هي السيدة الجليلة المباركة سيدتنا
بركة بنت ثعلبة الحبشية - رضي الله عنها -
المعروفة بأم أيمن، مولاة سيدنا عبد الله بن عبد المطلب - رضي الله عنه -، وقد
ورثها سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - من أبيه، ثم أعتقها بعد زواجه بسيدتنا خديجة
- رضي الله عنها - [ابن الأثير، أسد الغابة، ٧/ ٣٥].
إنها المرأة العظيمة التي حَضنت سيدنا
النبي - صلى الله عليه وسلم - منذ ولادته، فقد كانت في بيت سيدنا عبد الله
بن عبد المطلب - رضي الله عنه -، وحين توفي سيدنا عبد الله بعد ولادة سيدنا النبي
- صلى الله عليه وسلم - بشهرين، وحملت سيدتنا آمنة - رضي الله عنها - بولدها يتيم الأب،
تولت سيدتنا أم أيمن - رضي الله عنها - رعايته وحضانته وهي لا تزال فتاة صغيرة [سير أعلام النبلاء، ٢ /٢٢٤].
ثم توفيت أمه سيدتنا آمنة - رضي الله عنها
- وهو ابن ست سنين، فكانت سيدتنا أم أيمن - رضي الله عنها - هي الأم الحاضنة،
والمربية الرؤوم، التي أحاطته برعايتها وحنانها بعد أن فقد أمه وأباه وجده. ثم
كفلته بعد ذلك عمه أبو طالب وزوجته سيدتنا فاطمة بنت أسد - رضي الله عنها - في
مكة، وكانت أم أيمن معهم ترعاه وتخدمه.
وقد استمرت ملازمة سيدتنا أم أيمن - رضي
الله عنها - لسيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - طيلة حياته، فآمنت به حين بعث، وهاجرت معه
الهجرتين: هاجرت إلى الحبشة في الهجرة الأولى، وهاجرت إلى المدينة بعد ذلك [دلائل النبوة للبيهقي، ١ /١٥٠].
وحضرت معه غزواته كلها، وسقت الماء يوم أُحد،
ودافعت عنه بالسيف لما فر الناس عنه، وقد نثرت التراب في وجوه المشركين، روى
الإمام الْوَاقِدِيُّ،
عَنْ شُيُوخِهِ، قَالُوا: لَمَّا صَاحَ إِبْلِيسُ أَنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ
تَفَرَّقَ النَّاسُ، فَمِنْهُمْ مَنْ وَرَدَ الْمَدِينَةَ حَتَّى دَخَلُوا عَلَى
نِسَائِهِمْ، وَجَعَلَ النِّسَاءُ يَقُلْنَ عَنْ رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَفِرُّونَ؟ قَالَ: وَكَانَ مِمَّنْ وَلَّى فُلَانُ بْنُ
فُلَانٍ ، وَالْحَارِثُ بْنُ حَاطِبٍ، وَسَوَّادُ بْنُ غَزِيَّةَ، وَسَعْدُ بْنُ
عُثْمَانَ، وَعُقْبَةُ بْنُ عُثْمَانَ، وَخَارِجَةُ بْنُ عَامِرٍ بَلَغَ مَلَلَ [ موضع في طريق مكة بين
الحرمين، وقال ابن السكيت: هو منزل على طريق المدينة إلى مكة عن ثمانية وعشرين
ميلا من المدينة ] ،
وَأَوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ فِي نَفَرٍ مِنْ بَنِي حَارِثَةَ بَلَغُوا الشّقرة [ الشقرة: موضع بطريق
فيد بين جبال حمر، على نحو ثمانية عشر ميلا من النخيل، ويومين من المدينة.] ، فَلَقِيَتْهُمْ أُمُّ أَيْمَنَ تَحْثِي
فِي وُجُوهِهِمُ التُّرَابَ، وَتَقُولُ لِبَعْضِهِمْ: هَاكَ الْمِغْزَلُ فَاغْزِلْ
بِهِ، وَهَلُمَّ سَيْفَكَ [الواقدي، المغازي، ١/ ٢٧٧-٢٧٨].
ومن مظاهر وفاء سيدنا النبي
- صلى الله عليه وسلم - لأمه سيدتنا أم أيمن - رضي الله عنها - ما يلي:
الوفاء الأول : "كان رسول الله -صلى
الله عليه وسلم- يقول لأم أيمن:« يا أُمه». وكان إذا نظر إليها قال: «هذه
بقية أهل بيتي»“. [ الطبقات الكبرى، ٨/١٧٩].
وهذا وصف عظيم جليل، يرفعها إلى منزلة الأم
الحقيقية التي تلي منزلة الوالدة مباشرة، إنه اعتراف منه - صلى الله عليه وسلم - بأنها قامت مقام أمه بعد وفاتها، وأنها كانت
السند والعضد والحضن الدافئ.
