Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

اليوم العالمي للفتوى بين أصالة الماضي وتحديات المستقبل

الكاتب

وزارة الأوقاف المصرية

اليوم العالمي للفتوى بين أصالة الماضي وتحديات المستقبل

حينما تطل علينا ذكرى اليوم العالمي للفتوى في رحاب الخامس عشر من ديسمبر من كل عام - كما أقرته رابطة العالم الإسلامي في دورتها الثانية والأربعين عام ٢٠١٦م - نستدعي قضية حياة للأمة، ونستنهض همة الإجابة عن سؤال مصيري: أين موقع الفتوى من حركة الأمة اليوم؟ وكيف نحمي هذا الصرح الشامخ من عواصف التشويه والتفكيك التي تهب عليه من كل صوب؟

الفتوى والإفتاء تاريخ من النور والحكمة

لطالما كانت الفتوى والإفتاء - أيها الكرام - نبراسًا يضيء دروب الحياة، وجهاز المناعة الذي يحفظ جسد الأمة من أمراض الجمود والانحراف، يتردد في أذني وأنا أتأمل هذا المعنى العظيم، صوت الإمام الشاطبي - رحمه الله - وهو يهمس في كتابه (الموافقات): "إن الشريعة وُضعت لمصالح العباد في العاجل والآجل" [الموافقات، ج٢، ص ٣٦٤]، هذه الحقيقة الناصعة نراها تتجسد على صفحات تاريخنا المشرق.

تأملوا معي هذه المواقف الزاخرة بالعلم والحكمة:

لقد عاش فقهاؤنا الأجلاء واقع أمتهم بكل تفاصيله، فلم يكونوا أسرى النصوص في أبراج عاجية، بل كانوا أطباء للأمة يُشخصون عِللها ويصفون لها الدواء الناجع، ففي القرن التاسع الهجري حينما اشتدت الأزمات الاقتصادية على مصر، وقف الإمام جلال الدين السيوطي رحمه الله (ت ٩١١هـ) كالطود الشامخ، وأطلق صيحته المدوية قائلًا: "لَا شَكَّ أَنَّ الْمُفْتِيَ حُكْمُهُ حُكْمُ الطَّبِيبِ، يَنْظُرُ فِي الْوَاقِعَةِ وَيَذْكُرُ فِيهَا مَا يَلِيقُ بِهَا بِحَسَبِ مُقْتَضَى الْحَالِ وَالشَّخْصِ وَالزَّمَانِ، فَالْمُفْتِي طَبِيبُ الْأَدْيَانِ، وَذَلِكَ طَبِيبُ الْأَبْدَانِ" [السيوطي: الحاوي للفتاوى، ج١، ص ٣٩٢]، فقد فهم أن الفقه ليس حروفًا جامدة، بل هو روحٌ تسري في جسد الأمة تحيي ما مات من أحوالها.

وفي رحاب الأندلس الزاهرة، حيث كانت الحضارة الإسلامية تزهو بأبهى حللها، وضع الإمام ابن عبد البر القرطبي رحمه الله (ت. ٤٦٣هـ) في كتابه العظيم الكافي في فقه أهل المدينة دستورًا للفتوى الحكيمة القائمة على فهم الواقع واستنباط الحكم الشرعي المناسب له.

فقد نبه الإمام القرطبي إلى أن الفقيه الناظر في حكم المسألة يجب أن يلم ببواطن الأمور وظواهرها، وأن يعتبر اختلاف الأزمان والأحوال؛ إذ يقول في أحكام النوازل: "لا ينبغي للمفتي أن يبادر إلى الفتوى حتى يتصور المسألة تصورًا تامًا، ويعرف محل النازلة وأحوال أهلها، فإن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والأشخاص" [انظر: الكافي في فقه أهل المدينة، ج٢، ص ٦٦٢ وما بعدها ].

وهكذا رسم لنا منهجًا متكاملًا يجمع بين ثبات المبادئ ومرونة التطبيق، فأرشد إلى أن الفتوى الناضجة هي التي تنبع من فهم عميق للنص والواقع معًا، فتكون كالشجرة الطيبة أصلها ثابت في نصوص الشريعة، وفرعها يتناغم مع سماء الواقع المتجدد.

