Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الوفاء

الكاتب

أ.د/ علي علي صبح

الوفاء

الوفاء خُلق نبيل يجمع بين صدق القول وإخلاص العمل، ويُعد من أعمدة الأخلاق التي تبني بها المجتمعات وتُصان بها القيم.

مفهوم الوفاء

الوفاء خلق يُرضي الله تعالى، ويُعزز المحبة في نفوس الناس ويُقوي الألفة بينهم، ويُضاعف الثقة عندهم، قال الجاحظ: الوفاء هو الصبر على ما يبذله الإنسان من نفسه وما يرهنه لسانه.

وقال الجرجاني: الوفاء هو ملازمة طريق المواساة ومحافظة عهود الخلطاء.

وقال الراغب الأصفهاني: الوفاء بالعهد إتمامه وعدم نقض حفظه، وقال أيضًا: الوفاء صدق اللسان والعقل معًا، وقال أيضًا: والوفاء يختص بالإنسان فمن فُقد فيه فقد انسلخ من الإنسانية، وقد جعل الله – تعالى - العهد من الإيمان وصيَّره قوامًا لأمور الناس، فالناس مضطرون إلى التعاون، ولا يتم تعاونهم إلا بمراعاة العهد والوفاء به؛ ولذلك عظَّم الله تعالى أمره فقال سبحانه: {وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِيٓ أُوفِ بِعَهۡدِكُمۡ وَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ} [البقرة:٤٠]، وقد عظَّم العرب حال السموأل فيما التزم به من الوفاء بشعر امرئ القيس ما يدل على أن الوفاء قيمة عظيمة، فقدَّرها أهل الجاهلية، وقد أقرَّهم الإسلام على ذلك، ولا يستطيع ذلك إلا القليلون، ولقلة وجود ذلك في الناس، قال تعالى: {وَمَا وَجَدۡنَا لِأَكۡثَرِهِم مِّنۡ عَهۡدٖۖ وَإِن وَجَدۡنَآ أَكۡثَرَهُمۡ لَفَٰسِقِينَ} [الأعراف:١٠٢].

أنواع الوفاء

وللوفاء أنواع:

١. الوفاء بالعهد: وهو إتمامه وعدم نقض حفظه، ويتطابق بصدق القول والعمل جميعًا، وعن ابن عباس - رضى الله عنهما: "العهود ما أحلَّ الله وما حرَّم وما فرض وما حدَّ في القرآن كله".

٢. الوفاء بالعقد: فالمراد به إما العهد ويتطابق مع الأول، وقيل العقود هي أوكد العهود، وقيل: هي عهود الإيمان والقرآن، وقيل: هي ما يتعاقده الناس فيما بينهم.

٣. الوفاء بالوعد: والمراد به أن يصبر الإنسان على أداء ما يَعِدُ به الغير، ويبذله من تلقاء نفسه، ويرهنه بلسانه، حتى وإن أضر به ذلك.

حديث القرآن والسنة عن الوفاء

وحثَّ القران الكريم والسنة الشريفة على النوع الأول وهو الوفاء بالعهد في مواطن كثيرة نذكر منها

على سبيل الإيجاز قوله تعالى: {قُلۡ تَعَالَوۡاْ أَتۡلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمۡ عَلَيۡكُمۡۖ أَلَّا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡ‍ٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗاۖ وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُم مِّنۡ إِمۡلَٰقٖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُكُمۡ وَإِيَّاهُمۡۖ} [الأنعام:١٥١] إلى قوله تعالى: {وَإِذَا قُلۡتُمۡ فَٱعۡدِلُواْ وَلَوۡ كَانَ ذَا قُرۡبَىٰۖ وَبِعَهۡدِ ٱللَّهِ أَوۡفُواْۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ} [الأنعام: ١٥١].

فبعد ذكر الأوامر والمحرمات، وهي عدم الشرك بالله تعالى والإحسان إلى الوالدين، وتحريم قتل الأولاد خشية الفقر، وتحريم الفواحش، وتحريم قتل النفس إلا بالحق، وتحريم أكل مال اليتيم، والأمر بتوفية الكيل والميزان بالقسط، والأمر بالعدل، فهذه الأوامر وتلك المحرمات هي عهد الله تعالى لعباده يجب الوفاء به، وهذا الوفاء هو ما يوصى به الله - عز وجل - عباده أن يتذكروه ويتعظوا به، وفى الحديث الشريف عن ابن عباس - رضى الله عنهما - أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: إن أمي نذرت أن تحج. فلم تحج حتى ماتت، أفاحج عنها؟ قال: «نَعَمْ، حَجَّ عَنْهَا، أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكَ دَيْنٌ أَكُنْتَ قَاضِيَهُ؟ فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ»، وبعد الأوامر والنواهي يحثهم على الوفاء بعهد الله تعالى، فقال عز وجل: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ وَإِيتَآيِٕ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَيَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡيِۚ يَعِظُكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ إِذَا عَٰهَدتُّمۡ وَلَا تَنقُضُواْ ٱلۡأَيۡمَٰنَ بَعۡدَ تَوۡكِيدِهَا وَقَدۡ جَعَلۡتُمُ ٱللَّهَ عَلَيۡكُمۡ كَفِيلًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا تَفۡعَلُونَ} [النحل:٩٠- ٩١].

