Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

اليوم العالمي للدب القطبي ناقوس الخطر البيئي يدق من القطب الشمالي

الكاتب

هيئة التحرير

اليوم العالمي للدب القطبي ناقوس الخطر البيئي يدق من القطب الشمالي

يُحتفل باليوم العالمي للدب القطبي في السابع والعشرين من فبراير، كمناسبة عالمية لتسليط الضوء على الخطر الوجودي الذي يهدد هذا الكائن الاستثنائي، تًبرز هذه المناسبة التداعيات الكارثية للاحتباس الحراري على النظام البيئي العالمي.

السياق البيئي والإنساني لليوم العالمي للدب القطبي

يحتفي العالم في السابع والعشرين من فبراير من كل عام باليوم العالمي للدب القطبي، الذي أقرَّته المنظمات البيئية الدولية عام ٢٠١١ بالتزامن مع الذكرى السنوية لتوقيع "اتفاقية الحفاظ على الدببة القطبية" في أوسلو [الاتفاقية الدولية لحماية الدببة القطبية، ١٩٧٣]، لم تأتِ هذه المناسبة من فراغ، بل جاءت استجابةً لصرخة علماء البيئة وتحذيراتهم المتكررة من خطر الانقراض الذي يحدق بهذا الكائن الفريد، والذي تحوَّل إلى رمزٍ مُجسِّدٍ لآثار التغير المناخي المدمرة.

تكمُن الأهمية العميقة لهذا اليوم في كونه يجسِّد تحوُّلًا في الوعي الإنساني الجماعي، حيث لم يعد التركيز منصبًا على الحفاظ على نوعٍ بيولوجيٍ فحسب، بل على الحفاظ على نظامٍ بيئيٍ متكامل، بل وعلى مصير البشرية نفسها، فالدب القطبي -بتعرضه للخطر- يُصبح جرس إنذار حيًا يُنذر بعواقب التدهور البيئي الذي تسببه الأنشطة البشرية غير المسؤولة، لقد تحول هذا اليوم إلى منصة عالمية للتوعية بضرورة التحرك العاجل لمواجهة ظاهرة الاحتباس الحراري، التي لم تعد تهدد الدببة القطبية وحدها، بل تهدد السواحل والجزر والمدن والمجتمعات البشرية في مختلف بقاع الأرض [تقرير اللجنة الدولية للتغيرات المناخية IPCC، ٢٠٢٢].

الدب القطبي سيد الجليد الملِك المهدَّد بالانقراض

يُعتبر الدب القطبي (Ursus maritimus) أكبرَ آكلات اللحوم البرية على وجه الأرض، حيث يصل وزن الذكور البالغة إلى ثمانمئة كيلوجرام، وتمتد مساحة نفوذ الفرد الواحد إلى مئات الكيلومترات المربعة، تمتلك هذه المخلوقات الاستثنائية قدرات بيولوجية مذهلة تتكيف مع بيئة القطب الشمالي القاسية؛ فطبقة الشحم السميكة التي تصل إلى أحد عشر سنتيمترًا، والفراء الأبيض الشفاف ذو القواعد المجوفة، والمخالب الضخمة التي تشبه المجاذيف، كلها تكيُّفات تطورية استغرقت مئات الآلاف من السنين [دراسة مركز أبحاث القطب الشمالي النرويجي، ٢٠٢٠].

لكن هذه المعجزة التطورية تواجه الآن تهديدًا وجوديًا غير مسبوق، فبحسب تقديرات الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (IUCN)، تراجعت أعداد الدببة القطبية من نحو خمسة وعشرين ألفًا في مطلع القرن الحالي إلى ما يقرب من اثنين وعشرين ألفًا حاليًا، مع توقعات بانخفاض العدد إلى أقل من عشرة آلاف خلال العقدين القادمين إذا استمرت معدلات الذوبان الحالية، لقد أصبحت مشاهد الدببة القطبية الجائعة التي تتجول في القرى بحثًا عن الطعام، أو التي تسبح لأيام في المياه المفتوحة بعد ذوبان الجليد الذي كانت تقف عليه، من المشاهد المألوفة التي تُوثقها كاميرات العلماء وتنقلها وسائل الإعلام العالمية، كشهادات حية على كارثة بيئية تتفجر في القطب الشمالي.

