Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

مخاطر التنمر الإلكتروني والموقف الأخلاقي والشرعي منه

الكاتب

هيئة التحرير

مخاطر التنمر الإلكتروني والموقف الأخلاقي والشرعي منه

أتاح الفضاء الرقمي لبعض ضعاف النفوس استخدام التقنية للإساءة إلى الآخرين عبر السخرية، أو الإهانة، أو التشهير، أو نشر الشائعات، وهي ممارسات تتعارض مع القيم الإنسانية، وتخالف تعاليم الإسلام التي جعلت صيانة الكرامة الإنسانية، وحفظ العرض، وكف الأذى عن الناس من أعظم الواجبات الأخلاقية والشرعية؛ ومن هنا تبرز الحاجة إلى ترسيخ ثقافة المسؤولية الرقمية، وتعزيز الوعي بأخلاقيات استخدام وسائل التواصل، وبناء بيئة إلكترونية يسودها الاحترام والتراحم... فما مخاطر التنمر الإلكتروني على الفرد والمجتمع، وما الموقف الأخلاقي والشرعي منه، وكيف يمكن الوقاية من آثاره؟

مفهوم التنمر الإلكتروني

التنمر الإلكتروني هو سلوكٌ منحرف يُمارَس عبر الوسائل الرقمية، كمنصات التواصل الاجتماعي، وتطبيقات المراسلة، والبريد الإلكتروني، والألعاب الإلكترونية، ويقوم على تعمُّد إيذاء الآخرين نفسيًّا أو معنويًا، بالسخرية منهم، أو تهديدهم، أو التشهير بهم، أو نشر الشائعات والإساءات بحقهم، مستغلًّا ما تتيحه البيئة الرقمية من سرعة الانتشار، وسهولة الوصول إلى الضحايا، وإمكان التخفي وراء الحسابات الوهمية.

ولا ينشأ هذا السلوك المنحرف من فراغ، وإنما هو نتاج تفاعل عوامل نفسية واجتماعية وتقنية، ومن أبرزها: وهم التخفي، إذ تتيح البيئة الرقمية لبعض المستخدمين إنشاء حسابات وهمية أو إخفاء هوياتهم، فيتوهم المتنمر أنه بمنأى عن المساءلة والعقاب، مما يشجعه على الإساءة إلى الآخرين.

غير أن هذا الوهم يتعارض مع حقيقة الإيمان، فالمؤمن يستحضر دائمًا أن الله تعالى مطلع على السر والعلن، لا تخفى عليه خافية، قال تعالى: ﴿یَسۡتَخۡفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلَا یَسۡتَخۡفُونَ مِنَ ٱللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمۡ إِذۡ یُبَیِّتُونَ مَا لَا یَرۡضَىٰ مِنَ ٱلۡقَوۡلِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا یَعۡمَلُونَ مُحِیطًا﴾ [النساء: ١٠٨].

وقال القرطبي: أَيْ يَسْتَتِرُونَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنۡ هُوَ مُسۡتَخۡفِۭ بِٱلَّیۡلِ﴾ [الرعد: ١٠] أَيْ: مُسْتَتِرٍ، وَقِيلَ: يَسْتَحْيُونَ مِنَ النَّاسِ، وَهَذَا لِأَنَّ الِاسْتِحْيَاءَ سَبَبُ الِاسْتِتَارِ، وَمَعْنَى ﴿وَهُوَ مَعَهُمۡ﴾ أَيْ: بِالْعِلْمِ وَالرُّؤْيَةِ وَالسَّمْعِ [القرطبي: الجامع لأحكام القرآن ٥/ ٣٧٩].

ومن ثم فإن التخفي خلف الشاشات لا يرفع المسؤولية الأخلاقية ولا الشرعية، بل يزيدها؛ لأن الله تعالى مطلع على الظاهر والباطن، وسيحاسب الإنسان على أقواله وأفعاله، سواء صدرت في الواقع أو عبر الوسائط الرقمية.

أسباب التنمر الإلكتروني

  • غياب الردع الفوري: في كثير من حالات التنمر الواقعي، يرى المعتدي الآثار المباشرة لسلوكه، كدموع الضحية أو تأثرها النفسي، مما قد يوقظ لديه الشعور بالندم أو يدفعه إلى التراجع عن إساءته.

أما في البيئة الرقمية، فتقل المواجهة المباشرة، ويغيب التفاعل الإنساني المباشر، فيضعف شعور المتنمر بالذنب، ويزداد جرأة على الاستمرار في الإساءة.

  • البنية النفسية للمتنمر: قد تدفع بعض الاضطرابات أو الدوافع النفسية أصحابها إلى ممارسة التنمر الإلكتروني ومن أبرزها: تدني تقدير الذات، أو الرغبة في فرض السيطرة على الآخرين، أو الشعور بالكبر والغرور واحتقار الناس.