وفى الحديث الشريف عن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - وكان شهد بدرًا، وهو أحد النقباء ليلة العقبة أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم - وحوله عصابة من أصحابه قال: «تُبَايِعُونِي عَلَى أَلَّا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ، وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلَا تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَّى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ فَهُوَ إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ، فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ»، وقال تعالى: {وَلَا تَشۡتَرُواْ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ ثَمَنٗا قَلِيلًاۚ إِنَّمَا عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ مَا عِندَكُمۡ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٖۗ وَلَنَجۡزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوٓاْ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ} [النحل ٩٥ :٩٦]

وأما الوفاء بالعقود في قوله تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَوۡفُواْ بِٱلۡعُقُودِۚ أُحِلَّتۡ لَكُم بَهِيمَةُ ٱلۡأَنۡعَٰمِ إِلَّا مَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ غَيۡرَ مُحِلِّي ٱلصَّيۡدِ وَأَنتُمۡ حُرُمٌۗ إِنَّ ٱللَّهَ يَحۡكُمُ مَا يُرِيدُ} [المائدة:١]، وفى الحديث الشريف عن كعب ابن مالك - رضي الله عنه - أنه تقاضى ابن أبي حدرد دينًا كان له عليه في المسجد. فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله وهو في بيته فخرج إليهما حتى كشف سجف حجرته، فنادى: «يَا كَعْبُ» قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «ضَعْ مِنْ دَيْنِكَ هَذَا» وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ، أَيْ: الشَّطْرَ، قَالَ: لَقَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «قُمْ فَاقْضِهِ».

وأما الوفاء بالوعود: قال تعالى: {وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِسۡمَٰعِيلَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صَادِقَ ٱلۡوَعۡدِ وَكَانَ رَسُولٗا نَّبِيّٗا} [مريم:٥٤]، وقال تعالى: {فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِۖ فَسَوۡفَ يَلۡقَوۡنَ غَيًّا إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ وَلَا يُظۡلَمُونَ شَيۡ‍ٔٗا} [مريم:٥٩: ٦٠]، وعن عبد الله بن عامر - رضي الله عنه - أنه قال: دعتني أمي يومًا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم- قاعد في بيتنا فقال: تعال أعطك، فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «وَمَا أَردت أنْ تُعْطِيه؟» قالت: أُعْطَيه تَمرًا، فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «أمَا إِنَّكَ لَوْ لَمْ تُعْطِهِ شَيْئًا، كُتِبَتْ عَلَيْكَ كَذِبَةٌ».

أثر الوفاء على الفرد والمجتمع

وأثر الوفاء في الإنسان والمجتمع أثر عظيم وقيمة إنسانية وأخلاقية عظمى؛ لأنه يغرس الثقة بين الناس، ويقوي أواصر التعاون بين أفراد المجتمع، والناس مضطرون إلى التعاون، ولا يتحقق ذلك إلا بالوفاء بالعهود والوعود، ولولا ذلك لشاعت البغضاء، وتنافرت القلوب، لأن الوفاء هو أخو الصدق والعدل، والغدر أخو الكذب والجور، والوفاء بالوعد من أعمدة إصلاح الأمم والأفراد، فلا ثقة في مجتمع أخلف وعده ونقض عهده، ولا ثقة في فرد اتصف بالغدر والجبانة، بل جعلت الشريعة مخلف الوعد منافقًا، قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «ثَلَاثٌ مَن كُنَّ فِيهِ فَهُوَ مُنَافِقٌ، وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ»، فمن ترك القيام به واتصف بالغدر فهو آثم تارك لما أمر ألله تعالى به، لا ينجو من عقابه، وعن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ، فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ، فَلَا تُخْفِرُوا اللَّهَ فِي عَهْدِهِ، فَمَنْ قَتَلَهُ، طَلَبَهُ اللَّهُ حَتَّى يَكُبَّهُ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ»، أمّا من أوفى بعهد الله ابتغاء مرضاته أوفى الله له بعهده بتوفيقه إلى الطاعات، وحقق له ما وعده من الجنة، وقد أثنى الله على أهل الوفاء كثيرًا في كتابه الكريم، وليس بعد ذلك من ثناء وتقدير وثواب عظيم؛ لأن الوفاء صفة أساسية في بناء المجتمع الإسلامي بناء صالحًا وقويًّا، فهو يشمل كل المعاملات والعلاقات الاجتماعية والوعود والعهود والعقود والمواثيق فتزداد الثقة وينتشر الأمن والطمأنينة بين الأمة.

ومن الوفاء بالعهود والعقود: الوفاء في البيع والشراء والدين والنذر وكل ما يتعلق بالمعاملات المالية والاجتماعية، فالوفي المتمسك بوفائه في حياته يشعر بالسعادة أفراد مجتمعه.


مراجع للاستزادة:

  • تهذيب الأخلاق لابن مسكويه. ٢٤. ٢٥.
  • التعريفات: للجرجاني. ٢٧٤.
  • الذريعة إلى مكارم الشريعة: للراغب الأصفهاني: ٢٩٢ - ٢٩٣.
  • مسند الإمام أحمد ٢/٤٤٧.

الخلاصة

الوفاء قيمة أخلاقية عظيمة حثّ عليها الإسلام، وامتدحها القرآن والسنة، لما لها من أثر طيب في تقوية الروابط الإنسانية. وهو أساس الثقة بين الأفراد، وعامل رئيس في استقرار المجتمعات. وبوفاء الإنسان بعهوده ووعوده تتحقق معاني الإيمان، ويُرجى له عظيم الجزاء من الله تعالى.

موضوعات ذات صلة

التعاون طبيعة فطرية وفضيلة بشرية وضرورة إنسانية.

الإحسان خلق عظيم يشمل العلاقة مع الله والنفس والناس.

الفضيلة هي استعداد ثابت لممارسة الخير.

موضوعات مختارة