Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

بر الجناب النبوي - صلى الله عليه وسلم - بأمهات النور المحمدي من حملنه وأرضعنه وربينه

الكاتب

هيئة التحرير

بر الجناب النبوي - صلى الله عليه وسلم - بأمهات النور المحمدي من حملنه وأرضعنه وربينه

يتسع المفهوم الشامل للأمومة في الإسلام من خلال سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، الذي ضرب أروع الأمثلة في الوفاء والبر لكل من حاز شرف أمومته سواء بالنسب أو الرضاع أو الحضانة، من خلال مواقف نبوية خالدة تجسد رد الجميل والاعتراف بالفضل، صائغةً دستورًا أخلاقيًّا يفيض بالرحمة والتواضع في التعامل مع الأمهات والمربيات طيلة حياتهن وبعد وفاتهن.

التوسع في مفهوم الأم في القرآن والسنة

إن من بديع صنع الله – جل وعلا - في هذه الأمة، ومن دقائق لطفه بعباده، أن وسع مفهوم "الأم" في كتابه المبين، وفي سنة نبيه الأمين - صلى الله عليه وسلم - ، ليشمل مناحي العطاء الإنساني كلها، فلا تقتصر الأمومة على من حملت فوضعت، وأرضعت فربت، بل تمتد لتشمل من أرضعت بلبنها وإن لم تلد، ومن ربّت بيدها وإن لم تحمل، ومن حَضنت بدفء صدرها وإن لم تنجب، ومن أحسنت بالعطف والحنان وإن لم تكن من النسب.

تأمل معي - رعاك الله - هذا المعنى القرآني البديع، فقد جاء لفظ "الأم" في القرآن على دلالات ومعانٍ متعددة تتسع لها أفئدة المؤمنين:

فتارة يراد بها الوالدة كما في قوله تعالى: ﴿وَوَصَّیۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَیۡهِ حَمَلَتۡهُ أُمُّهُۥ وَهۡنًا عَلَىٰ وَهۡنࣲ وَفِصَٰلُهُۥ فِی عَامَیۡنِ أَنِ ٱشۡكُرۡ لِی وَلِوَٰلِدَیۡكَ إِلَیَّ ٱلۡمَصِیرُ﴾ [لقمان: ١٤]، وهذه أم النسب التي تحمل فتضع، وتسهر فتربي.

وتارة تأتي ويراد بها الأم التي أرضعت وإن لم تلد، قال تعالى: ﴿وَأُمَّهَٰتُكُمُ ٱلَّٰتِیۤ أَرۡضَعۡنَكُمۡ﴾ [النساء: ٢٣]، فأطلق وصف الأم على التي أرضعت.

كذلك جاءت كلمة الأم في القرآن بمعانٍ تدل على أهميتها وفضلها:

 فتارة ترد بمعنى الملجأ والمأوى والمرجع، كما في قوله سبحانه: ﴿فَأُمُّهُۥ هَاوِیَةࣱ﴾ [القارعة: ٩] ، جاء في تفسيرها:" {فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ} : فمسكنه ومأواه النار، وقيل للمأوى: أمٌّ على التشبيه؛ لأن الأم مأوى الولد ومفزعه " [تفسير مدارك التنزيل للنسفي:٣/٦٧٤].

وكأن القرآن يريد أن يدلنا على أن الأمومة مفهوم كوني يتسع لكل من كان ملجأ ومأوى وحضنًا دافئًا يأوي إليه الصغير، ويستكين فيه الكبير.

 وتارة ترد بمعنى الأصل والأساس، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُۥ فِیۤ أُمِّ ٱلۡكِتَٰبِ لَدَیۡنَا لَعَلِیٌّ حَكِیمٌ﴾ [الزخرف: ٤]، فأم الكتاب هي: أصله الذي يرجع إليه، ودليل ذلك ما ذكره الإمام الطبري في تفسيره:" قال: أم الكتاب: أصل الكتاب وجُملتُه" [جامع البيان:٢٠/٥٤٧] .

فكأن الأم هي الأصل الذي منه الارتواء، وإليه المرجع والمنتهى.

ثم جاءت السنة النبوية لتؤكد هذا التوسع وتمدّه بأجمل المعاني وأرقها، حتى جعلت "الخالة بمنزلة الأم" كما في الحديث الشريف: « الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ» [رواه البخاري].

 وجعلت "الحاضنة" و"المربية" و"المرضعة" في منزلة تستحق البر والوفاء والذكر الجميل والدعاء في حال الحياة وبعد الممات.

وإن خير من نتعلم منه معنى الوفاء لهؤلاء الأمهات، وأصدق من نستقي من سيرته دروس البر والإحسان، هو قدوتنا وأسوتنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، الذي جمع في مسيرة عمره المباركة أصناف الأمهات شتى: فأم حقيقية ولدته ففجع بفراقها صغيرًا، وأمهات أرضعنه فكان لهن أوفى الناس وأكرمهم، وأم حَضنته وربته بعد وفاة أمه فجعلها أمًّا بعد أم، وخالات آزرنه فكان لهن أبر الناس وأوصلهم.

في هذا المقام الإيماني، وفي هذه الوقفة التعبدية، نقف مع الجناب النبوي المعظم - صلى الله عليه وسلم - في مواقف وفائه لأمهاته، لنتأمل كيف جسد - صلى الله عليه وسلم - البر الذي أمر به، وكان خير من وفى وأحسن، وكيف صاغ من سيرته معهن دستورًا أخلاقيًّا خالدًا للأمة جمعاء.

