Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

جماليات سلوك بر الوالدين ... رؤية من خلال أدبيات علم النفس

جماليات سلوك بر الوالدين ... رؤية من خلال أدبيات علم النفس

إن المتأمل في شموخ القيم الإسلامية يجد أن بر الوالدين يمثل ركيزةً جوهرية لصناعة السلم النفسي وتعزيزه، فالإحسان إليهما يتجاوز كونه ردًّا للجميل ليكون مساراً روحيًّا، يغسل النفس من شوائب الأنانية، ويصل العبد بمنابع الرحمة القدسية،  لقد جعل الحق سبحانه بر الوالدين قرين توحيده، إشارةً إلى أن اكتمال الإيمان يمر عبر بوابة الوفاء الإنساني الأسمى.

التلازم بين الإيمان وبر الوالدين في نظريات علم النفس

إن هذا التلازم الوثيق بين الإيمان والبر يجد صداه في كشوفات نظريات علم النفس الحديثة؛ إذ يمثل الوالدين في جوهرها عملية إعادة بناء للكيان الوجداني للفرد، وتمنحه توازناً فريداً بين واجب العطاء وحاجة الانتماء،  وتتجلى هذه الصلة في تلاقي الحقائق الشرعية مع ما قررته نظريات علم النفس حول أثر العلاقات الأولية في صياغة الشخصية، مما يجعل من طاعة الوالدين وسيلة نموذجية لتحقيق الاستقرار العاطفي، والارتقاء بذكاء الإنسان الوجداني.

نظرية التعلق

يؤكد العالم جون بولبي في كتابه المرجعي  " التعلق والفقدان "  أن جودة الرابطة الوجدانية بين الطفل ووالديه تشكل الخارطة الذهنية التي يتعامل بها الإنسان مع العالم،  ويعد البر  في المنظور النبوي تعميقاً لهذا التعلق الآمن؛ إذ يمنح الفرد شعوراً بالجذر القوي، والسكينة الباطنية، فالإحسان للوالدين يحرر الإنسان من قلق الانفصال، ويمنحه ثباتاً انفعاليًّا يواجه به أزمات الحياة، امتثالاً لقوله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} [لقمان: ١٤]

نظرية النضج النفسي

يوضح العالم إريك إريكسون في كتابه "الطفولة والمجتمع"  أن حياة الإنسان تمر بمراحل نمو، تتطلب توازناً بين العطاء والأخذ، ويمثل سلوك البر ذروة النضج النفسي، فمن خلال رعاية الوالدين، ينتقل الإنسان من التمركز حول الذات إلى مرحلة الإنتاجية الروحية، فهذا العطاء يقي النفس من الركود النفسي، ويمنحها حيوية متجددة، تجعل الفرد يرى أثر إحسانه في وجوه والديه، استجابةً للتوجيه النبوي: «الوالِدُ أوسطُ أبوابِ الجنَّةِ، فإِن شئتَ فأَضِع ذلكَ البابَ أو احفَظْهُ» [رواه الترمذيٍ]

نظرية التعلم الاجتماعي

يشرح العالم ألبير باندورا في كتابه " الأسس الاجتماعية للفكر والفعل"  دور القدوة في صياغة السلوك، ويعد بر الوالدين مدرسة تطبيقية لبناء القيم، فالابن البار يقدم نموذجاً حيًّا لأبنائه، مما يخلق بيئة أسرية، يسودها التراحم التلقائي. إن هذا الامتداد القيمي يحقق للفرد طمأنينة الاستمرار عبر الأجيال، ويحفظ للمجتمع تماسكاً وجدانيًّا فريداً، عملاً بقوله تعالى: { وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} [الطور: الآية ٢١]

نظرية العلاج بالمعنى

يقرر العالم فيكتور فرانكل في كتابه " الإنسان يبحث عن المعنى"   أن وجود غاية سامية هو ما ينقذ الإنسان من الفراغ الوجودي، ويمنح بر الوالدين للمؤمن معنى كليًّا لحياته، حيث تتحول الرعاية اليومية والخدمة البسيطة إلى عبادة جليلة، وقربة ربانية،  هذا المعنى المتجاوز للمادة يجعل الصعاب هينة، ويحول تعب الخدمة إلى لذة روحية، تحقيقاً لقوله ﷺ حين سُئل عن أحب الأعمال إلى الله، فقال: « الصَّلاةُ علَى وقْتِها، ثُمَّ برُّ الوالِدَيْنِ » [رواه البخاري].

الخلاصة

إن بر الوالدين هو النهر الذي تستمد منه الروح صفاءها، والمنهاج الذي يضمن توازن النفس، بين مقتضيات المادة وأشواق الروح، لقد أثبتت نظريات علم النفس أن صلاح الكيان البشري يبدأ من إحياء روابط المودة، ليكون الأنس بالوالدين مقدمةً للأنس بالله، وطريقاً لبناء مجتمع؛ ترفرف عليه أجنحة الرحمة والسكينة.

موضوعات ذات صلة

حقوق الوالدين تُعد من أبرز وأهم الحقوق التي يحث عليها الإسلام

جعلَ الله الإحسانَ للوالدينِ قرينَ توحيدِهِ، وأفاضَ من سَعةِ رحمتِهِ على من تذلَّلَ لوالدَيْهِ طاعةً لتمجيدِهِ

الرحمة صفة عظيمة تعني التلطف بالغير والإحسان إليه ونزع الشر والسوء من النفس

الاحترام ليس مجرد قيمة اجتماعية أو خُلق فردي، بل هو حاجة نفسية أساسية تضمن للفرد توازنه الداخلي وجودة علاقاته الخارجية

جعلَ الله الإنسانَ محلَّ تكريمِهِ، وأودعَ في براءةِ الطفولةِ سرَّ جمالِهِ وتعظيمِهِ