Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

ظاهرة التدين بالحماس

الكاتب

هيئة التحرير

ظاهرة التدين بالحماس

في زمن تتسارع فيه التغيرات وتكثر فيه الفتن، يُقبل كثير من الناس، خاصة الشباب، على التدين بإخلاص واندفاع، راغبين في طاعة الله والتقرب إليه، لكن ما يقع فيه البعض – بحسن نية – هو ما يُعرف بـ "التدين بالحماس"، وهي ظاهرة تبدأ بالنية الطيبة، لكنها قد تنحرف عن المنهج الصحيح حين يغيب العلم، وتغلب العاطفة، فيقع الفرد في الغلو، أو الجفاء، أو الخطأ في الفهم والتطبيق.

مفهوم وتوصيف الظاهرة

تُعرف ظاهرة التدين بالحماس بأنها اندفاع الأفراد نحو الالتزام بالممارسات الدينية بشكل مفرط وسريع، دون تروٍ أو تعمق علمي في فهم الدين.

ويظن بعض الناس أن الحماسة الدينية المشتعلة وحدها كافية لبناء تدين صحيح، فيُقبلون على العبادات، أو الدعوة، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بروح مشتعلة لكن دون تأصيل علمي أو فهم دقيق للمقاصد والضوابط الشرعية.

هذا النوع من التدين تغلب عليه الانفعالات على حساب العلم، والتحمس قبل التفقه، وهو ما يخالف منهج النبوة الذي قدّم التزكية على الحُكم، والعلم على العمل.

 قال تعالى: {قُلۡ هَٰذِهِۦ سَبِيلِيٓ أَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِيۖ} [يوسف: ١٠٨].

يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم إلى الثقلين: الإنس والجن، آمرًا له أن يخبر الناس أن هذه سبيله أي طريقته ومسلكه وسنته، وهي الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يدعو إلى الله بها على بصيرة من ذلك ويقين وبرهان هو وكل من اتبعه يدعو إلى ما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم على بصيرة ويقين وبرهان عقلي وشرعي [تفسير ابن كثير - ط العلمية ٤/ ٣٦٢].

 فالدعوة والممارسة يجب أن تكون على بصيرةٍ لا على مجرد انفعال أو تقليد.

فالإسلام ينهى الإنسان عن الكلام بغير علم، وخاصة في الأمور الدينية، لأن ذلك قد يؤدي إلى الافتراء على الله، أو تضليل الناس، أو الوقوع في الكذب والجهل وهذه المسألة جاء التحذير منها في الكتاب والسنة:

قال تعالى: {وَلَا تَقۡفُ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۚ إِنَّ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡبَصَرَ وَٱلۡفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَٰٓئِكَ كَانَ عَنۡهُ مَسۡـُٔولٗا} [الإسراء ٣٦]، أي لا تتبع ما لا تعلمه، فلا تقل بغير علم ولا تتهم بغير بينة، ولا تقل سمعت وأنت لم تسمع، ولا تشهد بالزور، ولا تتبع الظن والحدس في حق الناس، فإنك بذلك تكون قد قلت ما لا تعلم، واتبعت ما ليس لك به علم وأخطأت بذلك في حق الله وحق عباده وحق نفسك، وهناك أمور يعمل فيها بالظن، كالحكم على شخص معين بالإيمان تبعًا للظاهر، وكالإفتاء بالأحكام الشرعية عن الأدلة الظنية، وكالعلاج بالعقاقير التي يظن فيها الشفاء. [التفسير الوسيط - مجمع البحوث ٥/ ٧٥٧].

وقال تعالى: {قُلۡ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلۡفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلۡإِثۡمَ وَٱلۡبَغۡيَ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَأَن تُشۡرِكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمۡ يُنَزِّلۡ بِهِۦ سُلۡطَٰنٗا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ} [الآعراف ٣٣].

 فقوله تعالى: {وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ} عام في تحريم القول في الدّين من غير يقين. [زاد المسير في علم التفسير ٢/ ١١٦].