بر الجناب النبوي - ﷺ - بأمه سيدتنا آمنة - رضي الله عنها وأرضاها -

هي السيدة الجليلة الطاهرة المباركة سيدتنا آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة - رضي الله عنها وأرضاها - سيدة نساء قريش نسبًا ومكانة، وأشرفهن حسبًا ورفعة، كانت - رضي الله عنها - ممن بشرت بحملها وولدها، فقد رأت حين حملت به ما أذهلها من عظيم الآيات، وبديع البشارات؛ إذ خرج منها نور أضاء له قصور بصرى من أرض الشام، كما روى ابن إسحاق وغيره [انظر: ابن هشام، السيرة النبوية، ١ / ١٤٤-١٤٥].

أرضعت - رضي الله عنها - سيدنا الحبيب النبي - صلى الله عليه وسلم - في الأيام الأولى من ولادته المباركة سبعة أيام [الطبقات الكبرى، ١ /٨٠]، ثم جرت عادة أشراف قريش أن يلتمسوا المراضع من البادية؛ ليشب الأولاد في الهواء الطلق، على الفصاحة والقوة ونقاء السليقة، فكانت سيدتنا آمنة - رضي الله عنها - من الشريفات اللاتي لم يرضعن أولادهن بأنفسهن؛ رغبة في تنشئتهم في البادية على العزة والشهامة، والفصاحة والبلاغة.

مكث سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - في كنف أمه سيدتنا آمنة - رضي الله عنها - ست سنين كوامل، ثم خرجت به إلى المدينة المنورة تزور أخواله من بني عدي بن النجار، وفي طريق العودة، بالأبواء بين مكة والمدينة، وافتها المنية وهي راجعة به، فقُبضت روحها الطاهرة إلى بارئها، وعمر سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - ست سنين وشهور [سيرة ابن هشام: ١ / ١٥٥]. وهناك في ذلك المكان الطاهر، دُفنت أم الحبيب - صلى الله عليه وسلم -، وانطوى النور الذي أشرق في حياتها.

وهنا يقف المرء متسائلًا: كيف كان وفاء سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - لأمه التي فقدها في صباه المبكر، واحتضنتها الأرض قبل أن يكبر - صلى الله عليه وسلم - ويحتضنها؟ وكيف يكون البر بمن غابت في ريعان الصبا، ورحلت قبل أن يبلغ الحلم؟

إن الوفاء هنا لم يكن بالصحبة والخدمة المباشرة، ولا بالرعاية اليومية والعناية المتصلة، بل كان بضروب شتى من المعاني الرفيعة، والصور البديعة، التي لا يدرك كنهها إلا من رزق قلبًا سليمًا، ووفاءً عميمًا.

الوفاء الأول:  أنه - صلى الله عليه وسلم -  كان يزور قبرها، ويقف على ضريحها وقفة الحنين والحزن الممزوج بالتسليم، فقد روى الإمام مسلم في صحيحه أن سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم -  زار قبر أمه سيدتنا آمنة - رضي الله عنها - بالأبواء، فبكى وأبكى من حوله، وقال: «اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَ أُمِّي فَأَذِنَ لِي، فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ» [رواه مسلم].

 تأمل هذا المشهد العظيم: سيد الخلق - صلى الله عليه وسلم - يقف على قبر أمه باكيًا، وهو القائل عن دموع الحزن: «إِنَّهَا رَحْمَةٌ»، يعلنها أمام أصحابه - رضي الله عنهم -: أن بر الأم لا ينقطع بموتها، وأن الوفاء لها يستمر بالدعاء والزيارة والتذكر.

الوفاء الثاني: أنه - صلى الله عليه وسلم -  كان يُذكر أمته بفضل الأمهات، ويتحدث عنهن وعن فضلهن، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ أَحَقُّ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: أُمُّكَ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ أُمُّكَ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أُمُّكَ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ أَبُوكَ» [رواه البخاري].

بر الجناب النبوي - ﷺ - بأمه سيدتنا ثويبة - رضي الله عنها -

هي السيدة الجليلة سيدتنا ثويبة مولاة أبي لهب بن عبد المطلب - رضي الله عنها - وأول امرأة أرضعت سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم -  بعد أمه - رضي الله عنها -  ، أرضعته - صلى الله عليه وسلم - أيامًا معدودات قبل أن تأخذه سيدتنا حليمة السعدية - رضي الله عنها - إلى البادية، بلبن ابنها مسروح.

وقد جمعت سيدتنا ثويبة - رضي الله عنها - في رضاعها شرفًا عظيمًا لا يضاهى، ومكانة رفيعة لا تدانى، فقد أرضعت قبله سيدنا حمزة بن عبد المطلب عم النبي - رضي الله عنه - وأرضعت بعده سيدنا أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي - رضي الله عنه - ، وبهذا صار سيدنا حمزة بن عبد المطلب - رضي الله عنه – رضيع  رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [أي: أخوه من الرضاعة] من جهتين: من جهة السيدة ثويبة  - رضي الله عنها - ومن جهة السيدة حليمة - رضي الله عنها - ، وصار سيدنا أبو سلمة بن عبد الأسد - رضي الله عنه - أخاه من الرضاعة [الطبقات الكبرى:١/٨٧].

