لقد شيّدت الشريعة الغراء بناءً شامخًا
لحماية هذا الحق، وجعلت إيذاء الجار كبيرة من كبائر الذنوب، وربطت الإحسان إليه
بكمال الإيمان.
١. من القرآن الكريم:
جاء الأمر الإلهي صريحًا وقاطعًا،
مقرونًا بعبادة الله وتوحيده، مما يدل على مكانته السامية:
{وَٱعۡبُدُواْ
ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗا وَبِذِي
ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡجَارِ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ
وَٱلۡجَارِ ٱلۡجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلۡجَنۢبِ ...} [النساء: ٣٦]
فانظروا كيف قُرن حق الجار بحق
الوالدين وذي القربى، مما يرفعه إلى منزلة عظيمة.
وقد ذم الله من يمنع الجار من المنفعة،
فقال: {وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} [الماعون: ٧].
٢. من السنة النبوية المطهرة:
لقد تضافرت الأحاديث الشريفة لتؤكد على
هذا المعنى وتفصّله:
وصية السماء: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما
زالَ جِبريلُ يُوصيني بالجارِ حتَّى ظنَنتُ أنَّهُ سُيورِّثُهُ» [أخرجه البخاري (٦٠١٤)] هذا الحديث يهز الوجدان، فكأن حق الجار
سيصير كحق الأرحام في الميراث لقوة صلته وعظيم مكانته.
علامة الإيمان: قال صلى الله عليه وسلم: «مَن كانَ
يُؤْمِنُ باللَّهِ واليَومِ الآخِرِ فلا يُؤْذِ جارَهُ» [أخرجه البخاري (٦٠١٨)]، وفي رواية: «فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ».
فجعل سلامة الجار من الأذى شرطًا ومظهرًا من مظاهر الإيمان الصادق.
نفي الجنة عن المتجاوز: جاء الوعيد الشديد في قوله صلى الله
عليه وسلم: «لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَن لا يَأْمَنُ جارُهُ بَوائِقَهُ» [أخرجه مسلم (٤٦)]. والبوائق هي الشرور والغدر، فكيف يهنأ
مؤمن بالجنة وجاره في الدنيا يعيش في قلق وخوف من شره؟
التعدي على الجار من أعظم
الذنوب: حين
سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أعظم الذنب بعد الشرك وقتل الولد، قال: «أنْ
تُزانِيَ حَلِيلَةَ جارِكَ» [أخرجه مسلم (٨٦)]. والتخصيص هنا مروع، لأن الجار هو موطن الأمان، وخيانته هي طعنة في
ظهر الثقة، وهدم لقدسية الجوار.
بطلان العبادات مع سوء الجوار: في
الحديث الذي تقشعر له الأبدان، قيل للنبي صلى الله عليه وسلم عن امرأة تكثر من
الصلاة والصيام والصدقة، «غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا،
فقال: لَا خَيْرَ فِيهَا، هِيَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ» [أخرجه أحمد
(٩٦٧٥)].
يا لله! عبادات كالجبال تنهار أمام جريمة إيذاء الجار باللسان.