وقد حذر النبي -صلى الله عليه وسلم- من هذا السلوك، فقال: «الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ» [مسلم الصحيح (١٤٧) من حديث سيدنا عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه]، أي: ردُّ الحق واحتقار الناس.

وقال الجاحظ: "الكبر هو استعظام الإنسان نفسه، واستحسان ما فيه من الفضائل، والاستهانة بالناس واستصغارهم، والترفع على من يجب التواضع له" [الجاحظ، تهذيب الأخلاق، ص٣٢].

ومن ثم، فإن الكبر واحتقار الآخرين من أهم الدوافع التي تغذي سلوك التنمر؛ إذ يحملان صاحبه على ازدراء الناس، والإساءة إليهم، والتلذذ بإلحاق الأذى النفسي بهم.

مخاطر التنمر الإلكتروني

لا تقتصر آثار التنمر الإلكتروني على الكلمات المسيئة التي تُنشر عبر الشاشات، بل تمتد إلى آثار نفسية واجتماعية وتعليمية قد تلازم الضحية فترة طويلة، فتؤثر في استقرارها النفسي، وعلاقاتها الاجتماعية، ومستواها الدراسي أو المهني.

وقد أكدت الدراسات والإحصاءات المحلية والعالمية حجم هذه الظاهرة وخطورة آثارها، ومن آهم آثارها ما يلي:

  • معدل انتشار الظاهرة عالميًّا: في استطلاع أجرته الأمم المتحدة، أفاد واحد من كل ثلاثة شبان في ثلاثين دولة بأنه تعرض للتنمر عبر الإنترنت، كما أشار شاب أو شابة من كل خمسة إلى أنه اضطر إلى التغيب عن المدرسة؛ بسبب التنمر الإلكتروني، وهو ما تؤكده أيضًا دراسة دولية صادرة عن منظمة اليونسكو (UNESCO).
  • الأثر النفسي والجسدي: يخلِّف التنمر الإلكتروني آثارًا نفسية وجسدية بالغة الخطورة؛ إذ يؤدي إلى ضعف الثقة بالنفس، والقلق، والاكتئاب، والعزلة الاجتماعية، وقد يمتد أثره إلى اضطرابات النوم والطعام، وغيرها من المشكلات الصحية الناتجة عن الضغوط النفسية المستمرة.

وقد أكدت منظمة الصحة العالمية أن جائحة كوفيد-١٩ غيَّرت أنماط تعرض المراهقين للمضايقات، مع تزايد التنمر عبر الإنترنت. وأظهرت إحدى الدراسات أن ١٥% من الفتيان و١٦% من الفتيات تعرضوا للمضايقة الإلكترونية مرة واحدة على الأقل خلال الأشهر السابقة، كما أقرَّ مراهق واحد من كل ثمانية بتعرضه للتنمر عبر الإنترنت، وهي نسبة ارتفعت بثلاث نقاط مئوية مقارنة بعام ٢٠١٨م.

كما أوضحت الدراسة أن التعرض للمضايقات عبر الإنترنت يبلغ ذروته في سن الحادية عشرة لدى الفتيان، وفي سن الثالثة عشرة لدى الفتيات في معظم البلدان، وهو ما يؤكد أهمية توجيه برامج التوعية والوقاية إلى هذه الفئات العمرية، وتعزيز دور الأسرة والمدرسة في حمايتها.

وشملت الدراسة ٢٧٩ ألف طفل ومراهق من ٤٤ دولة ومنطقة في أوروبا وآسيا الوسطى وكندا، وانتهت إلى التأكيد على الحاجة الملحة إلى توعية الشباب والأسر والمدارس بمخاطر التنمر الإلكتروني، وسنِّ تشريعات تنظم استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، للحد من هذه الظاهرة، وما يترتب عليها من آثار نفسية وجسدية خطيرة.

الموقف الأخلاقي والشرعي من التنمر الإلكتروني

إن مواجهة التنمر الإلكتروني لا تقتصر على سنِّ القوانين والتشريعات التقنية، بل تتطلب أيضًا تأصيلًا أخلاقيًّا وشرعيًّا يربط السلوك الرقمي برقابة الله تعالى، ويغرس في النفوس الشعور بالمسؤولية والمحاسبة؛ فالإسلام لم يفرق بين الأذى الواقع بالمواجهة المباشرة، والأذى الذي يُمارس عبر الوسائط الرقمية، فكلاهما اعتداء محرم على كرامة الإنسان وحقوقه.

