Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الرشوة .. جريمة تُفقد المجتمعات توازنها الأخلاقي

الكاتب

هيئة التحرير

الرشوة .. جريمة تُفقد المجتمعات توازنها الأخلاقي

تُواجه المجتمعات معارك يومية في سبيل تحقيق العدالة والشفافية، إلا أن هناك ظواهر ما زالت تتسلل إلى مفاصل الإدارات وتعطل مسيرة الإصلاح، وتُعد الرشوة إحدى أخطر تلك الظواهر، فهي تدمر القيم وتهدد النزاهة وتخلق حالة من الإحباط والانكسار بين المواطنين، ومع كل جهد يُبذل لمكافحتها تزداد الحاجة لإلقاء الضوء على ماهيتها وأضرارها وموقف الإسلام منها، وبيان ما يعود على المجتمع من فائدة بعد علاجها.

مفهوم الرشوة وماهيتها

الرشوة ليست مجرد سلوك فردي معزول، بل هي تعبير عن مرضٍ خطيرٍ يعصف بجسد المجتمع في هدوء، ويهدم أعمدة العدالة والنزاهة من الداخل، وإذا أردنا أن نصف هذه الظاهرة بشكل منضبط يمكن القول إنها ذلك المقابل غير المشروع، المالي أو المعنوي، الذي يُقدَّم بقصد التأثير على سلطةٍ ما أو وظيفةٍ لتحقيق منفعة خاصة لا تُمنح لصاحبها استحقاقًا، بل تُنتزع اغتصابًا، وقد عرَّفها الجرجاني بأنها "ما يُعطى لإبطال حق أو لإحقاق باطل" [التعريفات، لعلي بن محمد الجرجاني، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٣هـ، ص ١١]، وتتنوع أشكال الرشوة بين المال المباشر والهدايا والعطايا أو حتى الخدمات الخاصة، وكلها تدخل تحت ما يعرف بأخذ المال بغير حقه.

وتبدأ الرشوة - غالبًا - بنية الحصول على منفعة صغيرة، وربما تُبرَّر بأنها تيسيرٌ لبعض الإجراءات أو تعويضٌ عن سوء الخدمة، لكنها سرعان ما تتحول إلى أسلوب حياة تتغلغل في خلايا المؤسسات، فتُفسد الإدارات، وتُخرِّب قرارات التعيين والترقية، وتصبح الوسيلة الأسرع لتجاوز القوانين أو فرض المصلحة الخاصة على العامة، وإن أخطر ما في الرشوة أنها تُشرعن الفساد على مستوى السلوك الفردي، وتجعل الالتزام بالحق يبدو وكأنه بطءٌ إداري في حين يُصبح الفساد طريقًا أسرع وأكثر فعالية، وهو قلبٌ لمنطق الأخلاق والمؤسسات.

مظاهر الرشوة

١. تقديم المال أو الهدايا لموظف عام للحصول على خدمة غير مستحقة.

٢. طلب موظف عام رشوة لتسهيل إجراءات أو غض الطرف عن مخالفة.

٣. استغلال النفوذ أو المنصب لتحقيق مصالح شخصية.

آثار الرشوة وأضرارها

تتفاوت مضار الرشوة بتفاوت موضوعها واختلاف درجات طرفيها، فهي وإن كانت داءً واحدًا إلا أن الداء تختلف أضراره باختلاف محل الإصابة به.

فالداء يصيب القلب وغيره إذا أصاب اليد أو الرجل، كالجرح مثلًا؛ فجرح القلب أو الدماغ قد يميت، وجرح اليد أو الرجل غالبًا ما يسلم صاحبه ويبرأ جرحه، وإن ترك ألمًا أو أثرًا في محله.