معاناة الدب القطبي بين ذوبان الجليد والجشع البشري

لا يمكن فهم خطر الانقراض الذي يحدق بالدب القطبي بمعزل عن التحليل الشامل للأسباب الجذرية الكامنة وراء الأزمة البيئية العالمية، فالسبب المباشر يتمثل في ظاهرة الاحتباس الحراري الناتجة عن الانبعاثات الكربونية المفرطة، حيث ارتفعت درجة حرارة القطب الشمالي بوتيرة تساوي ضعف المعدل العالمي، مما أدى إلى ذوبان الجليد البحري بنسبة ثلاث عشرة بالمئة لكل عقد منذ سبعينيات القرن الماضي.

لكن وراء هذا السبب المباشر تكمن أسباب بنيوية أعمق تتعلق بالنموذج الاقتصادي العالمي القائم على الاستهلاك المفرط والاعتماد الشبه كلي على الوقود الأحفوري، فالدب القطبي يدفع ثمن أنماط الحياة غير المستدامة في المدن البعيدة عنه آلاف الكيلومترات، وتُظهر الأرقام أن الاحتياطيات النفطية والغازية المكتشفة حديثًا في القطب الشمالي -والتي تسعى الشركات متعددة الجنسيات لاستغلالها- تقع ضمن البيئات الحرجة للدببة، مما يضاعف من التهديدات التي تواجهها.

والأمر الأكثر خطورة يتمثل في ظاهرة التلوث بالملوثات العضوية الثابتة، حيث تنتقل المواد الكيميائية السامة عبر التيارات الهوائية والمائية لتتراكم في دهون الدببة القطبية عبر السلسلة الغذائية، مما يؤدي إلى إضعاف مناعتها وتقليل معدلات تكاثرها، لقد أصبحت الدببة القطبية -رغم بعدها عن المصانع- من أكثر الكائنات تلوثًا على وجه الأرض، وهي ظاهرة تُجسِّد الترابط المعقَّد للنظام البيئي العالمي، حيث لا يبقى التلوث محصورًا في مكان انبعاثه [بحث منشور في مجلة "العلوم البيئية"، ٢٠٢٢].

محاولات الإنقاذ الدولية المتعثرة للدب القطبي

شهدت العقود الأخيرة ظهور العديد من المبادرات الدولية الهادفة إلى حماية الدب القطبي وموائله، إلا أن فعاليتها بقيت محدودة في مواجهة التحديات الجسام. فاتفاقية الحفاظ على الدببة القطبية الموقعة عام ١٩٧٣ بين الدول الخمس المطلة على القطب الشمالي (الولايات المتحدة، روسيا، كندا، النرويج، الدنمارك) نجحت في الحد من الصيد التجاري المباشر، لكنها فشلت في مواجهة التهديد الأكبر المتمثل في التغير المناخي.

أما اتفاقية التجارة الدولية في الأنواع المهددة (CITES) فقد أدرجت الدب القطبي في ملحقها الثاني، مما يعني تنظيم تجارته الدولية دون حظرها كليًا، وهو ما يبقيه عرضة للصيد غير المشروع وتجارة الجلد والعظام التي تدر ملايين الدولارات سنويًا.

 وتشير تقارير الإنتربول إلى أن تجارة أجزاء الدب القطبي غير المشروعة تشهد نموًا ملحوظًا في بعض الأسواق الآسيوية، حيث يصل سعر الجلد الكامل إلى عشرين ألف دولار.

وفي محاولة لمواجهة هذه التحديات، أطلقت الأمم المتحدة "خطة العمل العالمية للدب القطبي" عام ٢٠١٥، والتي تهدف إلى خفض انبعاثات الكربون والحفاظ على الموائل الحرجة وتعزيز البحث العلمي، لكن التمويل المخصص لهذه الخطة لم يتجاوز خمسة عشر مليون دولار، وهو مبلغ هزيل إذا ما قورن بالإنفاق العسكري العالمي الذي يتجاوز التريليوني دولار سنويًا، أو حتى إذا قورن بالأرباح السنوية لشركات الوقود الأحفوري التي تقدر بمئات المليارات.