الأدلة الرقمية التي تتحدث بلغة الإحصاء تؤكد هذه الحقيقة:

في دراسة حديثة أجريت من بعض المؤسسات الرسمية حلّلت أكثر من ٣٠ ألف فتوى تاريخية وجدت أن نسبة (٤٧% ) من الفتاوى بين القرنين الثالث والسابع الهجري كانت تراعي (المصلحة المرسلة) و(الاستحسان) كأدلة شرعية؛مما يدل على سعة الأفق ومراعاة الواقع.

تحديات الفتوى والإفتاء في زمن التحول الرقمي

أيها الإخوة الكرام، لقد انفتح علينا عصرٌ جديد، كسر حواجز الزمان والمكان، فتحوّل الفضاء الإلكتروني إلى ساحة مفتوحة للفتوى بلا ضوابط ولا حدود، تقول الإحصاءات الصادرة عن "مركز بيو للأبحاث" لعام ٢٠٢٢م: إن (٦٨%) من المسلمين تحت سن الخامسة والثلاثين يلجأون - أولًا - إلى الإنترنت للاستفتاء قبل التوجه إلى المؤسسات الدينية الرسمية.

وهنا تكمن المأساة:

تخيلوا معي - أيها الكرام - تلك الفتوى التي كانت تحتاج إلى سنين من التلمذة على الأيدي، وأشهر من البحث والتنقيب في بطون الكتب، أصبحت تصدر في لمح البصر عبر مقطع (تيك توك) أو (تويتر)! لقد اختزل الدين العظيم إلى كليشيهات سريعة، واختزلت الأحكام الشرعية المعقدة إلى إجابات جاهزة لا تراعي خصوصية السائل ولا ظروفه، أو قواعد الفقه وأصوله، ولا تراعي ضوابط الفتوى التي وضعها المتخصصون!

وفي دراسة أجريت على (٥٠٠) حساب إلكتروني تقدم الفتاوى، كشفت النقاب عن واقع أليم أن (٨٢%) من هذه الحسابات لا تحمل مؤهلًا شرعيًّا معترَفًا به، و(٧٣%) تقدم إجابات مختزلة لا تراعي سياق السائل ولا ظروفه! [تقرير المركز العربي للأبحاث عام ٢٠٢٣ ]، أصبحنا أمام ظاهرة المفتي الافتراضي الذي يفتي وهو جالس في غرفته المغلقة، لا يعرف من هم الذين يخاطبهم، ولا يعرف ظروف حياتهم ولا تحدياتها.

مستقبل الفتوى والإفتاء بين الإرادة الشعبية والدبلوماسية الدينية

لكن - أيها الأحبة - ليس الأمر ظلامًا دامسًا، فالأمة بخير ما دام فيها علماء ربانيون يقفون كالجبال الشامخة، ومؤسسات راسخة تتشبث بجذور الأصالة، لقد بدأنا نرى بوارق الأمل تلوح في الأفق البعيد.

انظروا معي إلى هذا النموذج المشرق:

عندما عصفت جائحة (كورونا) بالعالم، واجتاحت موجات الخوف والقلق القلوب، اجتمعت عقول العلماء وجهودهم، فاتحدت فتاوى (دار الإفتاء المصرية) مع غيرها من المؤسسات الإفتائية في العالم حول الصلاة في البيوت وقت الوباء [بيانات دور الإفتاء: مارس ٢٠٢٠]، هذه الوحدة في الفتوى أمام التحدي العالمي هي ما نسميه دبلوماسية الدين الناعمة التي تعيد للأمة هيبتها ووحدتها وتذكرها بأنها جسد واحد.

أما عن التكنولوجيا - ذلك السلاح ذو الحدين - فقد أصبح واجبنا أن نحوله من عدو مخيف إلى صديق حليف، ومثال ذلك منصة فتاوى الأزهر الرقمية - التي أطلقت عام ٢٠٢١ - تقدم نموذجًا رائدًا يضيء الطريق؛ حيث تجيب على الاستفتاءات بعد دراسة متأنية من لجان متخصصة تضم الفقيه العالم والطبيب الخبير والاختصاصي الاجتماعي، وتنشر الفتوى مصحوبة بتوثيق كامل من مصادر علمية رصينة.

