من أبرز مظاهر التدين بالحماس
١-الغلو والتشدد:
قال تعالى:
{يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ
فِي دينكم} [النساء: ١٧١].
وأما
الغلو فهو المبالغة في الشيء والتشديد فيه بتجاوز الحد، وفيه معنى التعمق، يقال
غلا في الشيء يغلو غلوا وغلا السعر يغلو غلاء إذا جاوز العادة، والسهم يغلو غلوا
بفتح ثم سكون إذا بلغ غاية ما يرمى، وورد النهي عنه صريحًا فيما أخرجه النسائي،
وابن ماجه وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم من طريق أبي العالية، عن ابن عباس
قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر حديثا في حصى الرمي، وفيه: «إيّاكم
والغلوَّ في الدِّينِ، فإنما هَلَكَ مَنْ كَاَنَ قَبْلَكُمْ بِالْغُلوِّ في الدِّينِ»
[رواه
النسائي
٣٠٥٧]
[فتح
الباري لابن حجر (١٣/ ٢٧٨ ط السلفية):
وقال تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم: {وَيَضَعُ
عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا
بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ
هُمُ الْمُفْلِحُونَ}
[الأعراف:١٥٧]، "أَي ويخفف عنهم ما ثقل عليهم من التكاليف الشاقة
كتعيين القصاص في القتل العمد والخطأ من غير شرع الدية، وكقطع الأَعضاء الخاطئة
وإِحراق الغنائم.
{وَٱلۡأَغۡلَٰلَ
ٱلَّتِي كَانَتۡ عَلَيۡهِمۡۚ}: أَي ويخفف عنهم كذلك الشروط المحرمة والمواثيق الشديدة
التي كانت في شريعة موسى عليه السلام لتناسب ظلم بنى إِسرائيل وطغيانهم وغلوهم في
الفساد والضلال.
والأَغلال جمع غُل وهو في الأَصل ما يوضع في العنق أَو
اليد من الحديد يستعار للمواثيق الشديدة والتكاليف الشاقة." «التفسير الوسيط - مجمع البحوث ٣/ ١٥٢٤]
٢-العجلة والتهور:
والعَجَلَة
والتهوّر من الصفات المذمومة شرعًا وعقلاً، وقد
نهى الإسلام عنهما لما فيهما من آثار سلبية على الفرد والمجتمع. فالمسلم مأمور
بالتثبّت، والتفكير قبل اتخاذ القرار، والتحلّي بالحكمة والروي.
قال تعالى: {وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ
عَجُولٗا}
[الإسراء: ١١]
والعَجلَةُ: طلبُ الشَّيء
قبلَ وقته الذي ينبغي أن يقعَ فيه، والسُّرعةُ: عملُ الشَّيء في أوَّلِ وقته. [تفسير ابن كمال باشا ٦/ ١٣٣]
وجاءت هذه الآية لتبين أَن الإنسان لم يراع مصلحة نفسه
حيث يطلب الشر ويتعجله بدل الخير، والمراد بالإنسان الجنس، وقد أُسند إليه حال بعض
أفراده وهو الكافر والعاصي، أو حاله بصفة عامه في بعض أَحيانه. [التفسير الوسيط - مجمع البحوث ٥/ ٧٢٧]
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، رضي الله عنه
قَالَ: " كَيْفَ بِكُمْ إِذَا لَبِسَتْكُمْ فِتْنَةٌ
يَهْرَمُ فِيهَا الْكَبِيرُ، وَيَرْبُو فِيهَا الصَّغِيرُ، وَيَتَّخِذُهَا
النَّاسُ دِينًا، فَإِذَا غُيِّرَتْ قَالُوا: هَذَا مُنْكَرٌ؟ قِيلَ: وَمَتَى ذَاكَ؟،
قَالَ: إِذَا كَثُرَتْ أُمَرَاؤُكُمْ، وَقَلَّتْ أُمَنَاؤُكُمْ، وَكَثُرَتْ
خُطَبَاؤُكُمْ، وَقَلَّتْ فُقَهَاؤُكُمْ، وَتُفُقِّهَ لِغَيْرِ الدِّينِ،
وَالْتُمِسَتِ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الْآخِرَةِ " [مسند الدارمي جـ١ صـ٢٧٨حديث ١٩١باب تغير
الزمان وما يحدث فيه]
٣-سوء الظن وسرعة التكفير والتبديع:
قال صلى الله
عليه وسلم: «إذا قال الرَّجُلُ لأخيه: يا كافِرُ، فقد باءَ بها أحَدُهما»
[أخرجه
البخاري (٦١٠٤) ، ومسلم (٦٠) باختلاف يسير من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما]، فالتدين غير المتوازن القائم على العاطفة والانفعال دون
علم أو فهم ـ يمكن أن يؤدي بصاحبه إلى التكفير بغير حق، وسوء الظن بالناس واتهام
نياتهم، والتشدد والتنفير من الدين.
٤- الاندفاع
المفاجئ للتدين: التزام
مفاجئ بالصلاة أو الحجاب أو مظاهر دينية بعد موقف معين (مرض، حادث، عاطفة...). دون تدرج أو فهم، وغالبًا ما يترافق مع تشدد
أو غلو دون الاهتداء بالعلماء الربانيين.
٥-
التكلف في المظاهر الدينية:
من مظاهر التدين بالحماس أحيانا: الاهتمام
الزائد بالمظاهر (مثل شكل اللحية، اللباس، المصطلحات الدينية)، دون اهتمام بجوهر
الأخلاق والسلوك؛ وهذه المظاهر تكون أحيانًا وسيلة للشعور بالتفوق على
الآخرين، لا للتقرب إلى الله.
٦- نقل
الفتاوى والآيات والأحاديث دون فهم
فنقل
الفتاوى والأحكام الشرعية أمر خطير ودقيق لا يجوز التهاون فيه، ويحتاج إلى علم
وتأهيل واختصاص، وليس كل من قرأ حديثًا أو آية أو سمع فتوى من شيخ يستطيع أن
ينقلها أو يطبقها على الناس مباشرة دون فهم السياق والمقاصد والضوابط.
أما
كثرة الاستشهاد بالنصوص الشرعية بشكل غير دقيق أو في غير موضعها، اعتمادًا على وسائل
التواصل ومقاطع الفيديو القصيرة بدل الرجوع إلى العلماء أو أهل الاختصاص؛ فإنه يؤدي إلى مفاسد كثيرة.
٧-غياب
التأصيل العلمي والتفقه
لا
توجد قراءة مؤصلة في الفقه أو العقيدة أو السيرة أو أصول الدين او علوم الآلة، والاعتماد
فقط على المشاعر أو كلام مؤثر سمعه من داعية ما.
٨. - ربط
التدين بالأشخاص أو الجماعات
التعلق
بشخصية معينة (داعية، شيخ، تيار)، بحيث إذا سقط أو غاب، سقط معه التدين، وهذا يعكس أن الإيمان
لم يكن لله، بل لشخص أو لحالة نفسية أو اجتماعية.