Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

حقوق الوالدين

الكاتب

أ. د. محمد سيد أحمد المسير

حقوق الوالدين

حقوق الوالدين تُعد من أبرز وأهم الحقوق التي يحث عليها الإسلام، حيث يُبرز القرآن الكريم والسنة النبوية أهمية الإحسان إلى الوالدين والبر بهما لأنه من أعظم الأعمال التي تقرب الإنسان إلى الله سبحانه وتعالى.

مكانة الوالدين في الإسلام

أسمى العلاقات الاجتماعية في الإسلام هي العلاقة المتبادلة بين الآباء والأبناء، فهي علاقة تجمع بين الفطرة والوجوب، وبين الوفاء والجزاء، وبين الحب والرحمة، وحقوق الوالدين أكبر من أن يفي بها الأبناء، وحسب المرء أن يعلم أن الله - تعالى - قرن البر بالوالدين بالأمر بتوحيده وعبادته في أكثر من آية، قال الله تعالى: {وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗا} [النساء: ٣٦]، وجعل الرسول -صلى الله عليه وسلم- البر بالوالدين وحسن رعايتهما يعدل الجهاد في سبيل الله، فقد أقبل رجل إلى نبي الله - صلى الله عليه وسلم - فقال كما في الصحيح: «أُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ؛ أَبْتَغِي الْأَجْرَ مِنَ اللَّهِ قَالَ لَهُ الرَّسُولُ الْكَرِيمُ: «فَهَلْ مِنْ وَالِدَيْكَ أَحَدٌ حَي» قَالَ الرَّجُلُ: نَعَمْ كِلَاهُمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَتَبْتَغِي الْأَجْرَ مِنَ اللَّهِ؟» قَالَ الرَّجُلُ: نَعَمْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «فَارْجِعْ إِلَى وَالِدَيْكَ فَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُمَا»، وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ: «فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ»، وفي مسند الإمام أحمد: أن جاهمة السلمي جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَدْتُ الْغَزْوَ، ‌وَجِئْتُكَ ‌أَسْتَشِيرُكَ فَقَالَ: هَلْ لَكَ مِنْ أُمٍّ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ: الْزَمْهَا، فَإِنَّ الْجَنَّةَ عِنْدَ رِجْلِهَا»،

وذلك البر يجعل طاعة الوالدين واجبة ما لم يأمرا بمعصية، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ومع عدم الطاعة في المعصية فإن حسن الصحبة يظل واجبًا، لا يسقط بحال من الأحوال، قال الله تعالى: {وَإِن جَٰهَدَاكَ عَلَىٰٓ أَن تُشۡرِكَ بِي مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٞ فَلَا تُطِعۡهُمَاۖ وَصَاحِبۡهُمَا فِي ٱلدُّنۡيَا مَعۡرُوفٗاۖ} [لقمان: ١٥]، وفي صحيح البخاري" عن أسماء بنت أبى بكر قَالَتْ: قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ، فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قُلْتُ: إن أمي ‌قدمت ‌وَهِيَ ‌رَاغِبَةٌ، أَفَأَصِلُ أُمِّي؟ قَالَ: «نَعَمْ، صِلِي أُمَّكِ»، وحق الأم مقدم على حق الأب، فالأم تنفرد بالحمل والوضع والإرضاع، ثم تشارك الأب في التربية، وقد وصى القرآن المجيد بالأم منفردة بعد الوصية بالوالدين معا، فقال تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} [لقمان ٢١٤]، وفي صحيح البخاري: "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ أَحَقُّ ‌بِحُسْنِ ‌صَحَابَتِي؟ قَالَ: «أُمُّكَ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أُمُّكَ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أُمُّكَ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ أَبُوكَ».

عقوق الوالدين ومظاهره

وإذا كان المنهج الإسلامي يؤكد الوصية بالوالدين وحسن المعاملة معهما فإنه قد حرم ما يجلب الإساءة إليهما ولو كانت غير مباشرة؛ ففي صحيح البخاري: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ" قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: "يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ»، ولم يكن الصحابة يتصورون أن يسب الأبناء آباءهم سبًا مباشرًا؛ فإن الفطرة والمروءة والخلق تأبى ذلك، فما بالنا اليوم بمن يسب والديه ويعاملهما بجحود ويتبرأ منهما ويدعهما فريسة الهم والغم؟! ليعلم هؤلاء أن الديان لا يموت، وكما تدين تدان، ومن كان اليوم ولدًا فهو غدًا والد، وسيشرب من نفس الكأس مرارة وحرمانًا.

