ولا يقف البر والمعروف بالوالدين عند حياتهما فقط بل يمتد أثره إلى ما بعد رحيلهما عن هذه الحياة، ففي وصية جامعة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما
روى البيهقي وأبو داود – حينما جَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي
سَلَمَةَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ بَقِيَ مِنْ بِرِّ أَبَوَيَّ شَيْءٌ
أَبَرُّهُمَا بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا؟ قَالَ: «نَعَمْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِمَا،
وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُمَا، وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا مِنْ بَعْدِهِمَا، وَصِلَةُ
الرَّحِمِ الَّتِي لَا تُوصَلُ إِلَّا بِهِمَا، وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا»، فالصلاة
عليهما هي الدعاء، كما قال تعالى: {وَقُل
رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرٗا} [الإسراء:
٢٤]، والاستغفار لهما هو لون من الدعاء، وإن دعاء الأبناء للآباء أو دعاء
الآباء للأبناء هو أخلص الدعاء، وهو من العلاقات الحميمة المتبادلة، كل منهم يدعو للآخر
حيًا وميتًا، وإنفاذ عهدهما هو لون من البر لأن العهد كان مسئولًا، فإذا قام الأبناء
بالوفاء لعهود آبائهم كأن ذلك من حسن الخلق، فمتى وعد الأبوان أو وصى أحدهما أو كلاهما بشيء، جائز شرعًا وجب إنفاذ عهدهما، وصلة الرحم هي من البر بالآباء
والأمهات، فأقارب الأبوين وذوو أرحامهم كالإخوة والأعمام والأخوال: يجب أن يحافظ
الأبناء على زيارتهم وتفقد أحوالهم ومشاركتهم في أفراحهم واتراحهم، وكذلك يجب ان يفعلوا مع أصدقاء الوالدين احترامًا وتوقيرًا ومعروفًا
وبرًا، ولهذا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صحيح الحديث-: «إِنَّ
أَبَرَّ الْبِرِّ أَنْ يَصِلَ الرَّجُلُ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ»، ولقد تأدب الصحابة - رضي الله عنهم -
بهذا الأدب؛ فتحدث الروايات: أن رجلًا من الأعراب لقي عبد
الله بن عمر بطريق مكة فسلم
عليه عبد الله، وحمله على حمار كان يركبه،
وأعطاه عمامة كانت على رأسه، فقال له
رفاق سفره: أصلحك الله أو غفر الله لأنهم الأعراب، وهم يرضون باليسير، فقال عبد
الله بن عمر: إن أبا هذا كان ودًا لعمر بن الخطاب، وإني سمعت رسول ألله - صلى
الله عليه وسلم - يقول:
«إِنَّ أَبَرَّ الْبِرِّ أَنْ يَصِلَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ وُدَّ أَبِيهِ».
هذا وإن أجمع توجيه
في حقوق الوالدين هو قوله تعالى: {وَقَضَىٰ
رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنًاۚ
إِمَّا يَبۡلُغَنَّ عِندَكَ ٱلۡكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوۡ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل
لَّهُمَآ أُفّٖ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوۡلٗا كَرِيمٗا * وَٱخۡفِضۡ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ
ٱلرَّحۡمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرٗا *رَّبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمۡۚ إِن
تَكُونُواْ صَٰلِحِينَ فَإِنَّهُۥ كَانَ لِلۡأَوَّٰبِينَ غَفُورٗا} [الإسراء:
٢٣-٢٥]، وقضى؛ أي أمر أمرًا مقطوعًا به، وخصَّ حال الكبر بالوصية؛ لأن الوالدين في هذا الوقت أحوج
إلى البر والمساعدة، وسبحان الخلاق العظيم القائل: {ٱللَّهُ
ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعۡفٖ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعۡدِ ضَعۡفٖ قُوَّةٗ ثُمَّ
جَعَلَ مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةٖ ضَعۡفٗا وَشَيۡبَةٗۚ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ وَهُوَ
ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡقَدِيرُ} [الروم: ٥٤]
لكن
البر بالوالدين حال الكبر يتساوى مع البر بالأبناء حال الصغر؟ شتان بين الموقفين...!!
فالوالدان يستبشران بقدوم الوليد، ويسعدان بمداعبته، ويأملان في حياته، ويشقيان في مرضه، ويسهران في أرقه، ويكدحان لأجله، وليس في بر الأبناء ما يفي بهذه المواقف، ولهذا كان النهي عن كلمة
(أف) وهي أقل ما يعبر عن الضجر والإساءة، وجاء التعبير بقوله تعالى:
{وَٱخۡفِضۡ لَهُمَا جَنَاحَ
ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحۡمَةِ} [الإسراء:
٢٤] قويًّا
في الدلالة على لين الجانب، والتواضع لهما، وأعقب ذلك الدعاء لهما بقوله تعالى:
{وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا
رَبَّيَانِي صَغِيرٗا} [الإسراء: ٢٤]، دلالة على عجز الإنسان عن الوفاء بحقهما، فيلجأ إلى من بيده خزائن كل
شيء، وإلى من هو أرحم الراحمين ليجزي الوالدين الجزاء الأوفى، وإذا كان بعض الناس قد تنفلت منه
العبارة غير المقصودة، أو يظهر منه الانفعال غير الإرادي، فإن الله – سبحانه - يتولى
هذا الإنسان بعفوه كما يتولى أبويه بكرمه قال تعالى: {رَّبُّكُمۡ
أَعۡلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمۡۚ إِن تَكُونُواْ صَٰلِحِينَ فَإِنَّهُۥ كَانَ
لِلۡأَوَّٰبِينَ غَفُورٗا} [الإسراء:
٢٥]