إن الحكم الشرعي في هذه المسألة قاطعٌ وحاسم، فالانتحار من كبائر الذنوب، وتحريمه ثابتٌ بنصوص قطعية من الكتاب والسنة.
١. الأدلة من القرآن الكريم:
لقد جاء النهي الإلهي صريحًا، مقرونًا برحمة الله التي تقتضي حفظ النفس لا إتلافها.
الآية المحورية: يقول الحق تبارك وتعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: ٢٩].
فهو يشمل أن يقتل الإنسان ذاته، ويشمل أن يقتل بعضكم بعضًا، فكأن الأمة نفسٌ واحدة، وقتل فرد منها هو قتلٌ للمجتمع بأسره. ثم يأتيك التعليل فورًا بعد النهي: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا}، أي أن هذا التشريع لم يأتِ ليضيق عليكم، بل أتى من فرط رحمته بكم ليحميكم من أنفسكم ومن غضبكم ويأسكم. وقد استدل الصحابي الجليل عمرو بن العاص بهذه الآية في حضرة النبي -صلى الله عليه وسلم- ليبرر تيممه في البرد الشديد خوفًا على نفسه من الهلكة، فأقره النبي، مما يدل على أن معنى الآية يشمل كل ما يؤدي إلى إتلاف النفس.
وعيد المخالف: ثم تتبع الآية مباشرةً بالوعيد الشديد لمن يخالف هذا النهي: {وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ عُدۡوَٰنٗا وَظُلۡمٗا فَسَوۡفَ نُصۡلِيهِ نَارٗاۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرًا} [النساء: ٣٠].
حرمة النفس كأصل كلي:
يقول تعالى في سياق الوصايا الكبرى: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [الأنعام: ١٥١]. والنفس هنا تشمل نفس الإنسان ونفس غيره، فالنفس البشرية مُصانة ومُحرّمة في ذاتها بأمر خالقها.
النهي عن الإلقاء باليد إلى التهلكة: يقول جل وعلا: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: ١٩٥]. والانتحار هو أرقى وأوضح صور الإلقاء بالنفس إلى التهلكة المحققة في الدنيا والآخرة.
٢. الأدلة من السنة النبوية المطهرة:
جاءت السنة لتفصّل هذا الحكم وتوضح صوره وعواقبه بشكل لا يدع مجالًا للبس.
الجزاء من جنس العمل: جاء في الحديث قاعدة كلية: «مَن قَتَلَ نَفْسَهُ بشيءٍ عُذِّبَ به في نارِ جَهَنَّمَ» [صحيح البخاري (٦٦٥٢)]، وتفصيل ذلك في الحديث الآخر: «مَن تَرَدّى مِن جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهو في نارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدّى فيه خالِدًا مُخَلَّدًا فِيها أَبَدًا، وَمَن تَحَسّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَسُمُّهُ في يَدِهِ يَتَحَسّاهُ في نارِ جَهَنَّمَ خالِدًا مُخَلَّدًا فِيها أَبَدًا، وَمَن قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ في يَدِهِ يَجَأُ بِها في بَطْنِهِ في نارِ جَهَنَّمَ خالِدًا مُخَلَّدًا فِيها أَبَدًا» [أخرجه البخاري (٥٧٧٨)].. إن هذا التصوير الدقيق للعذاب يوضح أن الفعل نفسه سيستمر كعقوبة، ليذوق المنتحر مرارة قراره الأبدي.
بطلان العمل بالخاتمة السيئة: في قصة الرجل الذي قاتل قتالًا شديدًا في غزوة خيبر، حتى أُعجب به المسلمون، كان النبي -صلى الله عليه وسلم- قد قال عنه: «هذا مِن أهْلِ النَّارِ».
فلما أصابته الجراح ولم يصبر على ألمها، استخرج سهمًا وقتل نفسه. فجاء الخبر مصدقًا لكلام رسول الله، الذي أعلن القاعدة الخالدة: «إنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ الدِّينَ بالرَّجُلِ الفَاجِرِ».
وهنا تبرز مسألة أن العمل لا يُقيّم بظاهره فحسب، بل بحقيقته القلبية وخاتمته. لقد أبطل هذا الرجل كل جهاده الظاهري بفعل واحد من الجزع واليأس، فدلّ على أن صبره لم يكن لله، بل لحمية أو رياء.
استعجال قضاء الله: وفي الحديث القدسي الذي يقشعر له البدن، يروي النبي -صلى الله عليه وسلم- قصة رجل كان به جرح، فجزع ولم يصبر، فأخذ سكينًا فقطع يده فنزف حتى مات، فقال الله تعالى: «بَادَرَنِي عَبْدِي بنَفْسِهِ، حَرَّمْتُ عليه الجَنَّةَ» [أخرجه البخاري (٣٤٦٣)]، إن كلمة "بَادَرَنِي" تصور الأمر كأن العبد يسابق قدر الله، ويستعجل أمره، ويتصرف في أمانة الروح التي هي ملك لخالقها وحده، فكان العقاب من جنس الفعل؛ لما استعجل هو فراق الدنيا الفانية، حُرم عليه نعيم الجنة الباقية.