الوفاء الثاني : قوله - صلى الله عليه وسلم - : «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ
فَلْيَتَزَوَّجْ أُمَّ أَيْمَنَ» [الجامع الصغير: ١٢٣٩٩]، ولما قال ذلك تزوجها سيدنا زيد بن حارثة - رضي الله عنه - مولاه
وحبيبه، فولدت له سيدنا أسامة بن زيد - رضي الله عنهما - حِب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وابن حبه، وهكذا صارت سيدتنا أم أيمن - رضي الله عنها - أمّا
لسيدنا أسامة - رضي الله عنه - وجدة للحسن بن أسامة، وصارت سيدة في بيت النبوة. [سير أعلام النبلاء - ط الرسالة ٢/٢٢٤]
الوفاء الثالث: كان - صلى الله عليه وسلم - يزورها في بيتها، ويمازحها ويدلل عليها أعظم تدليل. يروي سيدنا
أنس بن مالك - رضي الله عنه -: « انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ
- صلى الله عليه وسلم - إِلَى أُمِّ أَيْمَنَ. فَانْطَلَقْتُ
مَعَهُ. فَنَاوَلَتْهُ إِنَاءً فِيهِ شَرَابٌ. قَالَ: فَلَا أَدْرِي أَصَادَفَتْهُ
صَائِمًا أَوْ لَمْ يرده . فجعلت تصخب عليه
وتذمر عليه » [رواه مسلم]، (تصخب)
أي: تصيح وترفع صوتها، إنكارا لإمساكه عن شرب الشراب، (وتذمر عليه) أي: تتذمر
وتتكلم بالغضب. ومعنى الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رد الشراب عليها. إما
لصيام وإما لغيره. فغضبت وتكلمت بالإنكار والغضب وكانت تدِلُّ عليه - صلى الله عليه وسلم - لكونها حضنته وربته - صلى الله عليه وسلم - وكان يضحك من صنيعها ولا يعنفها، بل يستمتع بمزاحها ودلالها.
الوفاء الرابع : أنه
- صلى الله عليه وسلم - أوصى أصحابه بها من بعده، ولما توفي - صلى الله عليه وسلم، جاء سيدنا أبو بكر الصديق وسيدنا
عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - يزورانها
بعد وفاته، فيروي لنا الإمام مسلم – رحمه الله -:" فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَ وَفَاةِ
رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُمَرَ: انْطَلِقَ بِنَا إِلَى أُمِّ
أَيْمَنَ نَزُورُهَا، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَيْهَا، بَكَتْ، فَقَالَ لَهَا:
مَا يُبْكِيكِ؟ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ. قَالَتْ: وَاللهِ مَا
أَبْكِي، أَنْ لَا أَكُونَ أَعْلَمُ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ،
وَلَكِنْ أَبْكِي، أَنَّ الْوَحْيَ انْقَطَعَ مِنَ السَّمَاءِ، فَهَيَّجَتْهُمَا
عَلَى الْبُكَاءِ، فَجَعَلَا يَبْكِيَانِ." [رواه مسلم].
الوفاء الخامس : أنه
- صلى الله عليه وسلم - أعطاها عذاقًا (نخيلًا) من ماله بخيبر، عَنْ سيدنا أَنَسٍ - رضي الله عنه - قَالَ:" كَانَ الرَّجُلُ يَجْعَلُ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - النَّخَلَاتِ حَتَّى افْتَتَحَ قُرَيْظَةَ
وَالنَّضِيرَ وَإِنَّ أَهْلِي أَمَرُونِي أَنْ آتِيَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَأَسْأَلَهُ الَّذِينَ
كَانُوا أَعْطَوْهُ أَوْ بَعْضَهُ وَكَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - قَدْ أَعْطَاهُ أُمَّ أَيْمَنَ فَجَاءَتْ
أُمُّ أَيْمَنَ فَجَعَلَتِ الثَّوْبَ فِي عُنُقِي تَقُولُ: كَلاَّ وَالَّذِي لَا
إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَا يُعْطِيكَهُمْ وَقَدْ أَعْطَانِيهَا أَوْ كَمَا قَالَتْ:
وَالنَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «لَكِ كَذَا»
وَتَقُولُ: كَلاَّ وَاللَّهِ حَتَّى أَعْطَاهَا حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: عَشَرَةَ
أَمْثَالِهِ أَوْ كَمَا قَالَ". [رواه البخاري].
هذه السيدة الذكية التي لم تلد سيدنا النبي
- صلى الله عليه وسلم -، ولا أرضعته، لكنها حَضنته وربته وسهرت على
راحته، صارت بهذه المكانة السامقة عند سيد الخلق - صلى الله عليه وسلم -، فتبارك من جعل الرحمة في القلوب، وجعل
الوفاء علامة الإيمان.