في التاسع من مارس من كل عام، تتوقف مصر إجلالًا أمام ذكرى استشهاد قائدها الفذ الفريق عبد المنعم رياض، ذلك الرجل الذي علّم الأجيال أن القيادة الحقيقية لا تُمارس من وراء المكاتب، بل في الخنادق وسط الجنود.
في التاسع من مارس من كل عام، تتوقف مصر إجلالًا أمام ذكرى استشهاد قائدها الفذ الفريق عبد المنعم رياض، ذلك الرجل الذي علّم الأجيال أن القيادة الحقيقية لا تُمارس من وراء المكاتب، بل في الخنادق وسط الجنود.
في التاسع من مارس من كل عام، تلبس مصر ثوبها الأبيض، ثوب الفخار والوفاء، لتقف إجلالًا وإكبارًا أمام ذكرى من أسمى ذكريات العزة والفداء، إنه يوم الشهيد المصري، ذلك اليوم الذي اختارته الأمة ليكون منارة تضيء دروب الأجيال، وموعدًا تتجدد فيه مشاعر الفخر لأبناء الوطن الذين ضحوا بأرواحهم فداءً لتراب هذا الوطن الغالي [الهيئة القومية للاستعلامات: https://sis.gov.eg/ar ].
وما كان الاختيار لهذا اليوم التاسع من مارس إلا تخليدًا لذكرى استشهاد قائد عظيم، جمع في شخصيته النادرة بين العلم العسكري الرصين، والخلق القويم، والقيادة الميدانية التي لا تعرف المكاتب المكيفة، إنه الفريق أول عبد المنعم رياض، رئيس أركان حرب القوات المسلحة الأسبق، الذي ارتقى شهيدًا في ٩ مارس ١٩٦٩ على جبهة القتال في الإسماعيلية [موسوعة رجالات من بلاد العرب: المركز العربي للأبحاث والتوثيق، ٣/ ٤٩٩.].
في هذا اليوم، لا تحتفل مصر بذكرى رحيل، بل تحتفي بميلاد معنى القيادة الحقيقية، وتستلهم من سيرة "الجنرال الذهبي" دروسًا في العطاء والتضحية لا تمحوها الأيام، بل تزداد رسوخًا مع مرور الزمن، إنه يوم الوفاء لمن علموا الأجيال أن حياة الكرامة لا توهب، بل تُقتنى بدماء الشرفاء.
وُلد الفريق محمد عبد المنعم محمد رياض عبد الله في الثاني والعشرين من أكتوبر عام ١٩١٩ بقرية سبرباي، إحدى ضواحي مدينة طنطا بمحافظة الغربية [عبد المنعم رياض الجندي الاستراتيجي: د. جمال حمدان، ص ٢٥]. في تلك القرية الهادئة، حيث النيل يسقي الحقول ويمتد الزرع على مد البصر، ترعرع الفتى الذي سيكون له شأن عظيم في تاريخ العسكرية المصرية.
نشأ في أسرة عريقة عُرفت بالوطنية والتفاني، فوالده كان قائدًا لبلوكات الطلبة بالكلية الحربية، وتخرجت على يديه أعداد غفيرة من قادة المؤسسة العسكرية [مذكرات اللواء محمد فوزي، "حرب الثلاث سنوات"، ص ٨٧]، تلك النشأة العسكرية في البيت، كانت النواة الأولى لحب العسكرية الذي استقر في وجدان الطفل، ليكون قدرًا يكتب له منذ الصغر.
درس الفتى في كتاب القرية وتدرج في التعليم حتى حصل على الثانوية العامة من مدرسة الخديوي إسماعيل [المرجع السابق، ص ٢٦]، التحق بكلية الطب بناء على رغبة أسرته، ولكنه بعد عامين من الدراسة شعر أن شغفه الحقيقي في مكان آخر، ففضّل الالتحاق بالكلية الحربية التي كان متعلقًا بها شغفًا، وتخرج فيها عام ١٩٣٨ برتبة ملازم ثان [سجل الكلية الحربية، الدفعة ٢٨، ١٩٣٨].
