وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
في الأسبوع الأخير من شهر أبريل (٢٤-٣٠ أبريل)، يتحد العالم تحت شعار (أسبوع التحصين العالمي) لتعزيز استخدام اللقاحات التي تحمي البشر من مختلف الأعمار.
إن شعار اللقاحات تقربنا ليس مجرد شعار، بل هو قصة نجاح بشرية؛ فبفضل عقود من البحث، انخفضت وفيات الأطفال بنسبة تزيد عن ٥٠% في الثلاثين سنة الأخيرة، وأصبحت بفضل الله تحمي البشر من أكثر من٢٠مرضًا، من شلل الأطفال إلى السرطانات المرتبطة بالفيروسات [راجع: موقع منظمة الصحة العالمية].
إن المتأمل في جوهر الشريعة الإسلامية يدرك أنها لم تأتِ لترتيب العلاقة بين العبد وربه فقط، بل جاءت لتشيد نظامًا قيميًا يحفظ على الإنسان وجوده المادي والمعنوي؛ فحفظ النفس ليس مجرد شعار فقهي، بل هو استحقاق استخلافي يتطلب منا تطويع معطيات العلم الحديث - ومنها اللقاحات - لتكون درعًا واقيًا يحمي بنيان الله في الأرض، كما أَن السعي لتأمين صحة الإنسان بالوقاية قبل العلاج هو أسمى تجليات الحكمة؛ إذ يمثل التمنيع حصنًا مشيدًا يحمي المجتمعات من غوائل الأوبئة.
وضع الإسلام منهجًا استباقيًا متكاملًا للوقاية، يدمج بين السلوك الصحي والمسؤولية المجتمعية:
١- التداوي والوقاية: انطلاقًا من قول النبي - صلى الله عليه وسلم: «تَدَاوَوْا، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً» [أبو داوود: السنن كتاب الطب، باب في الرجل يتداوى، حديث رقم (٣٨٥٥)]، فالبحث عن اللقاحات وتلقيها هو امتثال لهذا الأمر النبوي.
٢- إحياء النفس: يضع الإسلام حفظ النفس كأولى الضروريات، والتحصين هو إحياء للنفس، ومصداق لقوله تعالى: ﴿وَمَنۡ أَحۡیَاهَا فَكَأَنَّمَاۤ أَحۡیَا ٱلنَّاسَ جَمِیعࣰاۚ﴾ [المائدة: ٣٢].
٣- لا ضرر ولا ضرار: تعد قاعدة (الضرر يُزال) من القواعد الخمس الكبرى التي يرتكز عليها الفقه الإسلامي، وهي مستمدة من الهدي النبوي في قوله - صلى الله عليه وسلم: «لا ضَرر ولا ضِرار»، [ابن ماجه: السنن، كتاب الأحكام، باب من بنى في حقه ما يضر بجاره، حديث رقم (٢٣٤٠)]
اللقاحات في حقيقتها هي تجسيد حي لهذه القاعدة؛ فهي تهدف إلى (دفع الضرر قبل وقوعه)، وهو أقوى وأولى في الشريعة من محاولة رفعه بعد استقراره، فالتحصين يحمي (الكل الاجتماعي) من تفشي الأوبئة، وبما أن انتشار الوباء ضرر محقق، فإن الوسيلة التي تمنعه (اللقاح) تصبح مطلبًا شرعيًا ملزمًا. [جلال الدين السيوطي: الأشباه والنظائر، دار الكتب العلمية ص ٨٣].
٤- الدفْع أقوى من الرفع: قرر هذه القاعدة الإمام ابن نجيم الحنفي في كتابه الذي يُعد دستورًا للقواعد الفقهية: "الدفعُ أقوى من الرفع؛ لأن استدامة الشيء أسهلُ من ابتدائه، ومن ثمَّ كان المنعُ من وقوع الضرر أوجبَ من محاولة إزالته بعد استقراره" [ابن نجيم: الأشباه والنظائر على مذهب أبي حنيفة النعمان، دار الكتب العلمية، بيروت، ص ٨٤،].
معنى هذه القاعدة في سياقنا الصحي: أن العمل على (منع وقوع الضرر) (وهو ما يُسمى بالدفْع) أيسرُ في التنفيذ، وأقلُّ في التكلفة البشرية والمادية، وأولى في الاعتبار الشرعي من محاولة (إزالته بعد وقوعه) وهو ما يُسمى بالرفع.
