قد يبلغ الإنسان سنًّا متقدمًا، وتبدو ملامحه ناضجة وهيئته مكتملة، لكنه
يفتقر إلى النضج العقلي والتوازن العاطفي الذي يليق بهذا العمر، فتختل تصرفاته،
وتغيب عنه الحكمة في التعامل مع مشاعره؛ مما يؤثر تأثيرًا بالغًا على حياته
الزوجية لاحقًا.
هذه الفجوة بين النمو الجسدي والنمو الذهني والانفعالي كثيرًا ما تكون
نتيجة لانعزال الصغار عن الكبار؛ حيث يقضي الشاب معظم وقته بين الدراسة والألعاب أو
على الشبكة العنكبوتية أو في الاستراحات والمجموعات الشبابية التي تزيده بُعدًا عن
محيط النضج والخبرة.
وهكذا يدخل بعض الشباب معترك الزواج دون رصيد كافٍ من التجارب أو قدرة على
تحمّل المسئوليات أو مهارة في حل المشكلات، فيكون كمن خاض معركة بسلاح لم يُشحذ
بعد.
وقد أرشدنا القرآن الكريم إلى صفات الرجل المؤهّل لتحمّل هذه المسئولية
العظيمة بقوله تعالى: {الرِّجَالُ
قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ}
[سورة
النساء: ٣٤]. وهو تعبير بالغ الدقة، إذ لم يقل (الذكور)،
بل قال (الرجال)، في إشارة واضحة إلى من بلغ مرتبة الرجولة الكاملة في
العقل والسلوك والخلق، لا من اكتفى بالمظهر أو السن.
وتُبرز الآية ثلاث صفات رئيسة ينبغي أن يتحلى بها الزوج:
الصفة الأولى: الرجولة الحقيقية، وهي تعني الكمال في الشخصية، والاتصاف
بالحكمة والحزم، والخروج عن الطيش والسفه، كما بيّنها أهل اللغة، فالرجولة – هنا -
ليست صفة بيولوجية، بل مقام معنوي ونفسي يتطلب بناءً وتكوينًا.
الصفة الثانية: التفوّق الفطري أي ما خصّ الله به الرجل من قدرات تؤهله
للقيادة، والتميّز في تدبير الأمور، وتحمّل أعباء الحياة، وهي خصائص لا تتوافر
فيمن تخلّى عن سمات الرجولة أو شابه طباع النساء.
الصفة الثالثة: القدرة على الإنفاق فالقوامة ليست تسلّطًا، بل مسئولية
مادية ومعنوية تستوجب من الرجل أن يكون قادرًا على توفير مقومات الحياة الكريمة
للأسرة.
إن الزواج ليس امتدادًا لرغبات عاطفية فحسب، بل هو تأسيس لأسرة تقوم على
عقل ناضج، وعاطفة متزنة، وشخصية رجولية مكتملة. لذلك، لا يُقيم القوامة ويؤديها
بحق إلا من بلغ الرجولة بمعناها الكامل الذي يليق بهذه الأمانة.