Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الاستئذان

الكاتب

أ/ عبد العظيم منصور

الاستئذان

إن للمنازل في شريعة الإسلام حرية وقداسة باعتبارها محل الأمن ومصدر الطمأنينة والسكينة، فأمر الله الناس أن لا يدخلوا بيوتًا غير بيوتهم حتى يستأذنوا قبل الدخول ويسلموا . والاستئذان كفضيلة خلقية وأدب إسلامي رفيع، كثرت فيه الآيات الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة. 

مشروعية الاستئذان

يشرع الإسلام الاستئذان، وهو إذ يشرعه تارة كفضيلة من الفضائل التي على المسلم أن يتأدب بها، وأخرى ينفر منه، لأنه ليس من شأن المؤمنين أن يفعلوه، وإن فعلوه خرجوا من عداد المؤمنين، وابتعدوا عن حظيرة الدين. إن للمنازل في شريعة الإسلام حرية وقداسة باعتباره محل الأمن ومصدر الطمأنينة والسكينة، يجد الإنسان في رحابها حريته، وتتسع له على ضيقه، في وقت تضيق فيه الدنيا على سعتها. ولقد بلغ من عمق تشريعات الإسلام أن يختص المنازل بتشريعات لها موضع الثقل والرجحان، من ناحية الدخول اليها، والبقاء فيها، والخروج منها.

الاستئذان في القرآن

فأمر الناس أن لا يدخلوا بيوتًا غير بيوتهم حتى يستأذنوا قبل الدخول ويسلموا بعده فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [النور:٢٧-٢٨]. وقال قتادة في قوله تعالى: {حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا} [النور:٢٧] هو الاستئذان ثلاثًا فمن لم يؤذن له منهم فليرجع، أما الأولى فليسمع الحي، وأما الثانية فليأخذوا حذرهم، وأما الثالثة فإن شاءوا أذنوا وان شاءوا ردوا، ولا تقفن على باب قوم ردوك عن بابهم فان لهم حاجات ولهم أشغال والله أولى بالعذر (تفسير القرآن العظيم ج ٣ ص ٢٨١). 

وعن ابن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: "عليكم أن تستأذنوا على أمهاتكم وأخواتكم". وعن عدي بن ثابت أن امرأة من الأنصار قالت: يا رسول الله إني أكون في منزلي على الحال التي لا أحب أن يراني أحد عليها، لا والد ولا ولد، وأنه لا يزال يدخل علي رجل من أهلي وأنا على تلك الحال، فنزلت آية الأمر بالاستئذان.

وعن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: ثلاث آيات جحدهن الناس: قال الله تعالى: {لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا} [البقرة:١٨٩]، ويقولون: إن أكرمهم عند الله أعظمهم بيتًا. والأدب كله قد جحده الناس. فقيل له: أأستاذن على أخواتي أيتام في حجري في بيت واحد؟ قال نعم. وقال: أتحب أن تراها عريانة؟ فقيل له: لا. قال: فاستأذن. قال؟ أتحب أن تطيع الله؟ قيل نعم. قال: فاستأذن. (تفسير القرآن العظيم ج ٣ ص ٢٨٠).

والاستئذان كفضيلة خلقية وأدب إسلامي رفيع برز بصورة فذة في غزوة الخندق. وقصة ذلك أن رسول الله ﷺ لما علم بخروج الأحزاب من المشركين لقتال المسلمين، وما أجمعوا له من الأمر، أمر بحفر الخندق، فعمل فيه رسول الله ﷺ ترغيبًا للمسلمين في الأجر، وعمل معه المسلمون فيه، فدأب فيه ودأبوا، وجعل الرجل من المسلمين إذا أنابته النائبة من الحاجة التي لابد له منها، يذكر ذلك لرسول الله ﷺ. ويستأذنه في اللحوق بحاجته، فيأذن له، فاذا قضى حاجته، رجع إلى ما كان فيه من عمله، رغبة في الخير واحتسابًا له، فأنزل الله تعالى من الآيات يمتدح بها المسلمين، ويثني عليهم، فقال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور:٦٢].

ويكفي بالاستئذان رفعة ومكانة عند الله في نفوس المسلمين الصادقين، أن يمتنع عمر بن الخطاب -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عن إقامة حد، استوجب أصحابه العقاب، لأنه دخل عليهم بغير استئذان. فيحكى أن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دخل على قوم يتعاقرون على شراب ويوقدون في أخصاص فقال نهيتكم عن المعاقرة فعاقرتم، ونهيتكم عن الإيقاد في الاخصاص فأوقدتم. فقالوا يا أمير المؤمنين قد نهاك الله عن التجسس فتجسست، ونهاك عن الدخول بغير اذن فدخلت، فقال عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هاتين بهاتين: وانصرف ولم يتعرض لهم (الاحكام السلطانية والولايات الدينية للماوردي ص ٢٥٢، ٢٥٣).

 وإذا كان هذا هو موقف المؤمنين فإن موقف المنافقين عن الاستئذان كان بقصد الفرار من المعركة حتى قال أحدهم وهو معتب بن قشير، أخو بني عمرو بن عوف: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط وحتى قال آخر وهو أوس بن قيظي، أحد بني حارثة بن الحارث: يا رسول الله إن بيوتنا عورة من العدو، وذلك عن ملأ من رجال قومه، فأذن لنا أن نخرج فنرجع إلى دارنا، فإنها خارج من المدينة (السيرة النبوية لابن هشام ج ٣ص ٢٣٣ - ١٢٥).

 وهنا يصور القرآن استئذان المنافقين وتخليهم عن النبي ﷺ حين نزلت الاحزاب حول المدينة والمسلمون محصورون في غاية الجهد والضيق فيقول تعالى: {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا * وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا} [الأحزاب:١٢-١٣]. 

