وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
يتطلع العالم إلى الإسلام بين الحين والآخر، كما يتطلع إليه أبناؤه كلما أثيرت قضية من قضايا البشرية، أو كلما ارتقى العقل البشري، يحاول كشف سر من أسرار الكون الفسيح تحليقا في السماء، أو نقل عضو من إنسان إلى إنسان، أو غير ذلك مما يتوصل إليه العلم إيمانا بسلطان العقل، وأحيانا يكون التطلع، وغالبا ما يكون من أعداء الدين وخصوم الإسلام جزءا من حملات منظمة عليه متراخية مع الأسس، متطاولة مع الغد، بقصد النيل منه وإضعاف ثقة أهله به، وأحيانا يكون التطلع من أبنائه، بقصد أن يصلوا من العارفين بأحكامه إلى ما به تطمئن القلوب وتهدأ النفوس وأخطر القضايا التي تثار في العصر الحاضر صعود الإنسان إلى أطباق السماء، يكشف مستورا من مستورات الكون، وبعضا من خباياه؛ لينفذ من ظاهره إلى سره وباطنه، وهنا تثور الريح من الأعداء، ويشتد القلق من الأبناء، مع اختلاف النظرة في الحالتين، الأوائل تتسلط فيها شهوة الإنكار، إنكار أن الإسلام دين العلم والمدنية، والأواخر يريدون اطمئنانا على عقيدتهم، واستقرارا لإيمانهم ويقينهم. ولقد وقف الإسلام مرات عديدة منذ أن حمل الدعوة إليه رسول الله ﷺ أمام أعدائه وخصومه، وصمد لكل الحملات، وخصوصا تلك التي أريد بها النيل من عقائده وأصوله وأحكامه، وفي كل مرة يبوء خصومه من أصحاب الأديان والأنظمة المختلفة بالخسران المبين.
ولعل أفضل ما يقدمه المسلم رغم كثرة ما كتب فيه هو موقف الإسلام من العلم ردا على أدعياء العلم والتفكير.
١- من الحقائق المعروفة غير المذكورة أن الإسلام لم يعتمد في تحصيل الإيمان والاعتراف بوحدانية الله على ما كانت تعتمد عليه سائر الرسالات من معجزات، وإنما اعتمد الإسلام على النظر العقلي لتحصيل الإيمان باعتباره وسيلة الإيمان الصحيح. عرض الإسلام على الإنسان دلائل التوحيد من سماء وأرض، وجبال وسحب ونبات، وغير ذلك مما أشار إليه القرآن الكريم، وخاطبهم بدلائل التوحيد من نفس الإنسان، وما هو مجموع في بدنه ومركب فيه من أشياء من شأنها التنافر وعدم الاجتماع، لولا وجود جامع جمعها وقهرها على الاجتماع. وبعد أن عرض على العقل كل هذه الأمور وأمثالها، ترك العقل يجري شوطه المقدر له، يفكر، ويتدبر ويتأمل، ويهتدي إلى أن للكون إلها واحدا، منفردا بذاته وصفاته وأفعاله، لا يشاركه فيها أحد من خلقه أو من مخلوقاته في عالم الغيب أو عالم الشهادة. ولم نجد من نواهي الدين ما يصد الإنسان عن وجه من وجوه النظر، أو الولوج في باب من أبواب العلم، ينطلق إلى حيث يبلغ به استعداده، يجول في ملكوت السماوات والأرض تحصيلا للإيمان بالله.
٢- إن الإنسان في نظر الإسلام أخطر الحقائق وأعظمها، وكل ما عداه مخلوق لأجله مسخر لمنفعته؟ ويكفينا أن نشير إلى آيات معدودات من كتاب الله، من آيات كثيرة يزدحم بها القرآن، مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم:٣٢ – ٣٤].