والناس في هذا الموضوع منهم من هو بمثابة القلب والرأس والعين، ومنهم من هو كسائر أعضاء الجسد، وعليه فإذا كانت الرشوة في معرض الحكم فإنها الداء العضال والمرض القاتل؛ لأنها تصيب صميم القلب فتفسده فيختل في نبضاته ويفقد التغذية ويصبح غير أهل للحكم، وقد نص الفقهاء أن الحاكم إذا أخذ الرشوة انعزل عن الحكم؛ لأنها طعن في عدالته التي هي أساس توليته [الرشوة، عطية بن محمد سالم (ت ١٤٢٠هـ)، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ط: ١٢، - العددان ٤٧، ٤٨ - رجب - ذو الحجة، ١٤٠٠هـ، ص ١٣٩]

أماكن انتشار الرشوة

وتكمن خطورة الرشوة في تعدد أماكن انتشارها، فهي لا تقتصر على مؤسسات بعينها بل تشمل مختلف القطاعات، ففي المؤسسات الحكومية تُمارس الرشوة لتسريع الإجراءات أو تمرير ملفات بعينها، وفي القطاع الصحي تُطلب – أحيانًا - لتقديم علاج أفضل أو تجاوز طوابير الانتظار، وفي المجال التعليمي تُمارس لأجل النجاح أو القبول، وهذا الانتشار الواسع يجعل من الرشوة تحديًا هيكليًّا يحتاج إلى مواجهة جذرية.

الرشوة من المنظور الشرعي

أما من الناحية الشرعية، فإنه مما لا شك فيه أن الشريعة الإسلامية جاءت آمرة بالمحافظة على الضروريات الخمس – الدين والنفس والعقل والعرض والمال – وعلى ذلك دارت أحكامها؛ ليقوم المجتمع الإسلامي الذي ينال فيه كل امرئ حقوقه؛ لذا كانت الرشوة محرّمة بكل أشكالها ومسمياتها التي استحدثت – الإكرامية، الهدية للموظف وقت مسئوليته، الدخان - ،  بلا خلاف بين أهل العلم [الإقناع، لمحمد الخطيب الشربيني، دار الفكر، بيروت، ٤/٢٣٢]، وقد ورد التحذير منها في القرآن الكريم وفي السنة النبوية، في نصوصٍ صريحة واضحة لا تحتمل التأويل، قال تعالى: {وَلَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ وَتُدۡلُواْ بِهَآ إِلَى ٱلۡحُكَّامِ لِتَأۡكُلُواْ فَرِيقٗا مِّنۡ أَمۡوَٰلِ ٱلنَّاسِ بِٱلۡإِثۡمِ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ}[البقرة: ١٨٨]، وهذا نصٌّ شديد يُشير إلى تقديم المال للقضاة والحكام كوسيلة للاستيلاء على حقوق الآخرين، وهو عين الرشوة، وقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم: «لَعَنَ اللهُ الرّاشِيَ والمُرتَشيَ والرّائِشَ الَّذي يَمْشي بيْنهُما»؛ أي أن اللعنة تشمل من يدفع ومن يأخذ ومن يتوسط بينهم [المستدرك على الصحيحين، للحاكم النيسابوري، دراسة وتحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت

ط: ١، ١٤١١هـ - ١٩٩٠م، ٤ /١١٥، حديث رقم ٧٠٦٨ ]، وجاء في (المغني): "الرشوة: ما يُبذَل لإبطال حق أو إحقاق باطل فهي محرمة، ولا يجوز إعطاؤها ولا أخذها، وعليه إجماع المسلمين" [المغني، لابن قدامة، تحقيق: طه الزيني، وآخرين، ط: ١، مكتبة القاهرة، ١٠/١٩٠]، وأكدت دار الإفتاء المصرية أنه لا يجوز دفع الرشوة إلا في حالة الضرورة كدفع ظلم أو استرداد حق بشرط أن يكون الإثم على الآخذ لا الدافع [دار الإفتاء المصرية، فتوى رقم ٤٨٧، موقع دار الإفتاء الرسمي].