ثم تأتي السنة النبوية لترسم مشهد الوعيد بصورة تهز الوجدان؛ لتكون رادعًا لمن غلبت عليه غشاوة الاكتئاب.
الحديث الأول:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا. وَمَنْ شَرِبَ سَمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جهنم خالدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا. وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خالدًا مخلدًا فيها أبدا» [رواه: البخاري (٥٧٧٨)، ومسلم (١٠٩)، وأحمد (٢/ ٢٥٤ و٤٧٨ و٤٨٨)، وأبو داود (٣٨٧٢)، والترمذي (٢٠٤٤)، و(٢٠٤٥)، والنسائي (٤/ ٦٦ - ٦٧)]
الحديث الثاني:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وآله وسلم: «الَّذِي يَخْنُقُ نَفْسَهُ يَخْنُقُهَا فِي النَّارِ، وَالَّذِي يَطْعُنُهَا يَطْعُنُهَا فِي النَّارِ» [صحيح البخاري ١٣٦٥]
"يَتَوَجَّأُ" أي يطعن بقوة وعنف، والفعل يدل على التكرار والاستمرار، إن هذا التكرار للعقوبة هو "عقاب بالمشاكلة"، ليوضح أن من ظن أن الموت سيخلصه من الوجع قد أخطأ الطريق؛ فالموت ليس عدمًا، بل هو انتقال، ومن استعجل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه.
"تَرَدَّى" أي ألقى بنفسه من علو، فالجزاء من جنس العمل: كمن ألقى نفسه في الدنيا هروبًا من مشاكله، يلقى نفسه في النار أبدًا، سقوطًا لا قرار معه.
وفي معنى الخلود في العذاب الوارد في الحديث يقول الإمام القرطبي رحمه الله:" (قوله: خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا) ظاهرُهُ التخليدُ الذي لا انقطاعَ له بوجه، وهو محمولٌ على مَن كان مستَحِلًاّ لذلك، ومَن كان مُعتقِدًا لذلك كان كافرًا، وأمَّا مَن قتَلَ نفسَهُ، وهو غيرُ مستحلٍّ، فليس بكافر، بل يجوزُ أن يَعفُو اللهُ عنه، كما يأتي في الباب الآتي بعد هذا، في الذي قطَعَ بَرَاجِمَهُ فمات، وكما تقدَّم في حديثِ عبادة وغيره.
ويجوزُ أن يراد بقوله: خَالِدًا مخلَّدًا فِيهَا أَبَدًا تطويلُ الآمادِ، ثم يكونُ خروجُهُ مِنَ النار مِن آخر مَن يخرُجُ من أهل التوحيد؛ ويجري هذا مَجرَى المثل فتقول العرب: خَلَّدَ اللهُ مُلكَكَ، وأبَّد أيَّامك، ولا أُكَلِّمُك أَبَدَ الآبِدِين، ولا دَهرَ الداهرين، وهو ينوي أن يكلِّمَهُ بعد أزمان، ويجري هذا مجرى الإِعيَاءِ في الكلامِ على ما تقدَّم، والله تعالى أعلم. [المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم: أبو العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم القرطبي (٥٧٨ - ٦٥٦ هـ)، دار الكلم الطيب، دمشق – بيروت، ط١، ١٩٩٦م، ١/٣١٠-٣١١]
الحديث الثالث:
عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم:«كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ بِهِ جُرْحٌ فَجَزِعَ، فَأَخَذَ سِكِّينًا فَحَزَّ بِهَا يَدَهُ، فَمَا رَقَأَ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: بَادَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ، حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ». [صحيح البخاري:٣٤٦٣]
هذا الحديث من أشد الأحاديث في الباب، لكن العلماء أولوه بأن تحريم الجنة ليس تحريمًا أبديًا، بل هو تحريم مؤقت حتى يعذب بقدر ذنبه، ثم يدخل الجنة في النهاية لأنه موحِّد، جاء في معنى الحديث ودلالاته :"الجزع: نقيض الصبر؛ أي: لم يصبر على ألم الجرح، «فأخذ سكِّينًا فحزَّ بها»؛ أي: قطعَ بالسكين، و(السكين): يُذكر ويُؤنث، «فما رَقَأ» بالهمزة؛ أي: ما انقطعَ «الدمُ حتى مات، قال الله تعالى: بادَرَني عبدي بنفسه، فحرَّمتُ عليه الجنةَ»: يُحمل الحديثُ على المُستحِلِّ، أو على أنه حرَّمها أولَ مرةٍ حتى يُذيقَه وبالَ أمره، ثم يرحمه بفضله.". [شرح مصابيح السنة: لابن الملك (ت ٨٥٤ هـ)،٤/١٢٣]
قال الإمام النووي: "هذا كله محمول على التغليظ والزجر، لا على الخلود الحقيقي الذي للكفار، فإنا نعتقد أنه لا يخلد في النار أحد من الموحِّدين وإن عظم ذنبه" [شرح صحيح مسلم، ٢/٤٩].
إن الشريعة هنا تلبس ثوب "الطبيب الجراح" الذي يؤلمك ليحميك، وتضعك أمام بشاعة الفعل؛ لتدرك قدسية "الحياة" التي استأمنك الله عليها.