فكيف ينتفع الإنسان بما سخر الله له من قوى جبارة كتلك إذا لم يضعها تحت التجربة والاختبار؟ من بين ما يشير إليه الإمام محمد عبده قوله:” كيف يتسنى للمسلم أن يشكر الله حق شكره، إذا لم يضع العالم بأسره تحت نظر فكره لينفذ من ظاهره إلى سره، ويقف على قوانينه وشرائعه، ويستخدم كل ما يصلح لخدمته في توفير منافعه؟ كيف يشكر الله إذا توانى في ذلك، وقد أرشده الله في كتابه وسنة نبيه إلى أن عالمه إنما خلق لأجله وقد وضعه الله تحت تصرف عقله؟ فأهل العلم هم الذين يعرفون مقدار نعم الله تعالى فيما يرفه به معيشتهم ، ويجمل به هيأتهم ، ويجلى به زينتهم ، والمسلمون مسوقون بنابل من دينهم إلى طلب ما يكسبهم الرفعة والسؤدد والعزة والمجد، ولا يرضيهم من ذلك ما دون الغاية، ولا يتوفر شيء من وسائل ذلك إلا بالعلم، فهم محفوزون أشد الحفز إلى طلب العلم وتلمسه في كل مكان، وتلقيه من أية شفة وأي لسان، فإذا لاقاهم العالم في أي سبيل أو عثروا به في أي جبل أو ظهر لهم من أي قبيل هشوا له وبشوا، ولا يبالون ما تكون عقيدته إذا نفعتهم حكمته "الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها" وذلك شأن المسلم مع العلم إذا كان مسلما حقا .
وعلة ذلك ظاهرة، فإن العلم مسرح نظر العقل، والعقل قوة من أفضل القوى الإنسانية بل هي أفضلها على الحقيقة، وقد وضع لها العلم الحكيم لذة، كما منح لكل قوة سواها نعيما ولذة، وكلما عظم اختصاص القوة بالنوع، عظمت لذته باستعمالها فيما وجهت إليه، فيمكنك أن تستنتج من ذلك أن لا شيء عند الإنسان ألذ من كشف المجهول وإحراز المعقول، وقد سمح الإسلام للمسلم أن يتمتع في هذه الحياة الدنيا بما يلذ له مع القصد والاعتدال. أفلا يكون من لذائذه ومتممات نعيمه أن يسبح في مملكة العلم؛ ليمتع عقله كما يسبح في بسيط الأرض ليكسب رزقه ويقيت أهله؟ علم أن العلم كان من ضرورات معيشة المسلم أو حاجياتها فإذا طفق يستنبط ماءه للضرورة، ويستجلي سناءه للحاجة، فلا يلبث أن يصير هو حاجة نفسه وشاغله عن حاجات حسه حتى يدخل معه في رمسه، كما وقع لكثير من المسلمين. قال إمام جليل من أئمتهم: "طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله". (الإسلام دين العلم والمدنية. ص ١١. وما بعدها). وهكذا نرى أن الإسلام يعتمد على العلم لتحصيل الاعتقاد والإيمان، ويأمر به لكسب المعاش والانتفاع بما سخر الله للإنسان من شمس وقمر وأرض وسماء وبر وبحر، يدرك كنهها ويقف على حقيقتها من أجل الانتفاع بها وتسخيرها لخدمته؛ كما أن الإسلام في النهاية يأمر بالعلم لشكر النعمة وتحقيق موعود الله للإنسان. {سَنُرِيهِمۡ ءَايَٰتِنَا فِي ٱلۡأٓفَاقِ وَفِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمۡ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّۗ } [فصلت من الآية ٥٣].
٣ – وإذا كان للعلم كل تلك المنزلة وهذا الشرف؛ لذا فليس من الأمور المستغربة أن يقرن سبحانه وتعالى العلم بالإيمان على سنة التلازم مع رفع العلماء والمؤمنين درجات يوم القيامة بقوله تعالى : {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُم وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [المجادلة:١١] . وخشية الله في السر والعلن ومزايلة سخطه والالتزام بأوامره والبعد عن نواهيه لا تكون إلا ممن اتصفوا بالعلم لقوله تعالى : {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: ٢٨] . لأنهم باستعمالهم لعقولهم وعدم تعطيلها عن التفكير والتدبير والتأمل في ملكوت السموات والأرض، استطاعوا أن يهتدوا إلى عظمة الخالق وسعة ملكه، فازدادوا إيمانا ويقينا؛ لذلك نرى الله تبارك وتعالى كثيرا ما يخصهم بالفضل، ويثني عليهم كما يثني على نفسه، وهذه خصوصية عظيمة للعلماء، أنزل فيها قوله تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل عمران:١٨].