ومما يزيد هذه القصة عجبًا أن سيدها أبا لهب، ذلك الرجل الذي نزل فيه القرآن بالذم والوعيد، أعتق ثويبة حين بشرته بولادة سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فكان ذلك سببًا في تخفيف العذاب عنه كل يوم اثنين، كما روي في المنام المشهور، فقد ذَكَرَ السُّهَيْلِيُّ أَنَّ الْعَبَّاسَ قَالَ: لَمَّا مَاتَ أَبُو لَهَبٍ رَأَيْتُهُ فِي مَنَامِي بَعْدَ حَوْلٍ فِي شَرِّ حَالٍ فَقَالَ: مَا لَقِيتُ بَعْدَكُمْ رَاحَةً، إِلَّا أَنَّ الْعَذَابَ يُخَفَّفُ عَنِّي كُلَّ يَوْمِ اثْنَيْنِ، قَالَ: وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - وُلِدَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَكَانَتْ ثُوَيْبَةُ بَشَّرَتْ أَبَا لَهَبٍ بِمَوْلِدِهِ فَأَعْتَقَهَا. [فتح الباري بشرح البخاري ٩/١٤٤].

فإذا كان إكرام من أرضعت سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - سببًا في تخفيف العذاب عن أبي لهب، فكيف بثوابها هي عند الله؟!

ومن وفاء سيدنا الحبيب النبي - صلى الله عليه وسلم -  لأمه سيدتنا ثويبة - رضي الله عنها - ما يلي:

أولًا : أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يصلها ويكرمها ويبعث إليها بالبر والصلة بعد أن تزوج سيدتنا خديجة - رضي الله عنها، وقد كانت سيدتنا ثويبة - رضي الله عنها - مملوكة حينها، فكان بره بها بر الإحسان بالأم والإقرار بالفضل، فكان - صلى الله عليه وسلم - يرسل إليها الطعام والكسوة، ويتفقد أحوالها، ويوصي بها خيرًا [الطبقات الكبرى:١/٨٧].

ثانيًا : أن أم المؤمنين سيدتنا أم حبيبة - رضي الله عنها - سألته يومًا عن أختها وأخواتها، فعرضت عليه الزواج من بعضهن، فردها سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم -  محتجّا بالرضاع المحرم، قائلًا: «إِنَّ ذَلِكِ لَا يَحِلُّ لِي. قُلْتُ فَإِنَّا نُحَدَّثُ أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَنْكِحَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ. قَالَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ. قُلْتُ نَعَمْ. فَقَالَ لَوْ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حَجْرِي مَا حَلَّتْ لِي إِنَّهَا لَابْنَةُ أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ أَرْضَعَتْنِي وَأَبَا سَلَمَةَ ثُوَيْبَةُ فَلَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ » [رواه البخاري].

وهذا التذكار الدائم بسيدتنا ثويبة - رضي الله عنها - في معرض التحريم هو أعظم وفاء، وأجل تكريم؛ إذ جعل ذكرها مقترنًا بحكم شرعي يتلى على ألسنة العلماء إلى يوم القيامة، كلما تذاكر الناس الرضاع المحرم، تذكروا سيدتنا ثويبة - رضي الله عنها -، كلما تحدث الفقهاء عن المحرمات من الرضاعة، ذكروا أنها أرضعت سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا سلمة - رضي الله عنه -، هذا هو الخلود بالذكر، وهذا هو الوفاء الذي لا يبلى.

ثالثًا : أن وفاءه - صلى الله عليه وسلم - تعدى حياة سيدتنا ثويبة - رضي الله عنها - إلى ما بعد موتها، فقد كان يسأل عنها بعد أن ماتت، ويتفقد أهلها وأحبابها، ويذكرها بالخير في مجالسه، فيذكر ابن سعد – رحمه الله - :"وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -  يبعث إليها بصلة وكسوة. حتى جاءه خبرها أنها قد توفيت سنة سبع، مرجعه من خيبر. فقال: ما فعل ابنها مسروح؟ فقيل: مات قبلها ولم يبق من قرابتها أحد."[الطبقات الكبرى:١/ ٨٨].

 وإن كان الخبر في منام أبي لهب المشهور يحتاج إلى نظر، فإن فيه إشارة إلى أن أثر هذه السيدة العظيمة في حياة سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم -  كان سببًا في تخفيف العذاب عن سيدها، فكيف بثوابها هي عند الله؟!

بر الجناب النبوي - ﷺ - بسيدتنا حليمة السعدية - رضي الله عنها -

هي السيدة الجليلة سيدتنا حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية - رضي الله عنها - من قبيلة بني سعد بن بكر، وزوجها سيدنا الحارث بن عبد العزى - رضي الله عنه - [ابن الأثير، أسد الغابة، ٦/ ٣٢٨]، وهي أشهر مرضعات سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - وأكثرهن قصة وذكرًا، وأكرمهن منزلة وأعظمهن بركة.

وتتجلى بركتها في قصة خروجها في عام سنة شهباء (مجدبة) من سني القحط والجدب، مع نسوة من بني سعد يلتمسن الرضعاء من أشراف مكة، ورفضهن جميعًا أخذ سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - لكونه يتيمًا لا أب له يكافئ المرضعة، وأخذه هي رغمًا عن ذلك لما لم تجد غيره، وقالت لزوجها سيدنا الحارث - رضي الله عنه -: "والله لا أرجع إلى أهلي وأنا آخذة غيره" [ابن هشام، السيرة النبوية، ١ /١٦١].

ثم ما تلا ذلك من بركات عظيمة جعلت العجب كل العجب: درت عليه الأتان العجفاء التي كانت لا تحمل لبنًا، وحفلت الناقة الشارف التي كانت لا تدر قطرة، وعادت الغنم شباعًا لبنًا وهي جائعة هزيلة، وكان الصبي الغض ينمو في عام واحد ما ينمو غيره في عامين، وتلك آيات بينات على عظمة هذا المولود الكريم، وبركة هذا النبي العظيم.