علاج الرشوة وما ينتج عنه أو تجنبها

ومن المعروف أن طريق علاج أي داءٍ إنما تبدأ من تشخيصه ثم بمنع مسبباته ثم علاج أعراضه ومضاعفاته، ومن المعلوم أن المرض الشخصي يتحمل مسئوليته الشخص المختص به، وإذا كان جماعيًّا تتحمل الجماعة مسئولية التعاون على علاجه، والرشوة جمعت بين الأمرين الشخصي والجماعي؛ فعلى الجميع أفرادًا وجماعات واجب التعاون على علاجها، وقد رسم لنا القرآن والحديث النبوي الشريف منهج العلاج.

أولًا: تقوية الوازع الديني، فيعالج بتقويته وتوعية المجتمع توعية دينية، والتحذير من مضارها العاجلة والآجلة من مغبة الأكل الحرام وأثر السحت في النفوس والقلوب مما تقدم.

ثانيًا: الرقابة على الأجهزة التي تكون مظنة تفشيها في أوساطها حتى يحسبوا لذلك حسابًا، وهذا إن لم يمنعها كلية سيخفف من وطئها.

ثالثًا: مصادرة كل ما ثبت أنه أُخذ رشوة، سواء كان هذا المأخوذ مالًا أو عرَضًا أو أي عين مادية؛ حتى تقلل طمع المرتشين وتسد الطريق على من تُسول له نفسه بها. [مضار الرشوة وعوامل تفشيها وطريقة علاجها، للشيخ عطية محمد سالم، موقع الألوكة]

وختامًا لا يسعنا إلا أن نؤكد أن الرشوة ليست مجرد انحراف سلوكي أو مخالفة إدارية، بل هي جريمة أخلاقية وإنسانية تُدمّر البنية الروحية والاجتماعية للمجتمع، وتحول العدالة إلى سلعة، والكفاءة إلى استثناء، كما نؤكد على أنّ مكافحتها ليست خيارًا، بل ضرورة وجودية للدولة والمؤسسات والأفراد؛ لأنها تمثل تحديًّا مباشرًا لقيم الحق والمساواة والشفافية، وإذا ما استطعنا أن نُشيّد ثقافة نزيهة قائمة على الرقابة والمساءلة تترسّخ فيها معاني الاستقامة والضمير فإننا بذلك نُحرّر مسار التنمية، ونمنح الإنسان الحق في أن يُعامَل بكرامة بعيدًا عن منطق (الدفع مقابل الخدمة).

فالرشوة حين تُقاوَم لا تُزهَق مجرد مخالفة، بل تُبعث روح الثقة والعدل والاحترام في نفوس الناس، وتُشرّع أبواب الأمل نحو غدٍ تُبنى فيه الدول على أسس من النزاهة والقانون لا على شبكات المصالح والاحتيال.

الخلاصة

الرشوة  جريمة أخلاقية تدمر قيم المجتمع وتفقد العدالة والنزاهة، وتعرف بأنها مقابل غير مشروع يُقدم للتأثير على سلطةٍ لإحقاق باطل أو إبطال حق. والشريعة الإسلامية حرمت الرشوة بكل أشكالها، وأن اللعنة تشمل الراشي والمرتشي والمتوسط بينهما، مع جوازها عند الضرورة لدفع ظلم أو استرداد حق. والإسلام رسم منهج متكامل لعلاج الظاهرة يبدأ بتقوية الوازع الديني والرقابة الشديدة وينتهي بمصادرة المال المأخوذ رشوة.

موضوعات ذات صلة

تُعتبر العَلاقة مع الجار من أسمى الروابط الاجتماعية التي حث عليها الدين والقيم الإنسانية،

لم تعد الألعاب الإلكترونية مجرد وسيلة ترفيه عابرة، بل تحولت – خاصة عند الأطفال – إلى إدمان حقيقي يهدد التربية

يمثلُ إيذاءُ ذوي الهمم - سواء كان لفظيًّا أو جسديًّا أو اجتماعيًّا - شكلًا من أشكال العنف الممُنهج الذي يمارسه المجتمع أحيانًا بوعي أو بدون وعي