لطالما كانت الفتوى والإفتاء - أيها الكرام - نبراسًا يضيء دروب الحياة، وجهاز المناعة الذي يحفظ جسد الأمة من أمراض الجمود والانحراف، يتردد في أذني وأنا أتأمل هذا المعنى العظيم، صوت الإمام الشاطبي - رحمه الله - وهو يهمس في كتابه (الموافقات): "إن الشريعة وُضعت لمصالح العباد في العاجل والآجل" [الموافقات، ج٢، ص ٣٦٤]، هذه الحقيقة الناصعة نراها تتجسد على صفحات تاريخنا المشرق.
تأملوا معي هذه المواقف الزاخرة بالعلم والحكمة:
لقد عاش فقهاؤنا الأجلاء واقع أمتهم بكل تفاصيله، فلم يكونوا أسرى النصوص في أبراج عاجية، بل كانوا أطباء للأمة يُشخصون عِللها ويصفون لها الدواء الناجع، ففي القرن التاسع الهجري حينما اشتدت الأزمات الاقتصادية على مصر، وقف الإمام جلال الدين السيوطي رحمه الله (ت ٩١١هـ) كالطود الشامخ، وأطلق صيحته المدوية قائلًا: "لَا شَكَّ أَنَّ الْمُفْتِيَ حُكْمُهُ حُكْمُ الطَّبِيبِ، يَنْظُرُ فِي الْوَاقِعَةِ وَيَذْكُرُ فِيهَا مَا يَلِيقُ بِهَا بِحَسَبِ مُقْتَضَى الْحَالِ وَالشَّخْصِ وَالزَّمَانِ، فَالْمُفْتِي طَبِيبُ الْأَدْيَانِ، وَذَلِكَ طَبِيبُ الْأَبْدَانِ" [السيوطي: الحاوي للفتاوى، ج١، ص ٣٩٢]، فقد فهم أن الفقه ليس حروفًا جامدة، بل هو روحٌ تسري في جسد الأمة تحيي ما مات من أحوالها.
وفي رحاب الأندلس الزاهرة، حيث كانت الحضارة الإسلامية تزهو بأبهى حللها، وضع الإمام ابن عبد البر القرطبي رحمه الله (ت. ٤٦٣هـ) في كتابه العظيم الكافي في فقه أهل المدينة دستورًا للفتوى الحكيمة القائمة على فهم الواقع واستنباط الحكم الشرعي المناسب له.
فقد نبه الإمام القرطبي إلى أن الفقيه الناظر في حكم المسألة يجب أن يلم ببواطن الأمور وظواهرها، وأن يعتبر اختلاف الأزمان والأحوال؛ إذ يقول في أحكام النوازل: "لا ينبغي للمفتي أن يبادر إلى الفتوى حتى يتصور المسألة تصورًا تامًا، ويعرف محل النازلة وأحوال أهلها، فإن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والأشخاص" [انظر: الكافي في فقه أهل المدينة، ج٢، ص ٦٦٢ وما بعدها ].
وهكذا رسم لنا منهجًا متكاملًا يجمع بين ثبات المبادئ ومرونة التطبيق، فأرشد إلى أن الفتوى الناضجة هي التي تنبع من فهم عميق للنص والواقع معًا، فتكون كالشجرة الطيبة أصلها ثابت في نصوص الشريعة، وفرعها يتناغم مع سماء الواقع المتجدد.
الأدلة الرقمية التي تتحدث بلغة الإحصاء تؤكد هذه الحقيقة:
في دراسة حديثة أجريت من بعض المؤسسات الرسمية حلّلت أكثر من ٣٠ ألف فتوى تاريخية وجدت أن نسبة (٤٧% ) من الفتاوى بين القرنين الثالث والسابع الهجري كانت تراعي (المصلحة المرسلة) و(الاستحسان) كأدلة شرعية؛مما يدل على سعة الأفق ومراعاة الواقع.