لقد كانت سيدتنا حليمة - رضي الله عنها - أمًّا بالرضاع، وأمًّا بالتربية، وأمًّا بالرعاية والحضن الدافئ، فقد صحبها سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - في بني سعد سنتين كاملتين، وعاد إليهم سنين بعد ذلك يقضي معهم أوقاتًا طيبة [دلائل النبوة للبيهقي:١ \ ١٣٢-١٣٤].

ومن وفاء سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم -  لهذه الأم العظيمة:

الوفاء الأول:  حين قدمت عليه وفود هوازن يوم حنين، بعد المعركة المشهورة، وقد كانوا أسرى في يده بين قتيل وأسير، فعن عروة أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ وَمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَاهُ :أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -  قَالَ، حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَسَبْيَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: »أَحَبُّ الْحَدِيثِ إِلَيَّ أَصْدَقُهُ، فَاخْتَارُوا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ: إِمَّا السَّبْيَ، وَإِمَّا الْمَالَ، وَقَدْ كُنْتُ اسْتَأْنَيْتُ بِهِمْ«. وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم انْتَظَرَ آخِرَهُمْ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حِينَ قَفَلَ مِنْ الطَّائِفِ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - غَيْرُ رَادٍّ إِلَيْهِمْ إِلَّا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، قَالُوا: فَإِنَّا نَخْتَارُ سَبْيَنَا، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي الْمُسْلِمِينَ، فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ هَؤُلَاءِ قَدْ جاؤونا تَائِبِينَ، وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ، مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُطَيِّبَ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ، حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يُفِيءُ اللَّهُ عَلَيْنَا فَلْيَفْعَلْ». فَقَالَ النَّاسُ: ‌قَدْ ‌طَيَّبْنَا ‌ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ، [رواه البخاري].

فكان من جملة من خاطبهم أن قالوا: "بِحَقِّ رَضَاعِكَ فِينَا"، أي: بالحرمة التي لك علينا بسبب رضاعتك فينا [السيرة النبوية: ابن كثير، ١\٢٣٣]، فرد عليهم سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - سباياهم وأموالهم كلها، إكرامًا لهذه الحرمة، ووفاءً لهذه الأم التي أرضعته فيهم، تخيل: ستة آلاف أسير بين رجال ونساء وأطفال، وأموال لا تحصى، كلها ترد إكرامًا لامرأة واحدة كانت أمًّا بالرضاع! هذا هو الوفاء الذي لا نظير له.

الوفاء الثاني: ما رواه سيدنا عطاء بن يسار - رحمه الله - أن سيدتنا حليمة السعدية - رضي الله عنها - قدمت على سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين، فقام إليها - صلى الله عليه وسلم - وبسط لها رداءه فجلست عليه، عَنْ عُمَرَ بْنِ سعد قال: "جاءت ظئر النبي إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَبَسَطَ لَهَا رِدَاءَهُ وَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي ثِيَابِهَا وَوَضَعَهَا عَلَى صَدْرِهَا. قَالَ: وَقَضَى حَاجَتَهَا."، "عن محمّد بن المنكدر قال: استأذنت امرأة على النبىّ، - صلى الله عليه وسلم -، قد كانت أرضعته، فلمّا دخلت عليه قال: أُمّي أُمي! وَعَمَد إلى رِدائه فبَسَطَه لها فقعَدَت عليه." [ابن سعد، الطبقات الكبرى، ١/ ٩٢].

وهذا مشهد يهز القلوب، ويدمع العيون: نبي الأمة، وسيد ولد آدم، وأكرم الخلق على الله، يقف إجلالًا وإكرامًا للسيدة التي أرضعته في صغره، ويبسط لها رداءه الشريف ليجلس عليه، فيا له من وفاء، ويا لها من رحمة، ويا له من تواضع وتكريم.

الوفاء الثالث : أنه - صلى الله عليه وسلم -  كان يسأل عنها ويتفقد أحوالها باستمرار، ويوصي بها وبأهلها، وحين جاءته في عام الجدب والقحط تشكو له الحال، كلم لها سيدتنا خديجة - رضي الله عنها - ، فيذكر الإمام ابن سعد ذلك بقوله:" قَدِمَت حليمة بنت عبد الله على رسول الله- صلى الله عليه وسلم - ، مكّة، وقد تزوّج خديجة، فَتَشَكّت جَدْبَ البلاد وهَلاك الماشية، فكلّم رسول الله- صلى الله عليه وسلم -، خديجة فيها فأعطتها أربعين شاة وبعيرًا مُوَقَّعًا للظعينة وانصرفت إلى أهلها. "[الطبقات الكبرى:١ /٩٣]، وكان إذا بعث بها أحدًا يخصها بالعطاء والكرامة.

الوفاء الرابع : أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يدعو لها ولأهلها بالبركة، وقد كانت البركة تلازم بيتها طول حياتها. وكان يحدث أصحابه عنها وعن أيامه عندها، وكان - صلى الله عليه وسلم - يفتخر برضاعته في بني سعد فيروي ابْنُ إسْحَاقَ: "وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ: أَنَا أَعْرَبُكُمْ، أَنَا قُرَشِيٌّ، وَاسْتُرْضِعْتُ فِي بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْر"ٍ [سيرة ابن هشام:١ \١٦٧].

بر الجناب النبوي - ﷺ - بسيدتنا فاطمة بنت أسد - رضي الله عنها -

هي السيدة الجليلة المباركة سيدتنا فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف - رضي الله عنها وأرضاها - زوجة أبي طالب بن عبد المطلب، وأم سيدنا علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - وسيدنا جعفر الطيار وسيدنا عقيل وسيدتنا أم هانئ - رضي الله عنهم أجمعين- [الطبقات الكبرى، ٨/ ٢٢٢].

