وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
التجسس: هو التفتيش عن بواطن الأمور الخفية والمسكوت عنها، وغالبًا ما يُستعمل هذا المصطلح في السياقات السلبية، كمن يتتبع عورات الناس ويكشف أسرارهم، ولهذا قال أهل اللغة: "التجسس: التفتيش عن بواطن الأمور، وأكثر ما يقال في الشر" [لسان العرب (٦/ ٣٨) النهاية في غريب الحديث (١/ ٢٧٢)] وهذه العبارة تحمل في طياتها تحذيرًا عميقًا من الانزلاق إلى هاوية الفضول المؤذي، الذي لا يبني مجتمعًا قائمًا على اليقين، بل يهدم ما بنته الثقة والمودة.
هنا يظهر الإعجاز والدقة في لغة القرآن الكريم، فكثير من الناس يخلط بين التجسس بالجيم، والتحسس بالحاء، وقد فرق العلماء بينهما تفريقًا بليغًا في المعنى والقصد، فقالوا:
التجسس: هو طلب الخبر لغيره، أو البحث عما يُكتم عنك من عيوب وأسرار بقصد الإضرار غالبًا، وهو عمل مذموم ينم عن سوء الطوية.
والتحسس: هو طلب الخبر لنفسك، أو الاستعلام عن أمر يخصك بطرق مشروعة، كالتحقق من مصلحة أو خير. [انظر: النهاية في غريب الحديث (١/ ٢٧٢)، الكليات للكفوي (ص٣٠٣)] وقد جاء في كتاب الله على لسان سيدنا يعقوب عليه السلام: ﴿ٱذۡهَبُوا۟ فَتَحَسَّسُوا۟ مِن یُوسُفَ وَأَخِیهِ﴾ [يوسف: ٨٧].
وبذلك نجد أن الأئمة قد لخصوا الفرق بأن التجسس يغلب استعماله في الشر، بينما التحسس يكون غالبًا في الخير، إلا أن الشرع نهى عنهما معًا في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «وَلَا تَجَسَّسُوا، وَلَا تَحَسَّسُوا» [أخرجه البخاري (٦٠٦٤) ومسلم (٢٥٦٣) من حديث أبي هريرة]؛ لئلا يصبح التحسس ذريعة للتطفل على خصوصيات الناس من غير حاجة شرعية.
جاء النهي صريحًا وقاطعًا في القرآن الكريم، فكانت الآية جامعة لثلاثة أمراض خطيرة تبدأ في القلب وتنتهي على اللسان: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ٱجۡتَنِبُوا۟ كَثِیرࣰا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعۡضَ ٱلظَّنِّ إِثۡمࣱۖ وَلَا تَجَسَّسُوا۟ وَلَا یَغۡتَب بَّعۡضُكُم بَعۡضًاۚ﴾ [الحجرات: ١٢].
وفي السنة النبوية تأكيد عجيب على تحريم هذا الخُلق الذميم، فقد قرن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بينه وبين أمراض القلوب والأخوة الإيمانية: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ؛ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَجَسَّسُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا» [أخرجه البخاري (٦٠٦٤) ومسلم (٢٥٦٣) من حديث أبي هريرة] فكأنما يقول لنا: لا يمكن أن تجتمع أخوة صادقة مع تتبع للعورات.
وتتبع عورات الناس سبب في فضح صاحبه، فعن أبي بَرْزَة الأسلميِّ - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلِ الْإِيمَانُ قَلْبَهُ، لَا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ؛ فَإِنَّهُ مَنِ اتَّبَعَ عَوْرَاتِهِمْ يَتَّبِعُ اللهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَتَّبِعِ اللهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ فِي بَيْتِهِ» [أخرجه أبو داود (٤٨٨٠)].
من أروع المواقف التي ترسخ هذا الأدب النبوي، ما روي عن الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين كان يتفقد أحوال الرعية ليلًا، فعن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: "أنه حرس ليلة مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه فبينا هم يمشون شبَّ لهم سراج في بيت، فانطلقوا يؤمونه، حتى إذا دنوا منه إذا باب مُجافٌ على قوم لهم فيه أصواتٌ مرتفعةٌ ولغط، فقال عمر وأخذ بيد عبد الرحمن: أتدري بيت من هذا؟ قال: قلت: لا، قال: هو ربيعة بن أمية بن خلف وَهُمُ الْآنَ شَرْبٌ، فما ترى؟ قال عبد الرحمن: أرى قد أتينا ما نهانا الله عنه، نهانا الله فقال: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا۟﴾ [الحجرات: ١٢] فقد تجسسنا، فانصرف عنهم عمر وتركهم" [أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٨٩٤٣)]، وقد أُتِي ابنُ مسعود رضي الله عنه، فقيل: هذا فلان تقطُر لحيته خمرًا، فقال عبد الله: "إنَّا قد نُهينا عن التجسس، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به" [أخرجه أبو داود (٤٨٩٠)]، فهذه المواقف ليست مجرد حكاية، بل هي منهج تربوي يبين أن الأصل في المجتمع هو الستر لا التشهير.
إن للتجسس مضارَّ خطيرة تهدم الفرد والمجتمع، ومنها:
دليل على فساد القلب: فالنفس المطمئنة لا تتلذذ بتعقب عيوب الآخرين، وهو دليل على ضعف الإيمان وسوء الظن.
هدم النسيج الاجتماعي: يورث البغضاء والشحناء ويمزق المودة، ويجرئ الناس على التعدي على الحرمات.
العقوبة الربانية والفضيحة: يؤدي إلى الفضيحة والهوان كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم.
إن الغاية من النهي عن التجسس هي حفظ الميزان الأخلاقي للمجتمع، فالمطلوب منا شرعًا هو حفظ الأسرار والتغاضي عن الزلات، لا تقصي العورات، فلنكن حراسًا على قلوبنا وأعيننا وألسنتنا، لنسود بالستر والرحمة، ونستحق ستر الله ورعايته في الدنيا والآخرة.
احترام الخصوصيات مبدأ شرعي وأخلاقي يحمي المجتمع من التمزق، ويضمن استمرارية العلاقات على أساس الثقة والاحترام.
الإسلام جعل الخصوصية حقًّا مقدسًا يحفظ كرامة الإنسان، وقد نهى القرآن عن التجسس وأمر بالاستئذان صونًا لحرمة الآخرين.
تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى بوابتنا نحو العالم، الأمر الذي يحتاج المحافظة على هويتنا واستغلال أوقاتنا بطريقة بناءة ومثمرة.
في عالمٍ تتسارع فيه الأحكام، وتُفسَّر فيه النيات قبل الأفعال، يغيب عن كثيرين أن السرائر لا يعلمها إلا الله.
الفهم الصحيح للإسلام هو الحصن الأقوى ضد داء الغلو والتطرف.