مظاهر التدين بالحماس

من أبرز مظاهر التدين بالحماس

١-الغلو والتشدد:

 قال تعالى: {يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دينكم} [النساء: ١٧١].

وأما ‌الغلو فهو المبالغة في الشيء والتشديد فيه بتجاوز الحد، وفيه معنى التعمق، يقال غلا في الشيء يغلو غلوا وغلا السعر يغلو غلاء إذا جاوز العادة، والسهم يغلو غلوا بفتح ثم سكون إذا بلغ غاية ما يرمى، وورد النهي عنه صريحًا فيما أخرجه النسائي، وابن ماجه وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم من طريق أبي العالية، عن ابن عباس قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر حديثا في حصى الرمي، وفيه: «إيّاكم والغلوَّ في الدِّينِ، فإنما هَلَكَ مَنْ كَاَنَ قَبْلَكُمْ بِالْغُلوِّ في الدِّينِ» [رواه النسائي ٣٠٥٧] [فتح الباري لابن حجر (١٣/ ٢٧٨ ط السلفية):

وقال تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف:١٥٧]، "أَي ويخفف عنهم ما ثقل عليهم من التكاليف الشاقة كتعيين القصاص في القتل العمد والخطأ من غير شرع الدية، وكقطع الأَعضاء الخاطئة وإِحراق الغنائم.

{وَٱلۡأَغۡلَٰلَ ٱلَّتِي كَانَتۡ عَلَيۡهِمۡۚ}: أَي ويخفف عنهم كذلك الشروط المحرمة والمواثيق الشديدة التي كانت في شريعة موسى عليه السلام لتناسب ظلم بنى إِسرائيل وطغيانهم وغلوهم في الفساد والضلال.

والأَغلال جمع غُل وهو في الأَصل ما يوضع في العنق أَو اليد من الحديد يستعار للمواثيق الشديدة والتكاليف الشاقة." «التفسير الوسيط - مجمع البحوث ٣/ ١٥٢٤]

٢-العجلة والتهور:

 والعَجَلَة والتهوّر من الصفات المذمومة شرعًا وعقلاً، وقد نهى الإسلام عنهما لما فيهما من آثار سلبية على الفرد والمجتمع. فالمسلم مأمور بالتثبّت، والتفكير قبل اتخاذ القرار، والتحلّي بالحكمة والروي.

قال تعالى: {وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ عَجُولٗا} [الإسراء: ١١] والعَجلَةُ: طلبُ الشَّيء قبلَ وقته الذي ينبغي أن يقعَ فيه، والسُّرعةُ: عملُ الشَّيء في أوَّلِ وقته. [تفسير ابن كمال باشا ٦/ ١٣٣]

 وجاءت هذه الآية لتبين أَن الإنسان لم يراع مصلحة نفسه حيث يطلب الشر ويتعجله بدل الخير، والمراد بالإنسان الجنس، وقد أُسند إليه حال بعض أفراده وهو الكافر والعاصي، أو حاله بصفة عامه في بعض أَحيانه. [التفسير الوسيط - مجمع البحوث ٥/ ٧٢٧]

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، رضي الله عنه قَالَ: " ‌كَيْفَ ‌بِكُمْ ‌إِذَا ‌لَبِسَتْكُمْ ‌فِتْنَةٌ يَهْرَمُ فِيهَا الْكَبِيرُ، وَيَرْبُو فِيهَا الصَّغِيرُ، وَيَتَّخِذُهَا النَّاسُ دِينًا، فَإِذَا غُيِّرَتْ قَالُوا: هَذَا مُنْكَرٌ؟ قِيلَ: وَمَتَى ذَاكَ؟، قَالَ: إِذَا كَثُرَتْ أُمَرَاؤُكُمْ، وَقَلَّتْ أُمَنَاؤُكُمْ، وَكَثُرَتْ خُطَبَاؤُكُمْ، وَقَلَّتْ فُقَهَاؤُكُمْ، وَتُفُقِّهَ لِغَيْرِ الدِّينِ، وَالْتُمِسَتِ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الْآخِرَةِ " [مسند الدارمي جـ١ صـ٢٧٨حديث ١٩١باب تغير الزمان وما يحدث فيه]

