بعد أن وقعت التيارات المتطرفة في تكفير المسلمين، بسبب قضية الحاكمية، ثم وصفوا المسلمين بالجاهلية التي هي كفر وشرك، ثم جزموا بانقطاع هذا الدين منذ قرون، وحكموا بكفر القوانين والدساتير، انتقلوا إلى استلاب مهام الحكام وولاة الأمر، ووجهوا السهام إلى صدور المسلمين، وحصروا هدفهم في نزع مقاليد الحكم، وإنشاء كيان سياسي بديل، وجزموا بحتمية الصدام، ثم سموا ذلك جهادا.
والحقيقة أن مفهوم الجهاد الذي شرعه الله تعالى، وجعله عملا واسعا وراقيا، والقتال صورة من صوره، فقد جعله الله تعالى مرتبطا بمقاصد الشرع التي هي الهداية وإحياء النفوس لا إزهاقها، وجعله الله تعالى محكوما بمنظومة قيم حاكمة، تدفع أصحاب الجهاد الحق ألا يقطعوا شجرة، وألا يهلكوا شاة، وألا يروعوا راهبا في صومعته، وجعله الله تعالى مرتبطا بتقدير شئونه ومقداره ومآلاته، فإذا خرج عن حدوده أو جاوز مقداره أو تم إيقاعه على غير محله خرج عن كونه جهادا، وتحول إلى إساءة وظلم وعدوان.
فنحن أمام عدوان متكرر على مفاهيم الشريعة وقضاياها، ثم إيقاعها وتنزيلها على أفكار مغلوطة عندهم، بعد انطلاقهم من الكارثة الكبرى والتي هي تكفير المجتمع، حيث تولدت من التكفير سلسلة وشعب كثيرة من التطبيقات المغلوطة، التي يستجلبون لها مصطلحات الشرع الشريف، فتختل مصطلحات الشرع، وتلتبس على الناس، بل ويترتب على ذلك خطأ فادح، وهول عظيم، وأن التطبيقات المغلوطة عندهم، والتي اغتصبوا لها مصطلحات الشرع، جعلت الناس تنظر إلى مفاهيم الشريعة من خلال تطبيقات هؤلاء، فيستقر في الأذهان تصور مغرق في القبح والظلمانية عن قضايا الشرع، وتتحول في أعين الناس إلى شقاء بعد أن جعلها الله رحمة وحياة وإكراما للإنسان.
وقد روى البخاري أيضا من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري قال: أقبل رجل بناضحين وقد جنح الليل، فوافق معاذا يصلي، فترك ناضحه وأقبل إلى معاذ، فقرأ بسورة البقرة أو النساء، فانطلق الرجل، وبلغه أن معاذا نال منه، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فشكا إليه معاذا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا معاذ! أفتَّانٌ أنت؟ ثلاث مرار، فلولا صليت بـ { سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} (سورة الأعلى) ، { وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} (سورة الشمس) ، {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} (سورة الليل) ؛ فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة.
فهذا البيان النبوي الصريح، يجعل الإنسان إذا استقل لنفسه بطريقة في تطبيق الشرع، وألزم الناس بها، حتى أثقل عليهم، جعل هذا عملا خطيرا، وسمى صاحبه فتانا، ولفت نظره إلى مراعاة أثر فعله على نظرة الناس للشرع الشريف، كل هذا مع تسليم فضل القائم بذلك وأنه كان يحب التطويل في الصلاة.
فكيف من كفر الناس، ثم حمل عليهم السلاح، ثم سمى عمله هذا جهادا؟؟
(وفي الوقت الذي يكون فيه منكم معشر الإخوان المسلمين ثلاثمائة كتيبة قد جهزت كل منها نفسيا وروحياً بالإيمان والعقيدة، وفكرياً بالعلم والثقافة، وجسمياً بالتدريب والرياضة، في هذا الوقت طالبوني بأن أخوض بكم لحج البحار، وأقتحم بكم عنان السماء، وأغزو بكم كل عنيد جبار، فإني فاعل إن شاء الله").( مجموعة رسائل حسن البنا، رسالة: المؤتمر الخامس، ص ١٦٢، ١٦٣).
وانظر مثلا قول صالح سرية في: (رسالة الإيمان): (والجهاد لتغيير هذه الحكومات وإقامة الدولة الإسلامية فرض عين على كل مسلم ومسلمة؛ لأن الجهاد ماض إلى يوم القيامة، وإذا كان الجهاد واجباً لتغيير الباطل حتى ولو لم يكن كافراً كما الحسين رضي الله عنه، وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خير الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله). فإن الجهاد ضد الكفر لا يختلف اثنان من المسلمين أنه أفرض الفرائض وذروة سنام الإسلام: (من مات ولم يَغْزُ ولم يُحدّث نفسه بالغزو مات ميتةً جاهلية)، ومن ماتوا دفاعاً عن حكومات الكفر ضد من قاموا لإقامة الدولة الإسلامية فهم كفاراً إلاّ إذا كانوا مُكرهين فإنهم يبعثون عن نياتهم. وهذه قضية خطيرة أغفلها المسلمون اليوم وتحتاج إلى أفرادها برسالة مستقلة، إذ إن الحركات الإسلامية كثيراً ما تتلكأ عن القيام ضد هذه الدولة خوفاً من إراقة الدماء لأنهم لم تتضح لهم هذه القضية الواضحة وضوح الشمس وهي كفر هذه الدولة).
فبهذا تحول مفهوم الجهاد على يده إلى التكفير والعدوان على الناس، وقد تورط في ظلمات متكاثفة سماها جهادا.