الإحصائيات تهمس في آذاننا بأمل جديد:

وفقًا لبعض التقارير الرسمية الحديثة، فإن نسبة الثقة في الفتاوى المؤسسية التي تصدر عبر منصات رسمية موثقة ارتفعت من ٦٢% عام ٢٠٢٠ إلى ٧٨% عام ٢٠٢٣، وهذا مؤشر إيجابي ينبئ بعودة الوعي وارتداد الأصالة.

الفتوى والإفتاء أمانة ومسؤولية ووديعة

أيها الإخوة، إن الفتوى ليست كلامًا يقال فحسب، ولا حكمًا يُصدر عابرًا، بل هي أمانة في الرقاب، ومسؤولية في الأعناق، ووديعة في الأكف، ولذلك أتوجه إليكم جميعًا برسائل من القلب:

أولًا: إلى كل سائلٍ يبحث عن نور الحقيقة:

لا تلقِ بسؤالك في كل وادٍ، ولا تستفتِ كل ناعق، فالفتوى كالدواء إن أخذته من غير طبيب أهلكك، تذكر وأنت تبحث عن الفتوى قول الله تعالى: {فَسۡـَٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ} [النحل: ٤٣]، فأهل الذكر هم العلماء الربانيون المتخصصون، والمؤسسات الموثوقة، لا كل من هب ودب.

ثانيًا: إلى كل مفتٍ يحمل أمانة الدين:

أنت لست ناطقًا باسم الدين فحسب، بل أنت ترجمان حكمة السماء في الأرض، تذكر وأنت تفتي أن الفتوى "إما إلى الجنة أو إلى النار" كما قال الإمام النووي، لا تفتِ إلا فيما تعلم، ورد ما جهلت إلى أهله، واجعل همك مصلحة الناس، لا إثارة الإعجاب أو جمع المتابعين.

ثالثًا: إلى كل مؤسسات الإفتاء التي تحمي راية الدين:

أنتم حراس الثغور وحماة الحصون، يجب أن تتحد الجهود في "هيئة عالمية للإفتاء" تحت مظلة منظمة التعاون الإسلامي، وأن تُطور منصة موحدة للفتاوى المعتمدة بلغات العالم، وأن تنشئ (ميثاق شرف) للمفتي الرقمي، يشترط فيها المؤهل العلمي والترخيص الرسمي.

إن الفتوى الرصينة اليوم ليست ترفًا فكريًّا ولا كماليًّا دينيًّا، بل هي قضية أمن قومي تتعلق بمصير الأمة ومستقبلها، إنها الحصن الحصين الذي يحمي عقول شبابنا من التطرف، وقلوبهم من الشك، ومجتمعاتنا من التفكك.

فلنعمل جميعًا - حكامًا ومحكومين، علماء وعامة، شيوخًا وشبابًا - على إعادة الاعتبار لهذه المؤسسة العريقة، لتكون كما كانت - دائمًا وأبدًا - نورًا يهدي للحق، وحكمًا يصلح الحياة، وجسرًا يربط بين أصالة الماضي وابتكار المستقبل.

الخلاصة

عندما يتحول الفضاء الرقمي إلى ساحة للفتاوى العابرة بلا ضوابط، ويغيب صوت الحكمة وسط ضجيج الإثارة، تتحول الفتوى من نور يهدي إلى سلاح يُدمر، لقد كانت الفتوى عبر التاريخ شجرة باسقة جذورها في الأصالة وأغصانها في التجديد، لكن العواصف الإلكترونية حاصرتها بفتاوى سريعة كالطعام الجاهز تُشبع الجوع العاجل وتسمم العقول على المدى البعيد، فتنة المفتين الجدد الذين يحكمون من أبراجهم العاجية نسفت جسر الثقة بين السائل والنص والواقع، لكن الأمل يلوح في أفق تحول الفتوى والإفتاء ليصبح دبلوماسية الدين الناعمة؛ حيث تلتقي قلوب العلماء لبناء جسور الوحدة، فالفتوى الرصينة ليست ترفًا بل حصن الأمة وأمنها القومي في عالم تتلاطم فيه أمواج التشويه من كل صوب.

موضوعات ذات صلة

الفتوى أداة شرعية توجيهية تحفظ التوازن بين النصوص الشرعية ومتطلبات الواقع.

ظاهرة التنزيل الخاطئ للآيات القرآنية أصبحت من أبرز الظواهر التي تهدد الفهم الصحيح للدين الإسلامي.

شاهد الندوة العالمية الثانية للأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم.

موضوعات مختارة