٣-سوء الظن وسرعة التكفير والتبديع:

 قال صلى الله عليه وسلم: «إذا قال الرَّجُلُ لأخيه: يا كافِرُ، فقد باءَ بها أحَدُهما» [أخرجه البخاري (٦١٠٤) ، ومسلم (٦٠) باختلاف يسير من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما]، فالتدين غير المتوازن القائم على العاطفة والانفعال دون علم أو فهم ـ يمكن أن يؤدي بصاحبه إلى التكفير بغير حق، وسوء الظن بالناس واتهام نياتهم، والتشدد والتنفير من الدين.

٤- الاندفاع المفاجئ للتدين: التزام مفاجئ بالصلاة أو الحجاب أو مظاهر دينية بعد موقف معين (مرض، حادث، عاطفة...). دون تدرج أو فهم، وغالبًا ما يترافق مع تشدد أو غلو دون الاهتداء بالعلماء الربانيين.

٥- التكلف في المظاهر الدينية: 

من مظاهر التدين بالحماس أحيانا: الاهتمام الزائد بالمظاهر (مثل شكل اللحية، اللباس، المصطلحات الدينية)، دون اهتمام بجوهر الأخلاق والسلوك؛ وهذه المظاهر تكون أحيانًا وسيلة للشعور بالتفوق على الآخرين، لا للتقرب إلى الله.

٦- نقل الفتاوى والآيات والأحاديث دون فهم

فنقل الفتاوى والأحكام الشرعية أمر خطير ودقيق لا يجوز التهاون فيه، ويحتاج إلى علم وتأهيل واختصاص، وليس كل من قرأ حديثًا أو آية أو سمع فتوى من شيخ يستطيع أن ينقلها أو يطبقها على الناس مباشرة دون فهم السياق والمقاصد والضوابط.

أما كثرة الاستشهاد بالنصوص الشرعية بشكل غير دقيق أو في غير موضعها، اعتمادًا على وسائل التواصل ومقاطع الفيديو القصيرة بدل الرجوع إلى العلماء أو أهل الاختصاص؛ فإنه يؤدي إلى مفاسد كثيرة.

٧-غياب التأصيل العلمي والتفقه

لا توجد قراءة مؤصلة في الفقه أو العقيدة أو السيرة أو أصول الدين او علوم الآلة، والاعتماد فقط على المشاعر أو كلام مؤثر سمعه من داعية ما.

٨. - ربط التدين بالأشخاص أو الجماعات

التعلق بشخصية معينة (داعية، شيخ، تيار)، بحيث إذا سقط أو غاب، سقط معه التدين، وهذا يعكس أن الإيمان لم يكن لله، بل لشخص أو لحالة نفسية أو اجتماعية.

اسباب التدين بالحماس

ظاهرة التدين بالحماس أو "التدين العاطفي" كثيرًا ما تبدأ من نية صادقة ورغبة حقيقية في التقرب إلى الله، لكنها تفتقر إلى التوازن بين العقل والعاطفة، وبين العلم والانفعال، وهذا ما يجعل هذا النوع من التدين عرضة للفتور، أو للغلو، أو للخطأ في الفهم والتطبيق.

إليك أهم أسباب التدين بالحماس:

 أولًا: الأسباب النفسية والشخصية:

١- الاندفاع العاطفي فقد يكون بسبب رغبة قوية في التوبة أو التغيير، خاصة بعد موقف مؤثر (وفاة، مرض، أزمة) وقد يتحول هذا الاندفاع إلى تشدد أو سلوك غير متزن.

٢- الشعور بالذنب أو التقصير فأحيانا يسعى الشخص للتكفير عن ذنوبه بتدين سريع ومبالغ فيه؛ لكن دون فهم صحيح لما يطلبه الله من العبد.

