وأما رؤية الله تعالى في الدنيا فيقول
الجمهور من أهل السنة بجوازها عقلا، مع عدم وقوعها، مستدلين لسؤال موسى عليه السلام في قوله جل
شأنه: {وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ
لِمِيقَٰتِنَا وَكَلَّمَهُۥ رَبُّهُۥ قَالَ رَبِّ أَرِنِيٓ أَنظُرۡ إِلَيۡكَۚ
قَالَ لَن تَرَىٰنِي وَلَٰكِنِ ٱنظُرۡ إِلَى ٱلۡجَبَلِ فَإِنِ ٱسۡتَقَرَّ
مَكَانَهُۥ فَسَوۡفَ تَرَىٰنِيۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُۥ لِلۡجَبَلِ جَعَلَهُۥ
دَكّٗا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقٗاۚ فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبۡحَٰنَكَ تُبۡتُ
إِلَيۡكَ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ} (الأعراف ٤٣ ١) ، فبعد أن سمع موسى عليه السلام كلام
ربه اشتاق لرؤيته ولم يطلب منه أن يريه آية، أو أنه طلبها ليعلم قومه الذين طلبوها
منه أنها مستحيلة، كما يقول بذلك المعتزلة، وغيرهم ممن ينكر ذلك مستدلين بقوله
تعالى: {لَّا
تُدۡرِكُهُ ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَهُوَ يُدۡرِكُ ٱلۡأَبۡصَٰرَۖ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ
ٱلۡخَبِيرُ} (الأنعام:١٠٣).
وقد رد ذلك بأن الإدراك المنفى في
الآية هو بمعنى الإحاطة والحصر، وليس مجرد النظر والرؤية.
ومبنى الاستدلال من الجمهور أن موسى عليه السلام لو لم يعلم جواز وقوع الرؤية في الدنيا
لما طلبها إذ يبعد ألا يعلم ما يجوز في حق الله تعالى وما يستحيل، لكن المولى عز
وجل منعه منه رحمة به، لأن خلقه لا يقوى على المعاينة فقد دل على ذلك بأنه سبحانه
سيتجلى للجبل وهو أقوى منه وأصلب، ثم أراه الجبل ولم يثبت، وذلك حتى يطيب نفسا،
وأن حجبه عن الرؤية إنما كان رعاية له ورحمة به، وهذا هو رأي الأكثر، لكن نقل القاضي عياض عن الإمام محمد
بن الطيب المشهور بأبي بكر الباقلاني شيخ
علماء عصره ببغداد أن موسى عليه السلام رأى الله
تعالى فلذلك خَرَّ صَعِقًا وأنَّ الجبل رأى ربَّه فصار دَكًا بإدراك خلق الله له، مستنبطا
ذلك من قوله تعالى: {وَلَٰكِنِ ٱنظُرۡ
إِلَى ٱلۡجَبَلِ فَإِنِ ٱسۡتَقَرَّ مَكَانَهُۥ فَسَوۡفَ تَرَىٰنِيۚ} (الأعراف:١٤٣).
ومن هنا وجد الخلاف في مقولة رؤية
نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- ربه ليلة الإسراء والمعراج حيث اشتهر القول عند ابن عباس وأبى بن كعب وأنس بن مالك والحسن وعكرمة وأبى الحسن
الأشعري بأن محمدا -صلي الله عليه وسلم- رأى ربه مستدلين لقوله تعالى: {مَا كَذَبَ ٱلۡفُؤَادُ مَا رَأَىٰٓ} (النجم:١١)، وأنكرت عائشة رضي الله عنها رؤيته صلي
الله عليه وسلم لربه بعينه وقالت: من قال
إن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية.
وفى صحيح مسلم
قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم- حين سئل عن ذلك: "نورٌ أنى
أراه"
(صحيح سلم - ١/ ١١١).
وفى رواية أخرى أخرجها مسلم أيضا قال: "رأيت نورا" (صحيح
سلم - ١/ ١١١) وهذا
هو المشهور عن ابن مسعود حيث قال: المراد هو رؤية محمد لجبريل عليه السلام على
هيئته العظيمة التي خلقه الله عليها إذ لم يره بهذه الخلقة حيث سد الأفق بجناح
واحد حين فرده من أجنحته الستمائة إلا مرتين وهما اللتان أشار إليهما المولى تبارك
وتعالى في قوله عز شأنه: {مَا
كَذَبَ ٱلۡفُؤَادُ مَا رَأَىٰٓ} (النجم:١١)، وفى قوله تعالى: {وَلَقَدۡ رَءَاهُ نَزۡلَةً أُخۡرَىٰ * عِندَ سِدۡرَةِ ٱلۡمُنتَهَىٰ} (النجم ١٣، ١٤).
مراجع للاستزادة:
١- لسان العرب
لابن منظور مادة (رأى) طبعة دار المعارف.
٢- نصب الراية لتخريج أحاديث الهداية للزيلعي، ط ٢ المكتبة الإسلامية.
٣- الأربعين في أصول الدين للرازي ط١ مكتبة الكليات الأزهرية.
٤- صحيح مسلم ط الشعب.