٥- سد الذرائع: اعتمد الإمام الشاطبي هذا الأصل بقوة في كتابه الفذ، مبينًا أن الشارع يمنع الأفعال إذا كانت تؤدي إلى مفاسد، حتى وإن كانت في أصلها غير ممنوعة حيث يقول: “النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعًا، كانت الأفعال موافقة أو مخالفة؛ وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل.. فإذا كان مآله مفسدة، نهى عنه سدًا للذريعة. [الإمام الشاطبي: الموافقات، ت. مشهور بن حسن آل سلمان، دار ابن عفان السعودية، جـ ٥ ص ١٧٧]
إن الالتزام بالبروتوكولات الصحية واللقاحات ليس مجرد استجابة لإجراءات إدارية أو تنظيمية، بل هو واجب شرعي استباقي؛ ذلك أن ترك التحصين في زمن تفشي الأمراض المعدية هو ذريعة (وسيلة) مؤدية يقينًا إلى مفسدة انتشار الوباء وإزهاق الأرواح، ولما كان (هلاك النفس) محرمًا، فإن (الذريعة) المؤدية إليه (وهي الإهمال الصحي) تأخذ حكم الحرمة، ويصبح سدها (بالتحصين) واجبًا شرعًا.
٦- التحصين شرط لحفظ النفس: موافق لقاعدة (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) "إن الواجب إذا توقف حصوله على شيء، وكان ذلك الشيء في مقدور المكلف، فذلك الشيء واجب؛ لأن الأمر بالشيء أمر بما لا يتم إلا به" [أبو حامد الغزالي المستصفى، ت. محمد عبد السلام عبد الشافي، دار الكتب العلمية، ط: الأولى ١٤١٣هـ - ١٩٩٣، ص ٦٥].
والقاعدة تُعد من أمتن القواعد التي تضبط سلوك المكلف تجاه الوسائل الغائية؛ ومعناها: أن الشيء الذي يتوقف عليه أداء الواجب الشرعي، ولا يمكن تحقيقه بدونه، يصبح ذلك الشيء واجبًا شرعًا بوجوب الغاية الأصيلة.
وبما أن حفظ حياة الإنسان من الهلاك في زمن الأوبئة (كشلل الأطفال، والكوليرا، وكوفيد) هو واجب شرعي قطعي، وبما أن هذا الحفظ لا يتحقق واقعًا وعلميًا إلا بالتحصين والتمنيع، فإن اللقاح بكونه الوسيلة الوحيدة المتاحة علميًا الآن لتحقيق بقاء النفس، يخرج من دائرة الإباحة إلى دائرة الوجوب الشرعي.
٧- يُتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام [ابن نجيم، الأشباه والنظائر، ص ٧٤]: إن مناعة القطيع التي تحققها اللقاحات هي حماية للمجتمع العام، وهي مقدمة على تخوفات الأفراد الشخصية غير المستندة لبرهان علمي؛ حيث يخشى البعض من أعراض جانبية بسيطة للقاح (ضرر خاص)، ولكن الشريعة تقرر أننا نتحمل هذا الاحتمال البسيط لحماية المجتمع ككل من فناء محقق أو وباء عام (ضرر عام).
كما أشار الإسلام إلى الالتزام ببعض الأمور التي تحصن أتباعه من الأمراض منها:
١- وجوب العناية بالنظافة الشخصية: جعلها الإسلام شطرًا للإيمان وشرطًا لصحة العبادات، قال تعالى: ﴿وَثِیَابَكَ فَطَهِّرۡ﴾ [المدثر: ٤]، والتي فسرها الإمام الطبري بغسلها بالماء وتطهيرها من النجاسة. [الطبري: جامع البيان في تأويل القرآن، ت. أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، ط: الأولى ١٤٢٠هـ - ٢٠٠٠م جـ ٢٣ ص ١٢].
