Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

حكم الانتحار في الإسلام هل المنتحر كافر؟ وهل يغفر الله له وما مصيره في الآخرة؟

الكاتب

هيئة التحرير

حكم الانتحار في الإسلام: هل المنتحر كافر؟ وما مصيره في الآخرة؟

هل المنتحر كافر؟ وهل يُغفر له؟ وهل يكون مصيره النار حتمًا؟

أسئلة مؤلمة تتردد في أذهان كثير من الناس، خاصة عند فقدان عزيز أو المرور بضيق شديد.

في هذا المقال نوضح الحكم الشرعي للا​ن​تحار في الإسلام، ونكشف رأي العلماء في مصير المنتحر، وهل يُصلى عليه ويُدعى له أم لا؟

ما حكم الانتحار؟

المنتحر في الإسلام ليس كافرًا عند جمهور العلماء، لكنه ارتكب كبيرة عظيمة من الكبائر، ويُغسَّل ويُصلى عليه، وأمره إلى الله: إن شاء عذبه وإن شاء غفر له.

من المقرَّر شرعًا أنَّ الشريعة الإسلامية الغراء قد عظَّمت من شأن النفس الإنسانية، وجعلت حفظها وصيانتها من أسمى مقاصدها وكبريات ضرورياتها، ولهذا، لم تكتفِ الشريعة بتحريم الاعتداء على النفس فحسب، بل أوجبت على المسلم دفع أيِّ خطرٍ يهدد حياته؛ التزامًا صريحًا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقۡتُلُوۤا۟ أَنفُسَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمۡ رَحِیمࣰا﴾ [النساء: ٢٩].

وتُمثِّل هذه الآية الكريمة نصًّا قاطعًا في تحريم الإقدام على الانتحار بجميع صوره، وقد أوضح الإمام ابن عطية في تفسيره أنَّ النهي هنا يشمل العمد في قتل النفس، كما يشمل تعريضها لخطرٍ ربما تموت منه، وممَّا يُستدلُّ به في هذا الباب، احتجاح الصحابي الجليل عمرو بن العاص -رضي الله عنه- بهذه الآية حين امتنع عن الاغتسال بالماء البارد خوفًا على حياته، فأقرَّه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك الاستدلال [المحرر الوجيز (٢/ ٤٢)].

وفي السُّنة النبوية المطهَّرة، تتواتر الأحاديث التي تؤكِّد أنَّ إنهاء الإنسان لحياته يُعدُّ إثمًا عظيمًا وكبيرةً من أكبر الكبائر، وتتوعَّد فاعله بأشدِّ العقوبات؛ فقد ورد عن النبي ﷺ أنه قال: «كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ بِهِ جُرْحٌ، فَجَزِعَ، فَأَخَذَ سِكِّينًا فَحَزَّ بِهَا يَدَهُ، فَمَا رَقَأَ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: بَادَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ، حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» [متفق عليه].

ويبين الإمام ابن حجر العسقلاني عِلَّة هذه العقوبة؛ موضحًا أنَّ قوله تعالى: «بَادَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ» كنايةٌ عن استعجال العبد للموت، وبما أنَّ الله سبحانه لم يُطلعه على غيب انقضاء أجله، فاختار هو أن ينهي حياته بيده معتديًا على حقِّ الخالق في استرداد وديعته، فقد استحقَّ العقوبة على عصيانه وتجاوزه [فتح الباري (٦/ ٥٠٠)].

هل المنتحر كافر؟ وهل يدخل النار؟

لا، المنتحر ليس كافرًا، بل هو مؤمن عاصٍ ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب.

فقد ورد في السنة النبوية وعيد شديد للمنتحر، لبيان عِظَم الجرم وتنفيرًا للناس منه، كما في قوله ﷺ: «‌مَنْ ‌تَرَدَّى ‌مِنْ ‌جَبَلٍ ‌فَقَتَلَ ‌نَفْسَهُ فَهْوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَجَأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا» [صحيح البخاري: (٥٧٧٨)].

توجيه العلماء للحديث: أجمع علماء الأمة على أن لفظ "الخلود" في الحديث يُحمل على أحد وجهين:

  • أنه ينطبق على من استحلّ الانتحار معتقدًا إباحته، فمن استحل حرامًا معلومًا من الدين بالضرورة فقد كفر.
  • أن المقصود بالخلود هنا هو "طول المكث" في النار وليس البقاء الأبدي، فكل من مات على التوحيد لا يخلد في النار أبدًا.