ما يميز الفريق رياض عن غيره من القادة ليس فقط مسيرته العسكرية الحافلة، بل شغفه الاستثنائي بالعلم والمعرفة في شتى المجالات. لقد نال شهادة الماجستير في العلوم العسكرية عام ١٩٤٤ وكان ترتيبه الأول، وأتم دراسته كمعلم مدفعية مضادة للطائرات بامتياز في إنجلترا عامي ١٩٤٥ و١٩٤٦، كما أتقن عدة لغات منها الإنجليزية والفرنسية والألمانية والروسية، مما أتاح له الاطلاع على أحدث التطورات العسكرية في العالم [إدارة الشؤون المعنوية بالقوات المسلحة، ١٩٧٠]
ومن الطريف اللافت في سيرة هذا الرجل العظيم، أنه انتسب وهو برتبة فريق إلى كلية التجارة، لإيمانه الراسخ بأن "الإستراتيجية هي الاقتصاد" ، ولم يكتف بذلك، بل انتسب أيضًا لكلية العلوم لدراسة الرياضيات البحتة، هذا التنوع المعرفي الفريد جعله موسوعة عسكرية وعلمية متكاملة، ونموذجًا للقائد الشامل الذي لا يفصل بين العلم العسكري والعلوم الإنسانية، وأهله لأن يكون أحد أعظم العقول العسكرية في القرن العشرين. [عبد الله بلال، "الشهيد عبد المنعم رياض"، ص١٤]
شارك الفريق عبد المنعم رياض في معظم حروب مصر المعاصرة، بدءًا من الحرب العالمية الثانية ضد ألمانيا وإيطاليا (١٩٤١-١٩٤٢) ، مرورًا بحرب فلسطين ١٩٤٨ التي نال عنها وسام الجدارة الذهبي لقدراته العسكرية الفائقة التي ظهرت آنذاك [الأوسمة الحربية في العصر الحديث، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٩٥، ص ٣١٢]، ثم العدوان الثلاثي ١٩٥٦، وحرب ١٩٦٧، وصولًا إلى حرب الاستنزاف التي شهدت استشهاده [الموسوعة العسكرية المصرية: الحروب والمعارك، ٢/١٧٨].
في عام ١٩٦٤ عُيّن رئيسًا لأركان القيادة العربية الموحدة [وثائق الجامعة العربية، جلسات القيادة العربية الموحدة، ١٩٦٤]، وفي مايو ١٩٦٧، وبعد سفر الملك حسين للقاهرة للتوقيع على اتفاقية الدفاع المشترك، عُيّن الفريق قائدًا لمركز القيادة المتقدم في عمان، فوصل إليها في الأول من يونيو ١٩٦٧ مع هيئة أركان صغيرة من الضباط العرب لتأسيس مركز القيادة [مذكرات الفريق الركن عامر خماش، "الجيش الأردني في حرب ١٩٦٧"، ١٩٨٦، ص ١٤٢]، وحينما اندلعت حرب ١٩٦٧ عُيّن الفريق قائدًا عامًا للجبهة الأردنية، وأدار غرفة العمليات بكفاءة عالية، ووضع خطة إعادة انتشار القوات الأردنية بشكل دقيق لتمكين المدن الأردنية من المواجهة وخاصة مدينة القدس [المرجع السابق، ص ١٥٨].
في ١١ يونيو ١٩٦٧، وبعد أيام قليلة من النكسة، اختير الفريق عبد المنعم رياض رئيسًا لأركان حرب القوات المسلحة المصرية بالقرار الجمهوري رقم ٧٨ لسنة ١٩٦٧، كانت المهمة شاقة وعظيمة في آن واحد: إعادة بناء القوات المسلحة التي تلقت ضربة قاسية، ليس فقط على مستوى المعدات والعتاد، بل والأهم على المستوى المعنوي والنفسي، بدأ مع وزير الحربية والقائد العام الجديد الفريق أول محمد فوزي مهمة إعادة البناء والتنظيم [مذكرات الفريق أول محمد فوزي، "حرب الثلاث سنوات"، ١٩٨٤، ص ٢٣٤].
كان يدرك أن أخطر ما يواجه الجيش بعد الهزيمة هو فقدان الثقة، فقرر أن يبدأ فورًا في عمليات عسكرية محدودة تعيد للجنود ثقتهم بأنفسهم، وكان من أشهر أقواله في تلك الفترة: "لقد كان لدينا جيش، ولكن لم تكن لدينا قيادة على الإطلاق، وماذا يفعل أي جيش إذا فقد رأسه؟" [مجلة المصور، عدد ٧ يوليو ١٩٦٧]، هكذا، وبعزيمة لا تلين، شرع في بناء جيش جديد من تحت الرماد.
في عام ١٩٥٨ سافر في بعثة تعليمية إلى الاتحاد السوفيتي لإتمام دورة تكتيكية تعبوية في الأكاديمية العسكرية العليا، وأتمها في عام ١٩٥٩ بتقدير امتياز، وهناك أطلق عليه الروس لقب "الجنرال الذهبي" تقديرًا لعبقريته العسكرية الفذة ونباهته الاستثنائية [الشهيد عبد المنعم رياض - سماء العسكرية المصرية: ص٢٦].