٢- نظافة الطعام والشراب: حذر النبي - صلى الله عليه وسلم - من ترك الأواني مكشوفة بقوله: «غَطُّوا الإِنَاءَ، وَأَوْكُوا السِّقَاءَ، فَإِنَّ فِي السَّنَةِ لَيْلَةً يَنْزِلُ فِيهَا وَبَاءٌ...» [مسلم: صحيح مسلم، باب الأمر بتغطية الإناء وإيكاء السقاء..، رقم ١٢٨٢]
يوضح الدكتور: أحمد شوقي الفنجري السبق العلمي النبوي في هذا فيقول: "إن من الحقائق العلمية التي لم تكن معروفة إلا بعد اكتشاف الميكروسكوب والميكروب وطرق انتقال العدوى هي أن بعض الأمراض المعدية تنتقل بالرذاذ عن طريق الجو المحمل بالغبار؛ أي: (الذّر)، وأن الميكروب يتعلق بذرات الغبار عندما تحملها الريح، وتصل بذلك من المريض إلى السليم عن طريق فمه وأنفه، أو آنية طعامه وشرابه"[د. أحمد شوقي الفنجري، الطب الوقائي في الإسلام، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط: الثالثة ١٩٩١م، ص ٢٦-٢٧].
٣- حماية مصادر المياه: عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ» [البخاري: الصحيح، كتاب الوضوء، باب البول في الماء الدائم، رقم الحديث: ٢٣٩]
يؤكد الدكتور: عبد الحميد القضاة سرعة انتشار العدوى، حيث يقول:"يؤكد العلم أن الجرام الواحد من براز الإنسان يحتوي على أكثر من مائة ألف مليون جرثومة، وينتقل بواسطته أمراض كثيرة؛ كالتيفوئيد، والدزنتاريا، والكوليرا" [د. عبد الحميد القضاة: تفوق الطب الوقائي في الإسلام، المكتبات والوثائق العلمية – عَّمان، ط: الأولى ١٤٠٨هـ - ١٩٨٧م، ص ٢٠].
٤- الحذر من الخبائث والأمانة الطبية: قال تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَیۡكُمُ ٱلۡمَیۡتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحۡمَ ٱلۡخِنزِیرِ﴾ [البقرة: ١٧٣]، يقرر الشيخ: المراغي أن في تحريم الإسلام للميتة حِكمًا بالغة، تتقاطع فيها كرامة النفس مع سلامة الجسد، حيث يقول: "في تحريم الإسلام للميتة حكم كثيرة؛ وهي: استقذار الطباع السليمة لها، وما يسببه أكلها من المهانة التي تتنافى مع عزة النفس وكرامتها، والضرر الذي ينشأ من أكلها؛ سواء كانت قد ماتت بمرض، أو شدة ضعف، أو بجراثيم (ميكروبات) انحلت بها قواها، وتعويد المسلم ألا يأكل إلا مما كان له قصد في إزهاق روحه". [أحمد بن مصطفى المراغي (المتوفى: ١٣٧١هـ)، تفسير المراغي، جـ ١ ص ٤٧، مطبعة مصطفى البابي الحلبي مصر، ط: الأولى ١٣٦٥هـ - ١٩٤٦م، ١/٤٧].
كما أرسى الإسلام نظام المسؤولية الطبية بقاعدة: «من تطبَّبَ ولم يُعلمْ منهُ طبٌّ فهوَ ضامِنٌ» [أبو داود: السنن، كتاب الديات، باب من تطبب بغير علم فأعنت (٤٥٨٦)].
٥- تفعيل الحجر الصحي وعزل المرضى:
أرسى النبي - صلى الله عليه وسلم قاعدتين ذهبيتين في فقه التعامل مع الوباء:
إن التكاتف بين دقة اللقاح ويقين المؤمن هو الدرع الحامي للبشرية، لأننا حين نُحصّن أنفسنا، فإننا نغرس في أرض الوطن بذورًا قوية محميةً بيقين الإيمان ودقة العلم، لتظل الوقاية هي المنهج الأرقى في صون الأمانة الطبية وحفظ النفس البشرية.
الرباط بين الدين والأخلاق والحضارة رباط وثيق.
الكليات الخمس هي: النفس، العقل، الدين، النسل، المال.
يُعنى الطب الوقائي، أو "حفظ الصحة"، بالحفاظ على الصحة الموجودة بدلًا من استردادها.
الطب السريري يركز على تشخيص الأمراض وعلاجها من خلال التواصل المباشر مع المرضى.