وهي أول هاشمية تزوجت هاشميّا فولدت هاشميّا، كما ذكر أهل السير [ابن الأثير، أسد الغابة]. وقد حظيت هذه السيدة الجليلة بشرف عظيم لا يضاهى، فهي التي تكفلت برعاية سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد وفاة جده سيدنا عبد المطلب - رضي الله عنه -، فكانت له أمّا حنونًا تحتضن يتمه، وتخفف عنه مرارة الفقد واليتم.

ومكث سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - في بيت عمه أبي طالب وزوجته فاطمة بنت أسد - رضي الله عنها - قرابة عشرين سنة، من طفولته المبكرة حتى شبابه، ثم إلى ما بعد زواجه بسيدتنا خديجة - رضي الله عنها -. وكانت سيدتنا فاطمة بنت أسد - رضي الله عنها - تبالغ في الاهتمام به، وتؤثره على نفسها وأولادها في المطعم والملبس والمشرب، وكانت تقول: "إنه يتيم، وإنه ابن أخي، وإنه أحب إلي من ولدي" [مجمع الزوائد].

ومن مظاهر وفاء سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم -  لهذه الأم العظيمة:

الوفاء الأول:  أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يزورها ويكرمها غاية الإكرام. قال ابن سعد - رحمه الله - في الطبقات: "وكانت فاطمة بنت أسد امرأة صالحة، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يزورها ويقيل في بيتها" [الطبقات الكبرى، ٨/ ٢٢٢]، وهذا شرف عظيم أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - يزورها ويقيل في بيتها، أي: يستريح في قائلة النهار.

الوفاء الثاني : أنه - صلى الله عليه وسلم - أشركها في الهبة الكريمة التي أهديت إليه. عن سيدنا علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - قال:" أَهْدَى إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حُلَّةً مُسَيَّرَةً بِحَرِيرٍ فَقَالَ لِي: «اجْعَلْهَا خَمْرًا بَيْنَ الْفَوَاطِمِ »، فَشَقَقْتُ مِنْهَا أَرْبَعَةَ أَخْمِرَةٍ: خِمَارٌ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَسَدٍ وَخِمَارٌ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ مُحَمَّدٍ وَخِمَارٌ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ حَمْزَةَ. وَلَمْ يَذْكُرِ الرَّابِعَةَ" [الآحاد والمثاني:٣١٦٤].

الوفاء الثالث:  كان الحبيب النبي  - صلى الله عليه وسلم - يناديها بأنها "أُمه": « ويتذكر حنانها وإكرامها وعطفها عليه  - صلى الله عليه وسلم - ، "عن سيدنا أنس بن مالك - رضي الله عنه -: لَمَّا مَاتَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَسَدِ بْنِ هَاشِمٍ أُمُّ عَلِيٍّ، دَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فَجَلَسَ عِنْدَ رَأْسِهَا، فَقَالَ: «رَحِمَكِ اللَّهُ يَا أُمِّي، كُنْتِ أُمِّي بَعْدَ أُمِّي، تَجُوعِينَ وتُشْبِعِينِي، وتَعْرَيْنَ وتَكْسُونَنِي، وتَمْنَعِينَ نَفْسَكِ طَيِّبَ الطَّعَامِ وتُطْعِمِينِي، تُرِيدِينَ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ»" [رواه الطبراني في المعجم الأوسط]، وهذا أعظم تكريم، إذ جعلها - صلى الله عليه وسلم -  في منزلة أمه التي تلي منزلة الوالدة، ورفعها إلى مقام الأمومة العظمى.

الوفاء الرابع : أنه - صلى الله عليه وسلم - تولى بنفسه تغسيلها وتكفينها والصلاة عليها والدفن. روى الإمام الطبراني وغيره عن سيدنا أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: "لَمَّا مَاتَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَسَدِ بْنِ هَاشِمٍ أُمُّ عَلِيٍّ - رضي الله عنهما - ...... أَمَرَ أَنْ تُغَسَّلَ ثَلَاثًا، فَلَمَّا بَلَغَ الْمَاءَ الَّذِي فِيهِ الْكَافُورُ سَكَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بِيَدِهِ، ثُمَّ خَلَعَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَمِيصَهُ فَأَلْبَسُهَا إِيَّاهُ، وَكَفَّنَهَا بِبُرْدٍ فَوْقَهُ» [مجمع الزوائد، ٩/٢٥٧].

الوفاء الخامس : أنه - صلى الله عليه وسلم - اضطجع في قبرها توسعة عليها، فعن سيدنا أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال :"ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، وَأَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّ، وَعُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَغُلَامًا أَسْوَدَ يَحْفِرُوا، فَحَفَرُوا قَبْرَهَا، فَلَمَّا بَلَغُوا اللَّحْدَ حَفَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِيَدِهِ، وَأَخْرَجَ تُرَابَهُ بِيَدِهِ. فَلَمَّا فَرَغَ، دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم، فاضْطَجَعَ فِيهِ، وَقَالَ: «....اللَّهُ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، اغْفِرْ لِأُمِّي فَاطِمَةَ بِنْتِ أَسَدٍ، ولَقِّنْهَا حُجَّتَهَا، وَوَسِّعْ عَلَيْهَا مُدْخَلَهَا، بِحَقِّ نَبِيِّكَ وَالْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِي، فَإِنَّكَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ» . ثُمَّ كَبَّرَ عَلَيْهَا أَرْبَعًا، ثُمَّ أدْخَلُوهَا الْقَبْرَ، هُوَ وَالْعَبَّاسُ، وَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيق [رواه الطبراني في المعجم الأوسط].