  • النهي القاطع عن السخرية واللمز: وضع القرآن الكريم قواعد راسخة لحماية كرامة الإنسان وصيانة مشاعره من كل صور الأذى اللفظي، وهو ما يدخل فيه التنمر الإلكتروني بجميع أشكاله، قال تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا یَسۡخَرۡ قَوۡمࣱ مِّن قَوۡمٍ عَسَىٰۤ أَن یَكُونُوا۟ خَیۡرࣰا مِّنۡهُمۡ وَلَا نِسَاۤءࣱ مِّن نِّسَاۤءٍ عَسَىٰۤ أَن یَكُنَّ خَیۡرࣰا مِّنۡهُنَّۖ وَلَا تَلۡمِزُوۤا۟ أَنفُسَكُمۡ وَلَا تَنَابَزُوا۟ بِٱلۡأَلۡقَٰبِۖ بِئۡسَ ٱلِٱسۡمُ ٱلۡفُسُوقُ بَعۡدَ ٱلۡإِیمَٰنِۚ وَمَن لَّمۡ یَتُبۡ فَأُو۟لَٰۤئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١].

قال الطبري: عن مجاهد ﴿لَا یَسۡخَرۡ قَوۡمࣱ مِّن قَوۡمٍ﴾ قال: لا يهزأ قوم بقوم، أن يسأل رجل فقير غنيًّا، أو فقيرًا، وإن تّفضّلَ رجل عليه بشيء فلا يستهزئ به، وقال آخرون: بل ذلك نهي من الله من ستر عليه من أهل الإيمان، أن يسخر ممن كشف في الدنيا ستره منهم [الطبري، جامع البيان ٢٢ / ٢٩٧].

وهذا يدل على أن السخرية والاستهزاء والانتقاص من الناس محرمة، سواء وقعت بالمشافهة أو عبر وسائل التواصل الحديثة.

  • حرمة الأعراض: جعل الإسلام أعراض الناس مصونة كدمائهم وأموالهم، فلا يجوز الطعن فيهم أو التشهير بهم أو الإساءة إلى سمعتهم بأي وسيلة، ومن ذلك: النشر عبر الإنترنت.

وقد قال النبي – صلى الله عليه وسلم - في خطبة الوداع: «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذا، في بَلَدِكُمْ هذا، في شَهْرِكُمْ هذا» [البخاري، الصحيح (١٧٣٩) من حديث سيدنا عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-].

  • الكلمة أمانة ومسؤولية: كل ما يكتبه الإنسان أو ينشره عبر الوسائط الرقمية مسجل عليه، وسيحاسب عليه بين يدي الله تعالى، قال سبحانه: ﴿مَّا یَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَیۡهِ رَقِیبٌ عَتِیدࣱ﴾ [ق: ١٨]

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «المُسْلِمُ مَن سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِن لِسَانِهِ وَيَدِهِ» [البخاري، الصحيح (٩) من حديث سيدنا عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما-].

ويدخل في معنى اللسان في عصرنا كل وسيلة يُعبِّر بها الإنسان عن كلامه، كمنشوراته وتعليقاته ورسائله الإلكترونية؛ إذ المقصود هو كف الأذى عن الناس، مهما اختلفت وسيلة التعبير.

وعليه، فإن إعادة نشر المحتوى الساخر، أو التعليق المؤيد له، أو التفاعل معه بما يسهم في انتشاره، يُعدُ مشاركة في الإثم، وإعانة على الأذى، بينما يأمر الإسلام بدفع الظلم، وحماية كرامة الإنسان، وعدم الإعانة على الاعتداء بأي صورة من صوره.

الخلاصة

إن مواجهة التنمر الإلكتروني مسؤولية مشتركة، لا تتحقق بالقوانين والتشريعات وحدها، وإنما تتطلب ترسيخ الوازع الديني، وتعزيز القيم الأخلاقية، ونشر ثقافة المواطنة الرقمية المسؤولة، فوسائل التواصل نعمة إذا استُخدمت في الخير، ونقمة إذا تحولت إلى وسيلة للإساءة إلى الآخرين وانتهاك كرامتهم؛ ومن ثم، فإن على كل مستخدم لهذه الوسائل أن يستشعر رقابة الله تعالى، وأن يدرك أن كل كلمة يكتبها أو ينشرها مسؤول عنها أمام الله عزو جل، وأن يجعل من حضوره الرقمي وسيلةً لنشر الخير، وبناء جسور الاحترام والتعاون، لا للإساءة والتنمر وإيذاء الآخرين.

موضوعات ذات صلة

الشائعات تؤذي الأبرياء وتفكك المجتمعات وتغرس الفتن

ظاهرة التنمر من أبرز التحديات التي تواجه المجتمعات الحديثة

شاهد خطر إدمان السوشيال ميديا

تحولت بعض العلاقات الزوجية إلى "محتوى" يُعرض على منصات التواصل الاجتماعي

 جاءت الشريعة لتصون كيان المجتمع من الداخل، فوضعت سياجًا أخلاقيًّا متينًا يحفظ على الناس كرامتهم وخصوصياتهم