٣- الرغبة في الانتماء فيبحث بعض الشباب عن هوية أو "مجموعة ينتمي إليها"، فيجد في الدين مظهرًا لذلك، لكن دون تعمق أو تثبت.

ثانيًا: الأسباب المعرفية والفكرية:

١- قلة العلم الشرعي:

عدم وجود قاعدة علمية أو فهم صحيح للنصوص الشرعية، والاكتفاء بالسماع من مقاطع أو خطب مؤثرة دون دراسة منهجية.

٢- الخلط بين التدين الحقيقي والمظاهر:

فيظن أن التدين شكل خارجي فقط (مثل اللباس، الألفاظ، الحماس)، ويُهمل جوهر الدين: النية، الأخلاق، المعاملة، الثبات.

ثالثًا: الأسباب الاجتماعية والإعلامية:

التأثر بخطب أو دعاة عاطفيين الذين يخاطبون العاطفة فقط، دون توازن علمي؛ فيكون "الإقناع اللحظي" هو السبب، لا الفهم العميق.

رابعًا: الانتقال المفاجئ من الغفلة إلى التدين دون تهيئة نفسية أو علمية، فيقع في الإفراط ثم يملّ أو ينكسر، الإسلام يُربّي بالتدرج، كما ربّى النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة على مراحل.

خامسًا: الفهم مغلوط للدين:

كالاعتقاد أن الدين يجب أن يكون حماسيًا طوال الوقت فيظن أن الفتور يعني ضعف الإيمان، فيبالغ في السلوكيات لإبقاء الحماس، بينما الثبات والاعتدال هما علامة الإيمان الصحيح.

وجود هذه الظاهرة

تظهر غالبًا ظاهرة التدين بالحماس في:

-أوساط الشباب العائدين إلى الله دون مرافقة علمية أو تربوية، وكذلك الأوساط الشبابية التي تتأثر بخطاب انفعالي.

-بعض الأنشطة الدعوية المتعجلة التي تهتم بالشكل لا بالجوهر.

-على منصات التواصل الاجتماعي، حيث ينتشر خطاب الحماسة السطحية، ويغيب الخطاب المتزن العميق.

-البيئات التي يُربّى فيها الناس على "الاصطفاء الزائف" أو "نحن فقط على الحق" دون فهم تعددية الاجتهاد وضوابط الشريعة.

-المجتمعات ذات الاندفاع العاطفي الديني دون تأصيل علمي.

الرأي الشرعي

الإسلام دين وسطية وعلم وبصيرة، ينهى عن كل أشكال التطرف والغلو، ويأمر بالتوازن:

قال تعالى: {وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا} [البقرة: ١٤٣] إخبارٌ بكونهم عدولًا مزكَّين بالعلم والعمل ... وشُبِّه به كلُّ ما وقع بين طرفي إفراطٍ وتفريطٍ، كالجود بين السَّرَف والبخل، والشجاعةِ بين التهوُّر والجبن، ثم جُعل عبارةً عن المختار من كلِّ شيء، حتى قيل: فلان من أوسطهم نسبًا. [تفسير ابن كمال باشا ١/ ٣٣١]؛ فالوسطية هي منهج الإسلام في الاعتقاد والعمل.

وقد صنف البخاري بابًا في صحيحه تحت عنوان: بَاب: مَا يُكْرَهُ مِنَ التَّعَمُّقِ وَالتَّنَازُعِ فِي الْعِلْمِ، وَالْغُلُوِّ فِي الدِّينِ وَالْبِدَعِ.

لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يا أهل الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ} [النساء: ١٧١] [صحيح البخاري جـ٩ صـ٩٧ الطبعة السلطانية، بالمطبعة الكبرى الأميرية، ببولاق مصر، ١٣١١ هـ، بأمر السلطان عبد الحميد الثاني].

 وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الغلو والتشدد: فعن عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «هَلَكَ المُتَنَطِّعُونَ، هَلَكَ المُتَنَطِّعُونَ، هَلَكَ المُتَنَطعُونَ» [صحيح مسلم برقم ٢٦٧٠] أي المتشددون المتعمقون بلا علم.

وقال المازري: والمراد بالمُتَنَطِّعين المتعمقون فيما لا ينفع فيه التعمق وإن كان التعمق له مكانه، وله مجالاته، ولكن إن كان في الحقائق الناصعة فإنه يؤدي إلى خلاف المقصود [المعلم بفوائد مسلم١/ ١٢٨]

وقال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ »[رواه البخاري برقم ٣٩].

وعن ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ». [رواه النسائي برقم ٣٠٥٧]

وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «صِنْفَانِ مِنْ أُمَّتِي لَنْ تَنَالَهُمَا شَفَاعَتِي: إِمَامٌ ظَلُومٌ، وَكُلُّ غَالٍ مَارِقٍ» [رواه الطَّبَرَانِيُّ في الكَبِيرِ ج٢٠/٢١٣برقم٤٩٥]

وتدل الأحاديث السابقة على رفض الغلو والحث على التوازن في الدين.

وقد أشار العلماء إلى أن العمل بدون علم قد يكون أحيانًا أكثر ضررًا من التقصير، لأن صاحبه لا يشعر بالخلل، بل يظنه إصابة للحق.

نتائج تجنب هذه الظاهرة

من يلتزم بالعلم والاعتدال يُحقق:

-سلامة العقيدة والمنهج، كما قال تعالى: {فَسۡـَٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ} [النحل: ٤٣]

-الرحمة في التعامل، كما قال تعالى: {وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ} [آل عمران: ١٥٩]

-النجاة من الفتن والهوى، كما قال صلى الله عليه وسلم: «فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» [رواه أبو داود برقم ٤٦٠٧].

علاج هذه الظاهرة؟

علاج التدين بالحماس- أو التدين القائم على الانفعال العاطفي دون تأصيل علمي أو وعي تربوي – أمر مهم جدًا، لأنه إن تُرك دون توجيه، فقد يؤدي إلى الغلو، أو التقلب، أو ترك الدين بالكلية بسبب الفتور أو الصدمة، إليك أبرز وسائل العلاج الشرعي والتربوي والفكري لهذه الظاهرة:

١. طلب العلم الشرعي من مصادره الموثوقة، وعدم الاكتفاء بالمقاطع القصيرة والانطباعات الانفعالية.

٢. الصحبة الصالحة المعتدلة، التي تربي الإنسان على التوازن لا على العجلة.

٣. مرافقة العلماء والدعاة الحكماء، والتدرج في طلب العلم والعمل.

٤. فقه الواقع وفقه الأولويات، فليس كل منكر يُنكر بنفس الطريقة، ولا كل طاعة تُطبّق دفعة واحدة.

٥. استحضار الرحمة واللين في كل أمر: قال تعالى: {وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ} [آل عمران: ١٥٩]

وختامًا: التدين الصحيح نورٌ لا نار

فالحرص على طاعة الله نعمة عظيمة، لكن لا يكفي أن "تريد الخير"، بل لا بد أن "تفعل الخير كما أراد الله"، والدين علم وفهم وحكمة، قبل أن يكون حماسًا وهتافًا، ومن سلك طريق الوسطية والاعتدال، عاش الدين في قلبه وعقله وسلوكه، فكان نافعًا لنفسه ولأمته.

وقد رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "خيرُ الأمورِ أوسَطُها" [أخرجه البيهقي (٦١٧١)، والخطيب في (الجامع لأخلاق الراوي) (٨٨٥)].

موضوعات ذات صلة

شرعنة العنف تعني تبرير أو قبول استخدام القوة أو الإيذاء كوسيلة لحل النزاعات.

تعد ظاهرة شرعنة الفحش خطيرة لأنها تقدم صورة مشوهة عن الإسلام.

التحرش بجميع أنواعه - اللفظي والجسدي والإلكتروني - ظاهرة اجتماعية مقلقة.