هذه المرأة الهاشمية العظيمة التي لم تلد النبي - صلى الله عليه وسلم، لكنها أم بعد أم، وحضن دافئ احتواه عشرين عامًا، صارت بهذه المكانة العظيمة عند سيد الخلق - صلى الله عليه وسلم -، فتبارك من جعل الرحمة في القلوب، وجعل الوفاء علامة الإيمان.

بر الجناب النبوي - ﷺ - بسيدتنا أم أيمن - رضي الله عنها-

هي السيدة الجليلة المباركة سيدتنا بركة بنت ثعلبة الحبشية - رضي الله عنها - المعروفة بأم أيمن، مولاة سيدنا عبد الله بن عبد المطلب - رضي الله عنه -، وقد ورثها سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - من أبيه، ثم أعتقها بعد زواجه بسيدتنا خديجة - رضي الله عنها - [ابن الأثير، أسد الغابة، ٧/ ٣٥].

إنها المرأة العظيمة التي حَضنت سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - منذ ولادته، فقد كانت في بيت سيدنا عبد الله بن عبد المطلب - رضي الله عنه -، وحين توفي سيدنا عبد الله بعد ولادة سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - بشهرين، وحملت سيدتنا آمنة - رضي الله عنها - بولدها يتيم الأب، تولت سيدتنا أم أيمن - رضي الله عنها - رعايته وحضانته وهي لا تزال فتاة صغيرة [سير أعلام النبلاء، ٢ /٢٢٤].

ثم توفيت أمه سيدتنا آمنة - رضي الله عنها - وهو ابن ست سنين، فكانت سيدتنا أم أيمن - رضي الله عنها - هي الأم الحاضنة، والمربية الرؤوم، التي أحاطته برعايتها وحنانها بعد أن فقد أمه وأباه وجده. ثم كفلته بعد ذلك عمه أبو طالب وزوجته سيدتنا فاطمة بنت أسد - رضي الله عنها - في مكة، وكانت أم أيمن معهم ترعاه وتخدمه.

وقد استمرت ملازمة سيدتنا أم أيمن - رضي الله عنها - لسيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - طيلة حياته، فآمنت به حين بعث، وهاجرت معه الهجرتين: هاجرت إلى الحبشة في الهجرة الأولى، وهاجرت إلى المدينة بعد ذلك [دلائل النبوة للبيهقي، ١ /١٥٠].

 وحضرت معه غزواته كلها، وسقت الماء يوم أُحد، ودافعت عنه بالسيف لما فر الناس عنه، وقد نثرت التراب في وجوه المشركين، روى الإمام الْوَاقِدِيُّ، عَنْ شُيُوخِهِ، قَالُوا: لَمَّا صَاحَ إِبْلِيسُ أَنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ تَفَرَّقَ النَّاسُ، فَمِنْهُمْ مَنْ وَرَدَ الْمَدِينَةَ حَتَّى دَخَلُوا عَلَى نِسَائِهِمْ، وَجَعَلَ النِّسَاءُ يَقُلْنَ عَنْ رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَفِرُّونَ؟ قَالَ: وَكَانَ مِمَّنْ وَلَّى فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ ، وَالْحَارِثُ بْنُ حَاطِبٍ، وَسَوَّادُ بْنُ غَزِيَّةَ، وَسَعْدُ بْنُ عُثْمَانَ، وَعُقْبَةُ بْنُ عُثْمَانَ، وَخَارِجَةُ بْنُ عَامِرٍ بَلَغَ مَلَلَ [ موضع في طريق مكة بين الحرمين، وقال ابن السكيت: هو منزل على طريق المدينة إلى مكة عن ثمانية وعشرين ميلا من المدينة ] ، وَأَوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ فِي نَفَرٍ مِنْ بَنِي حَارِثَةَ بَلَغُوا الشّقرة [ الشقرة: موضع بطريق فيد بين جبال حمر، على نحو ثمانية عشر ميلا من النخيل، ويومين من المدينة.] ، فَلَقِيَتْهُمْ أُمُّ أَيْمَنَ تَحْثِي فِي وُجُوهِهِمُ التُّرَابَ، وَتَقُولُ لِبَعْضِهِمْ: هَاكَ الْمِغْزَلُ فَاغْزِلْ بِهِ، وَهَلُمَّ سَيْفَكَ [الواقدي، المغازي، ١/ ٢٧٧-٢٧٨].

ومن مظاهر وفاء سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - لأمه سيدتنا أم أيمن - رضي الله عنها - ما يلي:

الوفاء الأول :  "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول لأم أيمن:« يا أُمه». وكان إذا نظر إليها قال: «هذه بقية أهل بيتي»“. [ الطبقات الكبرى، ٨/١٧٩].

وهذا وصف عظيم جليل، يرفعها إلى منزلة الأم الحقيقية التي تلي منزلة الوالدة مباشرة، إنه اعتراف منه - صلى الله عليه وسلم - بأنها قامت مقام أمه بعد وفاتها، وأنها كانت السند والعضد والحضن الدافئ.

