إن مواجهة
التنمر الإلكتروني لا تقتصر على سنِّ القوانين والتشريعات التقنية، بل تتطلب أيضًا
تأصيلًا أخلاقيًّا وشرعيًّا يربط السلوك الرقمي برقابة الله تعالى، ويغرس في النفوس
الشعور بالمسؤولية والمحاسبة؛ فالإسلام لم يفرق بين الأذى الواقع بالمواجهة المباشرة،
والأذى الذي يُمارس عبر الوسائط الرقمية، فكلاهما اعتداء محرم على كرامة الإنسان وحقوقه.
- النهي القاطع عن السخرية واللمز: وضع القرآن الكريم قواعد راسخة لحماية كرامة
الإنسان وصيانة مشاعره من كل صور الأذى اللفظي، وهو ما يدخل فيه التنمر الإلكتروني
بجميع أشكاله، قال تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا یَسۡخَرۡ قَوۡمࣱ
مِّن قَوۡمٍ عَسَىٰۤ أَن یَكُونُوا۟ خَیۡرࣰا مِّنۡهُمۡ وَلَا نِسَاۤءࣱ مِّن
نِّسَاۤءٍ عَسَىٰۤ أَن یَكُنَّ خَیۡرࣰا مِّنۡهُنَّۖ وَلَا تَلۡمِزُوۤا۟
أَنفُسَكُمۡ وَلَا تَنَابَزُوا۟ بِٱلۡأَلۡقَٰبِۖ بِئۡسَ ٱلِٱسۡمُ ٱلۡفُسُوقُ
بَعۡدَ ٱلۡإِیمَٰنِۚ وَمَن لَّمۡ یَتُبۡ فَأُو۟لَٰۤئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ [الحجرات:
١١].
قال الطبري: عن مجاهد ﴿لَا یَسۡخَرۡ قَوۡمࣱ مِّن قَوۡمٍ﴾ قال: لا يهزأ قوم بقوم،
أن يسأل رجل فقير غنيًّا، أو فقيرًا، وإن تّفضّلَ رجل عليه بشيء فلا يستهزئ به، وقال آخرون: بل ذلك نهي من الله من ستر عليه من أهل
الإيمان، أن يسخر ممن كشف في الدنيا ستره منهم [الطبري، جامع البيان
٢٢ / ٢٩٧].
وهذا
يدل على أن السخرية والاستهزاء والانتقاص من الناس محرمة، سواء وقعت بالمشافهة أو عبر
وسائل التواصل الحديثة.
- حرمة الأعراض: جعل الإسلام أعراض الناس مصونة كدمائهم وأموالهم، فلا يجوز الطعن فيهم
أو التشهير بهم أو الإساءة إلى سمعتهم بأي وسيلة، ومن ذلك: النشر عبر الإنترنت.
وقد
قال النبي – صلى الله عليه وسلم - في خطبة الوداع: «إنَّ دِمَاءَكُمْ
وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذا،
في بَلَدِكُمْ هذا، في شَهْرِكُمْ هذا» [البخاري،
الصحيح (١٧٣٩) من حديث سيدنا عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-].
- الكلمة أمانة ومسؤولية: كل ما يكتبه الإنسان أو ينشره عبر الوسائط الرقمية مسجل عليه،
وسيحاسب عليه بين يدي الله تعالى، قال سبحانه: ﴿مَّا یَلۡفِظُ
مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَیۡهِ رَقِیبٌ عَتِیدࣱ﴾ [ق:
١٨]
وقال النبي صلى
الله عليه وسلم: «المُسْلِمُ مَن سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِن
لِسَانِهِ وَيَدِهِ» [البخاري، الصحيح (٩) من حديث سيدنا عبد
الله بن عمرو بن العاص -رضي
الله عنهما-].
ويدخل في معنى
اللسان في عصرنا كل وسيلة يُعبِّر بها الإنسان عن كلامه، كمنشوراته وتعليقاته ورسائله
الإلكترونية؛ إذ المقصود هو كف الأذى عن الناس، مهما اختلفت وسيلة التعبير.
وعليه، فإن إعادة
نشر المحتوى الساخر، أو التعليق المؤيد له، أو التفاعل معه بما يسهم في انتشاره، يُعدُ
مشاركة في الإثم، وإعانة على الأذى، بينما يأمر الإسلام بدفع الظلم، وحماية كرامة الإنسان،
وعدم الإعانة على الاعتداء بأي صورة من صوره.