موقف الإسلام والتوافق الشرعي بين الإنسان والبيئة

يقدم الإسلام رؤية شمولية متوازنة للعلاقة بين الإنسان والبيئة، تقوم على مفهوم الاستخلاف والمسؤولية الأخلاقية، فالله تعالى خلق الكون بتوازن دقيق، وجعل الإنسان مستخلفًا فيه لأجل عمارته لا لإفساده: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِیهَا ﴾ [هود: ٦١] ، وقال تعالى : ﴿وَلَا تُفۡسِدُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَاۚ ﴾ [الأعراف: ٨٥]  وهذا الاستخلاف يحمل في طياته مسؤولية الحفاظ على مخلوقات الله جميعًا، باعتبارها أممًا أمثالنا لها كينونتها وحقها في العيش، يقول تعالى: ﴿وَمَا مِن دَاۤبَّةࣲ فِی ٱلۡأَرۡضِ وَلَا طَٰۤئِرࣲ یَطِیرُ بِجَنَاحَیۡهِ إِلَّاۤ أُمَمٌ أَمۡثَالُكُمۚ﴾ [الأنعام: ٣٨] .

إن التسبب في انقراض أنواع كاملة من المخلوقات يعد مخالفة صريحة لمبدأ التوازن الكوني الذي أقامه الخالق، وإهدارًا للأمانة التي حملها الإنسان، وقد جاءت الشريعة الإسلامية بمبدأ تحريم الإفساد في الأرض بكل صوره، ومنه الإفساد البيئي الذي يهدد الأنواع بالانقراض، بل إن الفقه الإسلامي يعد الحفاظ على البيئة والكائنات الحية من مقاصد الشريعة الكبرى في حفظ النفس، إذ إن تدهور البيئة يهدد حياة البشر أنفسهم.

وهكذا، فإن الاهتمام العالمي بالدب القطبي والحفاظ عليه يتوافق تمامًا مع الرؤية الإسلامية التي تدعو إلى الرحمة بكل المخلوقات، والحكمة في التعامل مع الموارد، والعدل بين الأجيال في الانتفاع بثروات الأرض. فالبيئة السليمة هي حق للأجيال القادمة، والإضرار بها إضرار بمستقبلهم، وهذا ما يخالف مبدأ العدل الجليلي الذي تقوم عليه الشريعة الإسلامية.

الخلاصة

يمثل اليوم العالمي للدب القطبي أكثر من مناسبة بيئية عابرة؛ إنه اختبار حقيقي لمسؤولية البشرية الجماعية وإنسانيتها المشتركة، ففي معركة الحفاظ على هذا الكائن المهيب، تُختبر قيمنا الأخلاقية، وتُقاس درجة تقدمنا الحضاري الحقيقي، لا بما ننتجه من تقنيات، بل بما نحافظ عليه من توازن بيئي، وما نرثيه للأجيال القادمة من تنوع بيولوجي.

لقد تحول الدب القطبي من مجرد حيوان يعيش في أقصى الشمال إلى أيقونة للصراع بين الجشع الإنساني قصير المدى والحكمة البيئية طويلة الأجل، بين منطق الربح الفوري ومنطق الاستدامة، بين الأنانية القومية والمسؤولية العالمية، إن انقراضه لن يكون مجرد فقدان لنوع بيولوجي، بل سيكون شهادة إدانة بحق جيلٍ كاملٍ أخفق في حماية بيتهم المشترك، إن التحدي الحقيقي لا يكمن في إنقاذ الدب القطبي فحسب، بل في إنقاذ أنفسنا من نمط الحياة الذي يهدد وجودنا نفسه. فالمسألة ليست مسألة دببة تموت في القطب الشمالي، بل مسألة إنسانية تواجه اختيارًا مصيريًا: إما أن تتغير، أو أن تندثر.

وفي هذا السياق، تكتسب الرؤية الإسلامية المستنيرة حول البيئة والاستخلاف أهمية خاصة، فهي تقدم إطارًا قيميًا وأخلاقيًا يمكن أن يقود التحول العالمي نحو علاقة أكثر توازنًا واحترامًا بين الإنسان والطبيعة.

فليكن اليوم العالمي للدب القطبي ليس مجرد تذكير بالمأساة، بل دافعًا للعمل، وفرصة للتغيير، ولحظة للتفكير العميق في معنى أن نكون بشرًا مسؤولين عن هذا الكوكب الرائع الذي استخلفنا الله عليه.

موضوعات ذات صلة

يحتفل العالم في الأول من فبراير من كل عام باليوم العالمي للحجاب.

تحتفي الجمعية العامة للأمم المتحدة في العشرين من فبراير من كل عام باليوم العالمي للعدالة الاجتماعية.

يطل علينا "اليوم العالمي للسلام" والعالم أحوج ما يكون إلى وقفة تأمل حقيقية.

موضوعات مختارة