قال العلامة الملا القاري رحمه الله في شرح هذا الحديث: "قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ فَعَلُوا ذَلِكَ مُسْتَحِلِّينَ لَهُ وَإِنْ أُرِيدَ مِنْهُ الْعُمُومُ، فَالْمُرَادُ مِنَ ‌الْخُلُودِ وَالتَّأْبِيدِ ‌الْمُكْثُ الطَّوِيلُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ دَوَامِ الِانْقِطَاعِ لَهُ، وَاسْتِمْرَارٍ مَدِيدٍ يَنْقَطِعُ بَعْدَ حِينٍ بَعِيدٍ لِاسْتِعْمَالِهِمَا فِي الْمَعْنَيَيْنِ، فَيُقَالُ: وَقَفَ وَقْفًا مُخَلَّدًا مُخَلَّدًا مُؤَبَّدًا، وَأُدْخِلَ فُلَانٌ حَبْسَ الْأَبَدِ، وَالِاشْتِرَاكُ وَالْمَجَازُ خِلَافُ الْأَصْلِ فَيَجِبُ جَعْلُهُمَا لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا لِلتَّوْفِيقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الدَّلَائِلِ، فَإِنْ قُلْتَ: فَمَا تَصْنَعُ بِالْحَدِيثِ الَّذِي يَتْلُوهُ مَرْوِيًّا عَنْ جُنْدُبٍ، عَنِ النَّبِيِّ : «بَادَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ» الْحَدِيثَ، قُلْتُ: هُوَ حِكَايَةُ حَالٍ لَا عُمُومَ فِيهَا، إِذْ يَحْتَمِلُ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ كَافِرًا، أَوِ ارْتَدَّ مِنْ شِدَّةِ الْجِرَاحَةِ، أَوْ قَتَلَ نَفْسَهُ مُسْتَبِيحًا مَعَ أَنَّ قَوْلَهُ: فَحَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ لَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ ظَنًّا عَلَى الدَّوَامِ وَالْإِقْنَاطِ الْكُلِّيِّ فَضْلًا عَنِ الْقَطْعِ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: لَمَّا كَانَ الْإِنْسَانُ بِصَدَدِ أَنْ يَحْمِلَهُ الضَّجَرُ وَالْحُمْقُ وَالْغَضَبُ عَلَى إِتْلَافِ نَفْسِهِ، وَيُسَوِّلَ لَهُ الشَّيْطَانُ أَنَّ الْخَطْبَ فِيهِ يَسِيرٌ، وَهُوَ أَهْوَنُ مِنْ قَتْلِ نَفْسٍ أُخْرَى حَرُمَ قَتْلُهَا عَلَيْهِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِنَفْسِهِ مُطَالِبٌ مِنْ قِبَلِ الْخَلْقِ فَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ، أَعْلَمَ النَّبِيُّ الْمُكَلَّفِينَ أَنَّهُمْ مَسْئُولُونَ عَنْ ذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمُعَذَّبُونَ بِهِ عَذَابًا شَدِيدًا، وَأَنَّ ذَلِكَ فِي التَّحْرِيمِ كَقَتْلِ سَائِرِ النُّفُوسِ الْمُحَرَّمَةِ ا.هـ [مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ٦/ ٢٢٦٢].

هل يُغفر للمنتحر؟

نعم، مآل المنتحر مفوض إلى الله تعالى، وهو ما يُعرف بـ "تحت المشيئة".

  • الدليل القرآني: القاعدة العامة في كبائر الذنوب تتجلى في قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا یَغۡفِرُ أَن یُشۡرَكَ بِهِۦ وَیَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن یَشَاۤءُۚ﴾ [النساء: ٤٨].

والانتحار يدخل فيما "دون الشرك".