حقق الفريق رياض انتصارات عسكرية مهمة أعادت للجيش المصري ثقته وهيبته، من أبرزها:
صمّم الفريق رياض الخطة (٢٠٠) الحربية التي كانت الأصل في الخطة (جرانيت) التي طُورت بعد ذلك لتصبح خطة العمليات في حرب أكتوبر تحت مسمى (بدر) [دراسة "التخطيط الاستراتيجي لحرب أكتوبر"، أكاديمية ناصر العسكرية، ١٩٧٥، ص ٦٧]، وكان أهم إنجازاته في حرب الاستنزاف الإشراف على الخطة المصرية لتدمير تحصينات خط بارليف، ذلك الخط الدفاعي الذي كان الإسرائيليون يتباهون به كأقوى خط دفاعي في العالم، فتحول من خط دفاعي منيع إلى مجرد نظام إنذار مبكر [خطة تدمير خط بارليف: الموسوعة العسكرية المصرية، ص٢/١٧٧ ].
كان الفريق رياض يدرك أن الحرب مع إسرائيل ليست مجرد معركة عابرة، بل صراع وجود وإرادة. لذلك وضع نصب عينيه هدفًا استراتيجيًا واضحًا: استنزاف العدو نفسيًا وماديًا، وإعداد الجيش المصري لمعركة التحرير الكبرى التي آمن بحتميتها. كان يردد دائمًا: "إذا وفرنا للمعركة القدرات القتالية المناسبة وأتحنا لها الوقت الكافي للإعداد والتجهيز، وهيأنا لها الظروف المواتية، فليس ثمة شك في النصر الذي وعدنا الله إياه" [عبد الله بلال، "الشهيد عبد المنعم رياض"، ٢٩ ، محاضرات الفريق عبد المنعم رياض في الكلية الحربية، ١٩٦٨].
في الثامن من مارس ١٩٦٩، أشرف الفريق عبد المنعم رياض على الخطة المصرية لتدمير خط بارليف خلال حرب الاستنزاف. ورأى أن يشرف على تنفيذها بنفسه، وفي التوقيت المحدد انطلقت نيران المدفعية المصرية على طول خط الجبهة، مُحققة أعنف اشتباك شهدته الجبهة قبل معارك أكتوبر ١٩٧٣، وكبّدت الإسرائيليين خسائر فادحة في ساعات قليلة.
في صبيحة اليوم التالي (٩ مارس ١٩٦٩)، أصر الفريق رياض على التوجه بنفسه إلى الجبهة ليرى عن قرب نتائج المعركة ويشارك جنوده فرحتهم بهذا الانتصار. وقرر أن يزور أكثر المواقع تقدمًا التي لم تكن تبعد عن مرمى النيران الإسرائيلية سوى ٢٥٠ مترًا فقط، ووقع اختياره على الموقع رقم ٦ في الإسماعيلية، وكان أول موقع فتح نيرانه بتركيز شديد على دشم العدو في اليوم السابق [شهادة المرافق اللواء نزيه المصري، مجلة أكتوبر، ١٠ مارس ١٩٧٥].
كان يؤمن بمبدئه الذي طالما ردده: "إذا حاربنا حرب القادة في المكاتب في القاهرة، فالهزيمة محققة، إن مكان القادة الصحيح وسط جنودهم، وأقرب إلى المقدمة من المؤخرة" [مجلة الشباب، عدد أبريل ١٩٦٩]، ولم يكن هذا القول مجرد شعار يرفعه، بل كان عقيدة يحيا بها، ومات من أجلها.
وفجأة، انهالت نيران المدفعية الإسرائيلية على المنطقة التي كان يقف فيها وسط جنوده. استمرت المعركة التي كان يقودها بنفسه حوالي ساعة ونصف الساعة، إلى أن انفجرت إحدى قذائف المدفعية بالقرب من الحفرة التي كان يقود المعركة منها. ونتيجة للشظايا القاتلة وتفريغ الهواء، استشهد الفريق عبد المنعم رياض متأثرًا بجراحه.
هكذا، ارتقى القائد الأسطوري إلى ربه، وهو في موقع الشرف بين رجاله، مؤكدًا أن أرفع المناصب العسكرية لا تعفيه من مشاركة جنوده مخاطر الميدان. جسّد بدمائه الزكية معنى القيادة الحقيقية، التي لا تعرف المكاتب المكيفة، ولا تهاب الموت حين يكون في سبيل الوطن.
