخى بين المهاجرين والأنصار، وأسس دولة قوية استطاع بها لاحقًا أن يفتح مكة دون إراقة دماء في الأغلب؛ فمن يحب وطنه حقًّا يعمل على إصلاحه، لا على التمسك بأطلاله تحت وطأة الظلم.

ثانيًا: العودة إلى مكة فَاتِحًا: بعد ثماني سنوات، عاد النبي إلى مكة مُتَوَاضِعًا محني الرأس شُكْرًا لله، وقال لأهلها: «اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ»، لم ينتقم ممن أخرجوه، بل أعاد لوطنه كرامته ونشر فيه الهداية.

ثالثًا: التأكيد على حرمة مكة بعد الفتح: أعاد النبي لمكة حرمتها التي كانت قبل الجاهلية، ونهى عن قطع شجرها أو تنفير صيدها، وهذا من أعظم صور تقدير الوطن ورعايته بيئيًّا وروحيًّا.

الدروس المستفادة

ومن أهم الدروس المستفادة من الهجرة النبوية الشريفة للمسلم المعاصر، ما يلى:

  1. حب الوطن فطرة: أقرها الإسلام، والنبي ﷺ أحب مكة حبًّا شديدًا بشهادة الأحاديث الصحيحة.
  2. دافع الهجرة: لم تكن الهجرة النبوية بسبب كراهية الوطن، بل إكراهًا من المشركين واستجابة لأمر الله بحفظ الدين.
  3. الإيجابية في حب الوطن: من يحب وطنه حقًّا لا يبقى فيه تحت الظلم عَاجِزًا، بل يعمل على تغييره أو يهاجر لتكوين قوة تعود به إلى الخير.
  4. مفهوم الوطن الشامل: الوطن ليس مجرد تراب، بل هو منظومة من القيم، والدين، والأمن، والحرية.
  5. الغاية الكبرى: العودة إلى الوطن بعد إصلاحه وتمكين الدين فيه هي الغاية، كما عاد النبي ﷺ إلى مكة مُنْتَصِرًا.

الأسئلة الشائعة

س: هل تعني الهجرة النبوية أن من ترك وطنه يكون قد خانه؟

ج: كلا، بل قد يكون هو من أحب وطنه حقيقة؛ لأنه لم يرضَ له البقاء تحت حكم يمنع الدين، فخرج ليؤسس دولة تعيد لوطنه كرامته، وقد أثنى الله على المهاجرين في القرآن الكريم.

س: هل ورد عن الصحابة أنهم بكوا حُزْنًا على فراق مكة؟

ج: نعم، رُوي عن عدد من الصحابة أنهم تأثروا وبكوا حين فارقوا مكة حبًّا بها، لكنهم هاجروا امْتِثَالًا لأمر الله.

الخلاصة

لم تكن الهجرة النبوية دَلِيلًا على كراهية الوطن، بل هي أبلغ تعبير عن حبه الحقيقي؛ فالنبي ﷺ قال لمكة: «وأحبك إلي»، وهاجر منها مُكْرَهًا، وعاد إليها فَاتِحًا، ولقد علّمنا ﷺ أن حب الوطن لا يكون بالبقاء فيه ذَلِيلًا، بل بنصرته بالهجرة تارة، وبالجهاد تارة، وبالعودة والإصلاح تارة أخرى؛ فمن يحب وطنه فليعمل على رفعته، وليعلم أن الله مع الذين هاجروا وجاهدوا في سبيله، ﴿وَٱلَّذِینَ هَاجَرُوا۟ فِی ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا ظُلِمُوا۟ لَنُبَوِّئَنَّهُمۡ فِی ٱلدُّنۡیَا حَسَنَةࣰۖ وَلَأَجۡرُ ٱلۡءَاخِرَةِ أَكۡبَرُۚ لَوۡ كَانُوا۟ یَعۡلَمُونَ﴾ [النحل: ٤١].

موضوعات ذات صلة

الهجرة النبوية من مكة إلى المدينة المنورة كانت نقطة تحول حضاري في بناء المجتمع الإسلامي

حب الوطن في الإسلام فطرة أصيلة وثابت شرعي يقرنه الشرع بالوفاء والإيمان

الهجرة النبوية من مكة إلى المدينة كانت بداية مرحلة جديدة من العلاقات الإنسانية والاجتماعية

أدار النبي ﷺ المخاطر، ووظف الطاقات، وأحبط مؤامرات قريش

معاني الثبات النفسي واليقين الإيماني في أصعب اللحظات

موضوعات مختارة