  • الدليل النبوي الحاسم (حديث الطفيل بن عمرو):

وهو العمدة في هذا الباب؛ حيث هاجر الطفيل بن عمرو الدوسي ومعه رجل من قومه إلى المدينة، فمرض الرجل واشتد عليه الألم، فجزع وقطع مفاصل يديه فنزف حتى مات، فرآه الطفيل في المنام وهيئته حسنة، ولكنه مغطٍّ يديه، فسأله: ما صنع بك ربك؟ فقال: "غَفَرَ لِي بِهِجْرَتِي إِلَى نَبِيِّهِ ﷺ"، فقال الطفيل: ما لي أراك مغطيًا يديك؟ قال: "قِيلَ لِي: لَنْ نُصْلِحَ مِنْكَ مَا أَفْسَدْتَ"، فقصها الطفيل على رسول الله ﷺ، فقال النبي ﷺ داعيًا له: «اللَّهُمَّ وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِرْ» [صحيح مسلم: (١١٦)].

فهذا الحديث دليل قاطعًا على أن المنتحر لا يكفر، وأن الله قد يغفر له، وأن الدعاء له مشروع ونافع.

هل يجوز الصلاة على المنتحر؟

يُعامل المنتحر معاملة أموات المسلمين بالكامل؛ فيُغسَّل، ويُكفَّن، ويُصلى عليه، ويُدفن في مقابر المسلمين.

  • الامتناع النبوي للزجر:

ثبت أن النبي ﷺ امتنع عن الصلاة على منتحر بنفسه، كما روى جابر بن سمرة رضي الله عنه: "أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ" [صحيح مسلم: (٩٧٨)].

  • الفقه من الحديث:

أوضح الإمام النووي وغيره من شراح الحديث أن امتناع النبي ﷺ كان من باب "الزجر" ليرتدع الناس عن هذا الفعل، ولكنه لم ينهَ الصحابة عن الصلاة عليه.

قال الإمام النووي رحمه الله: "قَالَ الْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ وَقَتَادَةُ وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَأَجَابُوا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ ‌زَجْرًا لِلنَّاسِ عَنْ مِثْلِ فِعْلِهِ وَصَلَّتْ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَهَذَا كَمَا تَرَكَ النَّبِيُّ ﷺ الصَّلَاةَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ ‌زَجْرًا لَهُمْ عَنِ التَّسَاهُلِ فِي الِاسْتِدَانَةِ وَعَنْ إِهْمَالِ وَفَائِهِ وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ فَقَالَ ﷺ: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ» قَالَ الْقَاضِي: مَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً الصَّلَاةُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَمَحْدُودٍ وَمَرْجُومٍ وَقَاتِلِ نَفْسِهِ وولد الزنى" [شرح النووي على مسلم ٧/ ٤٧]

  • البعد النفسي والطبي:

تؤكد المجامع الفقهية المعاصرة أن الكثير من حالات الانتحار تقع نتيجة أمراض نفسية قاهرة (كالاكتئاب الحاد أو الفصام) تُفقد الإنسان أهليته وإرادته.

  • سقوط التكليف: 

فالمريض الذي يفقد عقله أو إرادته الحرة بسبب المرض غير مكلف شرعًا، ويُعد فاقدًا لأهلية الاختيار، والدليل على ذلك قوله ﷺ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ» [سنن أبي داود: (٤٤٠٣)]، فإذا أثبت الطب أن المنتحر كان تحت تأثير مرض سلبه عقله وإرادته، فهو معذور شرعًا، ولا يأثم، وتُرجى له رحمة الله الواسعة.

الخلاصة

الانتحار إثم عظيم، لكن الشريعة لم تغلق باب الرحمة، فالمنتحر المسلم في ذمة الله ومشيئته، يُصلى عليه، ويُدعى له بالمغفرة، وتتسع له رحمة الله، خاصة إذا كان أسيرًا لمرض نفسي أفقده الإرادة.

موضوعات ذات صلة

الأمراض النفسية ليست مجرد مشاكل فردية، بل تؤثر تأثيرًا عميقًا على حياة الأسرة بأكملها

الانتحار من كبائر الذنوب في الإسلام، وقد حرّمه القرآن الكريم والسنة النبوية تحريمًا قاطعًا

الانتحار هو استقالة من أمانة الوجود وقرارٌ بالانسحاب من منظومة الحياة، ويُعد من كبائر الذنوب في الشريعة الإسلامية

 السلام النفسي يتحقق عندما نمتنع عن إيذاء النفس أو الآخرين

موضوعات مختارة