الوفاء الثاني : قوله - صلى الله عليه وسلم - : «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَتَزَوَّجْ أُمَّ أَيْمَنَ» [الجامع الصغير: ١٢٣٩٩]، ولما قال ذلك تزوجها سيدنا زيد بن حارثة - رضي الله عنه - مولاه وحبيبه، فولدت له سيدنا أسامة بن زيد - رضي الله عنهما - حِب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وابن حبه، وهكذا صارت سيدتنا أم أيمن - رضي الله عنها - أمّا لسيدنا أسامة - رضي الله عنه - وجدة للحسن بن أسامة، وصارت سيدة في بيت النبوة. [سير أعلام النبلاء - ط الرسالة ٢/‏٢٢٤]

الوفاء الثالث:  كان - صلى الله عليه وسلم - يزورها في بيتها، ويمازحها ويدلل عليها أعظم تدليل. يروي سيدنا أنس بن مالك - رضي الله عنه -: « انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى أُمِّ أَيْمَنَ. فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ. فَنَاوَلَتْهُ إِنَاءً فِيهِ شَرَابٌ. قَالَ: فَلَا أَدْرِي أَصَادَفَتْهُ صَائِمًا أَوْ لَمْ يرده . فجعلت تصخب عليه وتذمر عليه » [رواه مسلم]، (تصخب) أي: تصيح وترفع صوتها، إنكارا لإمساكه عن شرب الشراب، (وتذمر عليه) أي: تتذمر وتتكلم بالغضب. ومعنى الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رد الشراب عليها. إما لصيام وإما لغيره. فغضبت وتكلمت بالإنكار والغضب وكانت تدِلُّ عليه - صلى الله عليه وسلم - لكونها حضنته وربته - صلى الله عليه وسلم - وكان يضحك من صنيعها ولا يعنفها، بل يستمتع بمزاحها ودلالها.

الوفاء الرابع : أنه - صلى الله عليه وسلم - أوصى أصحابه بها من بعده، ولما توفي - صلى الله عليه وسلم، جاء سيدنا أبو بكر الصديق وسيدنا

عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - يزورانها بعد وفاته، فيروي لنا الإمام مسلم – رحمه الله -:" فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُمَرَ: انْطَلِقَ بِنَا إِلَى أُمِّ أَيْمَنَ نَزُورُهَا، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَيْهَا، بَكَتْ، فَقَالَ لَهَا: مَا يُبْكِيكِ؟ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ. قَالَتْ: وَاللهِ مَا أَبْكِي، أَنْ لَا أَكُونَ أَعْلَمُ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ، وَلَكِنْ أَبْكِي، أَنَّ الْوَحْيَ انْقَطَعَ مِنَ السَّمَاءِ، فَهَيَّجَتْهُمَا عَلَى الْبُكَاءِ، فَجَعَلَا يَبْكِيَانِ." [رواه مسلم].

الوفاء الخامس : أنه - صلى الله عليه وسلم - أعطاها عذاقًا (نخيلًا) من ماله بخيبر، عَنْ سيدنا أَنَسٍ  - رضي الله عنه -  قَالَ:" كَانَ الرَّجُلُ يَجْعَلُ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - النَّخَلَاتِ حَتَّى افْتَتَحَ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرَ وَإِنَّ أَهْلِي أَمَرُونِي أَنْ آتِيَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَأَسْأَلَهُ الَّذِينَ كَانُوا أَعْطَوْهُ أَوْ بَعْضَهُ وَكَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - قَدْ أَعْطَاهُ أُمَّ أَيْمَنَ فَجَاءَتْ أُمُّ أَيْمَنَ فَجَعَلَتِ الثَّوْبَ فِي عُنُقِي تَقُولُ: كَلاَّ وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَا يُعْطِيكَهُمْ وَقَدْ أَعْطَانِيهَا أَوْ كَمَا قَالَتْ: وَالنَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «لَكِ كَذَا» وَتَقُولُ: كَلاَّ وَاللَّهِ حَتَّى أَعْطَاهَا حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: عَشَرَةَ أَمْثَالِهِ أَوْ كَمَا قَالَ". [رواه البخاري].

هذه السيدة الذكية التي لم تلد سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا أرضعته، لكنها حَضنته وربته وسهرت على راحته، صارت بهذه المكانة السامقة عند سيد الخلق - صلى الله عليه وسلم -، فتبارك من جعل الرحمة في القلوب، وجعل الوفاء علامة الإيمان.

بر الجناب النبوي - ﷺ - بسيدتنا الشيماء - رضي الله عنها-

هي سيدتنا الشيماء بنت الحارث - رضي الله عنها - بنت سيدتنا حليمة السعدية - رضي الله عنها - والتي كانت تحضن سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم -  وتلاعبه في بني سعد، وكانت تكبره سنًّا وتعتني به أعظم عناية، وقد أُسرت يوم حنين في جملة السبايا، فلما عُرضت على سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم -  وعرفها، بسط لها رداءه وأجلسها عليه إكرامًا لها، وخيرها بين المقام عنده مكرمة أو الرجوع إلى قومها، فاختارت الرجوع إلى قومها، فردها إلى أهلها معززة مكرمة، يقول الإمام ابن الأثير – رحمه الله -:" وذكروا أن الشيماء كانت تحضن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع أمها، قال ابن إسحاق: عن أبي وجزة السعدي، قال: لما انتهت الشيماء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالت: يا رسول الله إني لأختك من الرضاعة.  قال: «وما علامة ذلك؟» قلت: عضة عضضتينها في ظهري وأنا متوركتك. فعرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -  العلامة، فبسط لها رداءه. [أسد الغابة: ٧/١٦٦].