ولم يكتف القرآن بتسجيل واقعة الاستئذان بل يسجل عليهم صفاتهم القبيحة وابتعادهم عن حظيرة الدين وخروجهم من عداد المسلمين بسبب تخاذلهم وتقاعسهم عن نصرة المسلمين فيقول تعالى: {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا * أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا * يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا * لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب:١٨-٢١].

وما أبلغ تصوير الشاعر لأمثال هذا الصنف من المنافقين فيقول: أفي السلم أعيار جفاء وغلظة وفي الحرب أمثال النساء العوارك أي: في حال المسالمة كأنهم الحمر، والأعيار جمع عير وهو الحمار، وفي الحرب كأنهم النساء الحيض. ولهذا يقول تعالى: {فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ} [الأحزاب:١٩]. {لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [التوبة:٤٢]. وهكذا كان من الخير أن يبتعد هؤلاء النفر عن صفوف المسلمين، ويمحوا من صحيفة المؤمنين، إذ لا خير للمسلمين في ضعيف متردد ولا نفع لهم في مذبذب مضطرب، يصور القرآن ذلك أبلغ تصوير وأصدقه في قوله تعالى: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} [التوبة:٤٧].

وهكذا يكون للاستئذان معنى ودلالة في كل موضع يذكر فيه، فقد يكون من أخلاق المؤمنين الصادقين، وقد يكون من أخلاق المنافقين المتخاذلين. ويظهر أيضًا مما سبق عرضه مدى جسامة الذنب الذي يقترفه من يتخلف عن جماعة المسلمين واستئذانه في عدم الخروج لملاقاة الأعداء، ومدى ما يلحقه من خزي وعار في الدنيا، وما ينتظره من عذاب مقيم في الآخرة.

نماذج مشرفة

ولعل في واقع الإسلام التاريخي من أمثلة الشجاعة النادرة والبطولة الفذة والصدق عند اللقاء والثبات عند المعركة والتقدم عند الزحف وتلبية النداء كلما جد الجد، وتمنى الشهادة في سبيل الله، والتضحية بالنفس والمال والحنين الغريب إلى الجنة، ما يوضح جرم الاستئذان والتخلف عن قتال الاعداء وردهم عن ديار المسلمين. وفي مثل من هم على شاكلتهم في شجاعتهم مع عدوهم يقول الشاعر: لا يسألون أخاهم حين يندبهم في النائبات على ما قال برهانًا وفي التخلف عن القتال وعدم الاستجابة للخروج يسوق لنا القرآن ما كان من شأن بني اسرائيل مع موسى عندما دعاهم لإخراج الحيثيين والكنعانيين من " أريحاء" فقد قالوا له جبنًا وضعفًا، واستخذاء واستسلامًا: {قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ} [المائدة:٢٢].

ولم يفلح معهم تكرار الدعوة إلى القتال جبنا وخوفا فقالوا لموسى عليه السلام في ضعف واستسلام شأن الضعيف العاجز والخائر الجبان: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة:٢٤]. فما كان من موسى عليه السلام إلا أن توجه إلى ربه يستمد منه المعونة ويعتمد على نصرته ويبرأ إلى الله مما فعل قومه: {قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [المائدة:٢٥]. 

هكذا كان شأن بني اسرائيل مع موسى عليه السلام، قوم بما تعاور عليهم من ظلم وترادف عليهم من جور، وما تفردوا به من العبودية الطويلة، أورثهم هذا التاريخ نفسية غريبة، وسلوكًا مذمومًا، منه الخنوع والذلة عند الضعف، والبطش وسوء السيرة عند الغلبة، والقسوة والانانية وأكل أموال الناس بالباطل والصد عن سبيل الله. وما سيرتهم التي فضحها الإسلام في مواقفهم مع النبي ﷺ من غدر وخيانة وذلة وهوان، عنا ببعيد. أما مواقف المسلمين مع نبيهم فكانت كلها نجدة وشهامة، وعزة وكرامة، وشجاعة وإقدام، لم تتوافر لشعب من شعوب الأرض حتى الان. ويكفينا أن نشير إلى قول المقداد بن عمرو للرسول عليه الصلاة والسلام لما أراد الخروج لغزوة بدر فقال: "يا رسول الله امض لما أراك الله، فنحن معك والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى » اذهب أنت وربك فقاتلا انا ها هنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا انا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه.

وقال سعد بن معاذ للنبي عليه الصلاة والسلام: قد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لم أردت فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق، لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا، إنا لصبر في الحرب صدق في اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقربه عينك فسر على بركة الله" (السيرة النبوية لابن هشام ج ٢ ص ٢٦٦).

الخلاصة

الِاسْتِئْذَانُ في الإسلامِ فضيلةٌ وأدبٌ رفيعٌ لحمايةِ قدسيةِ المنازلِ وأمنِها، أمرَ اللهُ بهِ قبلَ الدخولِ إلى البيوتِ والتسليمِ بعدهُ. هو واجبٌ على المؤمنينَ، بينما التخلفُ عنه في مواقفَ معينةٍ، كالحربِ، يعدُّ من صفاتِ المنافقينَ ودليلًا على خيانةِ الأمانةِ، ويؤكدُ الإسلامُ على أهميةِ الصدقِ والشجاعةِ في المواقفِ الحاسمةِ.

موضوعات ذات صلة

هي فعل محرم وكبيرة من الكبائر، وتُعد انتهاكًا للعهود والمواثيق.

تأتي بعدة معاني مثل الرحمة واللطف والسعة واليسر والسهولة والتجوز في الأمر.

ضد الخيانة، وهي تطلق على كل ما عهد به إلى الإنسان من التكاليف الشرعية.

موضوعات مختارة