وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
الحياء في الإسلام ليس مجرد خجلٍ عابر أو انطواء، وإنما هو خُلُقٌ رفيع يدفع الإنسان إلى اجتناب القبيح وفعل الجميل، ولذلك جعله النبي -صلى الله عليه وسلم- جزءًا أصيلًا من الإيمان حين قال: «الْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ» [أخرجه أحمد في مسنده برقم ٩٧١٠- وابن ماجه برقم ٥٨].
كما دعا المؤمنين إلى تعظيم هذا الخلق بقوله: «اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الحَيَاءِ» [أخرجه الطبراني في معجمه الكبير برقم ٣١٩٢- والترمذي في سننه برقم ٢٤٥٨]؛ أي استشعروا مراقبة الله لكم في السر والعلن، واحفظوا الجوارح عن كل ما لا يرضيه.
والخطأ الذي يقع فيه بعض الناس أنهم يتصورون أن العالم الرقمي عالم منفصل عن القيم والأخلاق، فيسمحون لأنفسهم أن يقولوا أو يفعلوا ما لا يجرؤون عليه في الواقع.
لكن الحقيقة أن اختلاف الوسائل لا يعني تغير المبادئ؛ فما كان قبيحًا في المجالس الواقعية يبقى قبيحًا على صفحات التواصل الاجتماعي، وما كان محرمًا في الحياة اليومية يظل محرمًا خلف شاشات الهواتف.
ولهذا جاء التحذير النبوي البليغ: «إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ» [رواه البخاري برقم ٥٧٦٩- وأحمد في مسنده برقم١٧٠٩٩]، أي إن فقدان الحياء يفتح الباب أمام كل صور الانفلات والتجاوز.
إن المسلم يستشعر دائمًا أن الله مطلع عليه في كل زمان ومكان، وأن الضغط على زر (إرسال) لا يعفيه من المسؤولية، وأن ما يكتبه في الفضاء الإلكتروني يدخل في عموم قوله تعالى: ﴿مَّا یَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَیۡهِ رَقِیبٌ عَتِیدࣱ﴾ [ق: ١٨]
ومن هنا يصبح الحياء الرقمي امتدادًا طبيعيًا للحياء في الحياة كلها، فيراقب الإنسان كلماته وصُوره وتعليقاته، ويجعل من حيائه من الله رقيبًا دائمًا على حضوره الإلكتروني.
أفرزت وسائل التواصل الحديثة صورًا متعددة من ضعف الحياء، من أبرزها التوسع في نشر الخصوصيات والأسرار الشخصية، حتى تحولت حياة بعض الناس إلى صفحات مفتوحة لا تكاد تعرف حدودًا بين الخاص والعام.
ومن مظاهر ذلك أيضًا استخدام الألفاظ الجارحة والتنمر الإلكتروني، إذ يختبئ البعض خلف أسماء مستعارة أو شاشات بعيدة فيطلقون الشتائم ويسخرون من الآخرين، متناسين أن الكلمة قد تجرح النفوس، وتدمر حياة أصحابها.
كما أدى السعي وراء الشهرة والإعجابات إلى تقديم محتويات مبتذلة تتنافى مع القيم والأخلاق، وأصبح بعض الناس يقيس نجاحه بعدد المتابعين، ولو كان الثمن التفريط في الحياء والوقار.
ومن أخطر المظاهر كذلك الجرأة على المعاصي بسبب الشعور بالخفاء، فالإنسان قد يستحي من ارتكاب بعض التصرفات أمام الناس، لكنه يقدم عليها عندما يظن أنه وحده أمام شاشة هاتفه، ناسيًا أن نظر الله إليه لا تحجبه الجدران ولا الشاشات.
إن أعظم ما يحفظ الأخلاق في العصر الرقمي هو استحضار رقابة الله تعالى، فالرقابة البشرية قد تغيب، والقوانين قد تعجز عن تتبع كل ما ينشر، أما رقابة الله فلا تغيب أبدًا.
والحياء من الله يقتضي أن يسأل الإنسان نفسه قبل كل منشور أو تعليق: هل يرضى الله عن هذا الكلام؟ وهل أقبل أن ألقى الله وقد كتبتُ هذه الكلمات أو نشرتُ هذه الصور؟
إن الفضاء الإلكتروني يترك للإنسان أثرًا دائمًا يعرف اليوم بـ(البصمة الرقمية)، فقد تُحذف المنشورات من الحسابات لكنها تبقى محفوظة في أماكن أخرى، وقد تعود بعد سنوات؛ لتؤثر في سمعة صاحبها ومستقبله.
وإذا كان الإنسان يخشى أثرها في الدنيا، فإن عليه أن يخشى قبل ذلك أثرها في صحيفته يوم القيامة.
ولهذا فإن الحياء لا يمنع الإنسان من استخدام التقنية، بل يجعله يستخدمها في الخير؛ فينشر علمًا نافعًا، أو كلمة طيبة، أو نصيحة صادقة، أو يدافع عن قيمة من القيم، فيتحول العالم الرقمي إلى ساحة للبناء لا للهدم.
إن المحافظة على خُلق الحياء في العصر الرقمي تحتاج إلى جهد تربوي متواصل يبدأ من الأسرة والمدرسة والمؤسسات الدينية والإعلامية.
ومن أهم وسائل غرس الحياء الرقمي:
إن الحياء قيمة خالدة تزداد الحاجة إليها في عصر المنصات الرقمية واتساع وسائل التواصل، وقد منحت هذه التقنية الإنسان قدرةً كبيرة على التأثير، لكنها حمّلته في الوقت نفسه مسؤولية أخلاقية أعظم.
فأي أثر نريد أن يبقى لنا في العالم الرقمي؟
الاستحياء الذي هو من الحياء بمعنى الخجل والاحتشام
(الأخلاق) وصيغ أخرى تنبثق منهما: وصفًا لفكر الإنسان وسلوكه دون غيره من المخلوقات
إن جوهر التنمر الإلكتروني يكمن في الإيذاء المتعمد والمتكرر للآخرين عبر الوسائل الرقمية
إِنَّ الحَيَاءَ شَمْسُ الأَخْلَاقِ وَنِبْرَاسُهَا، ودُرَّةُ القِيَمِ وَتَاجُهَا