بر الوالدين بعد وفاتهما

ولا يقف البر والمعروف بالوالدين عند حياتهما فقط بل يمتد أثره إلى ما بعد رحيلهما عن هذه الحياة، ففي وصية جامعة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما روى البيهقي وأبو داود – حينما جَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ بَقِيَ مِنْ بِرِّ أَبَوَيَّ شَيْءٌ أَبَرُّهُمَا بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا؟ قَالَ: «نَعَمْ ‌الصَّلَاةُ ‌عَلَيْهِمَا، وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُمَا، وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا مِنْ بَعْدِهِمَا، وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لَا تُوصَلُ إِلَّا بِهِمَا، وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا»، فالصلاة عليهما هي الدعاء، كما قال تعالى: {وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرٗا} [الإسراء: ٢٤]، والاستغفار لهما هو لون من الدعاء، وإن دعاء الأبناء للآباء أو دعاء الآباء للأبناء هو أخلص الدعاء، وهو من العلاقات الحميمة المتبادلة، كل منهم يدعو للآخر حيًا وميتًا، وإنفاذ عهدهما هو لون من البر لأن العهد كان مسئولًا، فإذا قام الأبناء بالوفاء لعهود آبائهم كأن ذلك من حسن الخلق، فمتى وعد الأبوان أو وصى أحدهما أو كلاهما بشيء، جائز شرعًا وجب إنفاذ عهدهما، وصلة الرحم هي من البر بالآباء والأمهات، فأقارب الأبوين وذوو أرحامهم كالإخوة والأعمام والأخوال: يجب أن يحافظ الأبناء على زيارتهم وتفقد أحوالهم ومشاركتهم في أفراحهم واتراحهم، وكذلك يجب ان يفعلوا مع أصدقاء الوالدين احترامًا وتوقيرًا ومعروفًا وبرًا، ولهذا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صحيح الحديث-: «إِنَّ ‌أَبَرَّ ‌الْبِرِّ أَنْ يَصِلَ الرَّجُلُ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ»، ولقد تأدب الصحابة - رضي الله عنهم - بهذا الأدب؛ فتحدث الروايات: أن رجلًا من الأعراب لقي عبد الله بن عمر بطريق مكة فسلم عليه عبد الله، وحمله على حمار كان يركبه، وأعطاه عمامة كانت على رأسه، فقال له رفاق سفره: أصلحك الله أو غفر الله لأنهم الأعراب، وهم يرضون باليسير، فقال عبد الله بن عمر: إن أبا هذا كان ودًا لعمر بن الخطاب، وإني سمعت رسول ألله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إِنَّ ‌أَبَرَّ ‌الْبِرِّ أَنْ يَصِلَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ وُدَّ أَبِيهِ».

هذا وإن أجمع توجيه في حقوق الوالدين هو قوله تعالى: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنًاۚ إِمَّا يَبۡلُغَنَّ عِندَكَ ٱلۡكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوۡ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوۡلٗا كَرِيمٗا * وَٱخۡفِضۡ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحۡمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرٗا *رَّبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمۡۚ إِن تَكُونُواْ صَٰلِحِينَ فَإِنَّهُۥ كَانَ لِلۡأَوَّٰبِينَ غَفُورٗا} [الإسراء: ٢٣-٢٥]، وقضى؛ أي أمر أمرًا مقطوعًا به، وخصَّ حال الكبر بالوصية؛ لأن الوالدين في هذا الوقت أحوج إلى البر والمساعدة، وسبحان الخلاق العظيم القائل: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعۡفٖ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعۡدِ ضَعۡفٖ قُوَّةٗ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةٖ ضَعۡفٗا وَشَيۡبَةٗۚ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ وَهُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡقَدِيرُ} [الروم: ٥٤] 

لكن البر بالوالدين حال الكبر يتساوى مع البر بالأبناء حال الصغر؟ شتان بين الموقفين...!!

فالوالدان يستبشران بقدوم الوليد، ويسعدان بمداعبته، ويأملان في حياته، ويشقيان في مرضه، ويسهران في أرقه، ويكدحان لأجله، وليس في بر الأبناء ما يفي بهذه المواقف، ولهذا كان النهي عن كلمة (أف) وهي أقل ما يعبر عن الضجر والإساءة، وجاء التعبير بقوله تعالى: {وَٱخۡفِضۡ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحۡمَةِ} [الإسراء: ٢٤] قويًّا في الدلالة على لين الجانب، والتواضع لهما، وأعقب ذلك الدعاء لهما بقوله تعالى: {وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرٗا} [الإسراء: ٢٤]، دلالة على عجز الإنسان عن الوفاء بحقهما، فيلجأ إلى من بيده خزائن كل شيء، وإلى من هو أرحم الراحمين ليجزي الوالدين الجزاء الأوفى، وإذا كان بعض الناس قد تنفلت منه العبارة غير المقصودة، أو يظهر منه الانفعال غير الإرادي، فإن الله – سبحانه - يتولى هذا الإنسان بعفوه كما يتولى أبويه بكرمه قال تعالى: {رَّبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمۡۚ إِن تَكُونُواْ صَٰلِحِينَ فَإِنَّهُۥ كَانَ لِلۡأَوَّٰبِينَ غَفُورٗا} [الإسراء: ٢٥] 

الخلاصة

قرن الله تعالى الإحسان إلى الوالدين بعبادته، وجعل برّهما أفضل من الجهاد في بعض الحالات، كما أوصى النبي - صلى الله عليه وسلم - بحسن صحبتهما، خصوصًا عند الكِبَر، وحذّر من أي صورة من صور الإساءة إليهما، ولو كانت بلفظ يسير كـ "أف"، كما شدد الإسلام على مواصلة البر بهما حتى بعد الوفاة، من خلال الدعاء، والوفاء بعهودهما، وصلة رحمهما، وإكرام أصدقائهما، وأن برّ الوالدين يُعد مقياسًا لصلاح النفس، وأنه لا يكافئ ما قدّماه للأبناء من تضحيات ورعاية إلا رحمة الله ومغفرته.

موضوعات ذات صلة

حقوق الطفل في الإسلام تبدأ قبل ميلاده.

الإسلام كرّم المرأة ومنحها حقوقها المدنية والإنسانية.

يُعرف التاريخ الإسلامي بتفرده في توفير حرية المعتقد والمساواة بين المسلمين وغير المسلمين.

موضوعات مختارة