بر الجناب النبوي - ﷺ - بسيدتنا سعدى بنت زائدة - رضي الله عنهاـ

وهي جدة سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم -  لأمه، من جهة أمه سيدتنا آمنة - رضي الله عنها -، فقد كان يذكرها بالخير ويكرم أهلها، وكان يقول: - صلى الله عليه وسلم- «أنا ابن العواتك» يشير إلى جداته، وجاء عنه  - صلى الله عليه وسلم - «أنا ابن العواتك من سليم» والعاتكة في الأصل: المتلطخة بالطيب أو الطاهرة.  [السيرة الحلبية: ١ /٦٢].

الخلاصة

 دروس في الوفاء من خير الورى:

إن في سيرة سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم مع أمهاته دروسًا عظيمة للمسلم في كل زمان، ومنارات هادية لكل من أراد أن يقتدي به في بره ووفائه:

الدرس الأول: شمول مفهوم الأمومة:

علمنا سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم أن الأمومة لا تقتصر على من ولدت، بل تمتد لتشمل من أرضعت بلبنها، ومن ربت بيدها، ومن كفلت في صغرها، ومن أحسنت بعطفها، وكل هؤلاء يستحققن البر والتكريم والوفاء والذكر الجميل، انظر إلى أمهاته الخمس: سيدتنا آمنة التي ولدته، وسيدتنا ثويبة التي أرضعته، وسيدتنا حليمة التي ربته في البادية، وسيدتنا فاطمة بنت أسد التي كفلته في بيت عمه، وسيدتنا أم أيمن التي حَضنته ورعته منذ مولده. كل هؤلاء كن أمهات، وكل هؤلاء نلن من بره ووفائه أعظم النصيب.

الدرس الثاني: الوفاء علامة الإيمان:

كما قال صلى الله عليه وسلم «حُسْنُ الْعَهْدِ مِنَ الْإِيمَانِ» [ رواه مسلم]، ومن أولى وأحق بذلك من الأم، فالوفاء للأمهات حقيقيات كن أم بالرضاع أم بالتربية أم بالحضانة، من علامات الإيمان الصادق، ومن شيم النفوس الكريمة، ومن أخلاق الأنبياء والصديقين.

الدرس الثالث: البر لا يسقط بتعدد الأمهات:

لم يقل سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم : لي أم واحدة هي التي ولدتني، بل اعترف بجميل كل من أحسنت إليه، وبرها بما يليق بها، وأعطاها حقها من التقدير والإكرام؛ وهذا يفتح بابًا عظيمًا للبر لا يُغلق: بر الجدة، بر الخالة، بر الحاضنة، بر المربية، بر زوجة الأب التي أحسنت، بر كل من كان لها فضل.

الدرس الرابع: الرفق بمن لهم سابقة فضل:

كان صلى الله عليه وسلم في تعامله مع أمهاته مثالًا في التواضع والحلم والبشاشة، يقف  - صلى الله عليه وسلم - لسيدتنا ثويبة - رضي الله عنها - وهي على شركها، ويبسط رداءه  - صلى الله عليه وسلم - لسيدتنا حليمة - رضي الله عنها - وهي من عامة الناس، ويضحك  - صلى الله عليه وسلم - لسيدتنا أم أيمن - رضي الله عنها - وهي تصخب عليه، ويضطجع - صلى الله عليه وسلم -  في قبر سيدتنا فاطمة بنت أسد - رضي الله عنها - توسعة عليها. هذا هو الخلق العظيم، وهذه هي الرحمة المهداة.

الدرس الخامس: إدامة الصلة والبر بعد الموت:

زار صلى الله عليه وسلم قبر أمه سيدتنا آمنة - رضي الله عنها - وبكى عليه، وأوصى بزيارة القبور، وتولى بنفسه دفن سيدتنا فاطمة بنت أسد - رضي الله عنها - ودعا لها بالمغفرة، وهذه وصية لكل مسلم: ألا يقطع صلته بأمه بعد موتها، بالدعاء لها، والصدقة عنها، وزيارة قبرها، وإكرام صديقاتها، والوفاء بعهدها.

الدرس السادس: الاعتراف بالجميل:

كان صلى الله عليه وسلم يعترف بجميل كل من أحسنت إليه، ويذكره على رؤوس الأشهاد، ولا ينساه أبد الدهر، وهذا أدب عظيم: أن تعترف بفضل من أحسن إليك، وأن تظهر هذا الفضل للناس.

اللهم اجعلنا من البارين بآبائنا وأمهاتنا، ومن الواصلين لأرحامنا، ومن المعترفين بجميل من أحسن إلينا. اللهم اغفر لأمهاتنا وارحمهن، وأدخلهن فسيح جناتك، كما ربيننا صغارًا، وسهرن علينا ليالٍ، وتحملن من أجلنا أعمارًا.

نسأل الله أن يرزقنا حسن التأسي بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم  في بره ووفائه، وأن يجمعنا به وبأمهاته في الفردوس الأعلى من الجنة.

موضوعات ذات صلة

أبعاد مقام الأمومة في الرؤية الإسلامية، مؤصلًا لمفاهيم الإكرام والبركة من منظور حضاري وأكاديمي

إن الناظر في جلال الهيبة المحيطة بسلوك بر الوالدين، يرى أن هذا المسلك الذي سنه الجناب النبوي المعظم ﷺ يمثل ارتحالًا قدسيًّا بالروح نحو معارج الوفاء

حقوق الوالدين تُعد من أبرز وأهم الحقوق التي يحث عليها الإسلام

جعلَ الله الإحسانَ للوالدينِ قرينَ توحيدِهِ، وأفاضَ من سَعةِ رحمتِهِ على من تذلَّلَ لوالدَيْهِ طاعةً لتمجيدِهِ

الرحمة صفة عظيمة تعني التلطف بالغير والإحسان إليه ونزع الشر والسوء من النفس

موضوعات مختارة