خرج الشعب المصري بجميع طوائفه في وداعه، مشيعين جثمانه الطاهر بإجلال واحترام ممزوجين بالحزن العميق، في جنازة مهيبة تعبر عن حجم الفاجعة التي هزت مصر والعالم العربي [صحيفة الأهرام، ١١ مارس ١٩٦٩، الصفحة الأولى]. كان الوداع شاقًا، لكنه كان أيضًا تأكيدًا على أن هذا القائد سيظل حيًّا في وجدان الأمة، وأن ذكراه ستكون نبراسًا للأجيال.
بعد استشهاده، نعاه الرئيس جمال عبد الناصر، ومنحه رتبة الفريق أول ونجمة الشرف العسكرية، وهي أرفع وسام عسكري في مصر بالقرار الجمهوري رقم ٤٥ لسنة ١٩٦٩، وكان هذا التكريم أقل القليل الذي يمكن أن تقدمه الدولة لهذا القائد العظيم.
حصل الفريق عبد المنعم رياض خلال مسيرته الحافلة على العديد من الأوسمة والأنواط والميداليات، منها:
لذلك، أقامت مصر نصبًا تذكاريًّا بمدينة نصر يليق بجلال الانتصار ويرسخ تقاليد القوات المسلحة في الوفاء بشهدائها، صُمم على شكل هرم خرساني مفرغ (بإبداع الفنان سامي رافع) على مساحة ١٠ آلاف متر مربع وارتفاع ٣٢ مترًا، ويتكون من أربعة أضلاع بكل منها وجهان مسطحان، وتحتوي كل واجهة على ١٨ سطرًا من الكتابة البارزة التي تُسجل أسماءً رمزية لشهداء مصر. وقد دُفنت رفاة أحد الشهداء المجهولين داخل النصب ليصير رمزًا للجندي المجهول تبدأ عنده الاحتفالات القومية وتقصده الوفود الدولية.
وامتدادًا لهذه العقيدة، أُقيم النصب التذكاري بساحة الشعب في العاصمة الإدارية الجديدة، ليكون الأضخم من نوعه، بتصميم معماري فريد مستوحى من الأعمدة الفرعونية وقوس النصر، نُقشت عليه أسماء الله الحسنى وأسماء الشهداء، ليربط بين عظمة الماضي وتطلعات المستقبل.
كما تنتشر النصب التذكارية في مختلف المحافظات ومقار الجيوش الميدانية (الثاني والثالث) والمناطق العسكرية، لتظل ذكرى الأبطال حاضرة في كل بقعة رُويت بدماء الشهداء، حيث يضع القادة والمحافظون أكاليل الزهور في الأعياد الوطنية تكريمًا لذكراهم الخالدة." [الهيئة الوطنية للاستعلامات]
أطلق اسم الفريق عبد المنعم رياض على العديد من الشوارع والميادين المهمة في مصر والوطن العربي، تكريمًا له ووفاءً لبطولاته، وفي قلب القاهرة، يطل الفريق عبد المنعم رياض من ميدان يحمل اسمه، شاهدة على عظمة رجل لم يمت.
ترك الفريق عبد المنعم رياض إرثًا من الحكم والأقوال المأثورة التي تعبّر عن فلسفته في الحياة والقيادة والعسكرية، من أبرزها:
في يوم الشهيد المصري، نقف إجلالًا أمام قامة شامخة من قامات هذا الوطن، نستلهم من سيرتها العطرة معاني لا تموت. لقد علّمنا الفريق عبد المنعم رياض أن القيادة الحقيقية ليست منصبًا يُتسلق إليه، بل مسؤولية تُحمل على عاتق الجسورين، علّمنا أن العلم والمعرفة هما سلاح الأمة في وجه التحديات، وأن طلب العلم لا يتوقف عند حد مهما علت الرتبة، علّمنا أن مكان القائد الحقيقي هو في الصفوف الأمامية، بين جنوده، يشاركهم الأهوال والآمال.
لم تكن حرب السادس من أكتوبر مجردَ معركةٍ عسكرية، بل كانت ملحمةً إيمان وصمود.
في السادس من أكتوبر عام ١٩٧٣م، انطلقت شرارة واحدة من أعظم المعارك في التاريخ العربي الحديث.
كان السادس من أكتوبر شاهدًا على أن العزّة هبةٌ من الرحمن، لا تُنال إلا باليقين والعمل.