وعلى النقيض من ذلك فإن أبعد الناس عن حقيقة ما خلقوا من أجله، ذلك الصنف من الناس الذي ابتعد عن نور العلم وهداية المعرفة ، فضل وأضل ، واتخذ إلهه هواه ففسدت عقليته ، وفسد نظام فكره ، وفسد ذوقه ،وبطل حسه، لذلك فإن العلم مفتاح كل خير، وسبب كل نقيصة وشر، وهذا ما أشار إليه النبي ﷺ، فعن حميد بن عبد الرحمن قال سمعت معاوية خطيبا يقول ، سمعت النبي ﷺ يقول: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَاللَّهُ يُعْطِي، وَلَنْ تَزَالَ هَذِهِ الأُمَّةُ قَائِمَةً عَلَى أَمْرِ اللَّهِ، لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ» [عمدة القاري ج ۲ ص ٤٨].
والعلم في نظر الإسلام هو طريق الوصول إلى الحق أيا كان نوعه كما هو أيضا وسيلة للمحافظة عليه وإدراكه ومعرفته وصيانته، ومن أبلغ ما قيل حثا على العلم كسند للحق والمحافظة عليه قول علي بن أبي طالب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ للمسلمين يدفع بهم أشواطا بعيدة في طلب العلم من أجل الحق: تعلموا العلم تعرفوا به؛ واعملوا به تكونوا من أهله، فإنه يأتي من بعدكم زمان ينكر فيه من الحق تسعة أعشاره، وإنه لا ينجو منه إلا كل أواب منيب أولئك أئمة الهدى ومصايح العلم. [البداية والنهاية ج ۸ ص ٦].
ومن يأوي إلى العلم يطلبه ويتفقه فيه ويزداد منه، فهو يأوي إلى الله، ومن يعرض عن طلبه يعرض الله عنه ومن أعرض الله عنه فقد هلك، ويصورالنبي ذلك أبلغ تصوير وأصدقه. فعن أبي واقد الليثي أن رسول الله ﷺ بينما هو جالس في المسجد والناس معه إذ أقبل ثلاثة نفر؛ فأقبل اثنان إلى رسول الله ﷺ وذهب واحد قال: فوقفا على رسول الله ﷺ، فأما أحدهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها، وأما الآخر فجلس خلفهم، وأما الثالث فأدبر ذاهبا، فلما فرغ رسول الله ﷺ قال: : «أَلاَ أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلاَثَةِ؟ أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى إِلَى اللَّهِ فَآوَاهُ اللَّهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ». [عمدة القاري ج ۲ ص ٣١].
وإذا رجعنا إلى ماضي المسلمين، وما جرى به واقعهم، وجدنا أن العلم كان الشرط الأساسي المشترط توافره فيمن يقع عليه الاختيار لمباشرة شئون ولاية من ولايات المسلمين المختلفة اعتبارا من الرئيس الأعلى للدولة الإسلامية، وفي أهل الحل والعقد، وكذلك فيمن أريد للخراج والقضاء وغير ذلك من ولايات. لذلك كان افتقاد العلم نذيرا بخراب أمر الأمة وتأخرها، كما أشار إلى ذلك النبي عليه الصلاة والسلام. فعن أنس قال: قال النبي ﷺ «إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ: أَنْ يُرْفَعَ العِلْمُ وَيَثْبُتَ الجَهْلُ، وَيُشْرَبَ الخَمْرُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا» [عمدة القاري ج ۲ ص ٨٢] من أجل ذلك أخذ الله العهد على العلماء أن يبينوا العلم للناس ولا يكتمونه فقال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} [آل عمران:١٨٧]. ويستنزل القرآن اللعنة على من كتم عن الناس علما فقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} [البقرة:١٥٩]. ولقد أخذ الله العهد على الجهال أن يلتمسوا العلم، كما أخذ العهد على العلماء أن يعلموه للناس. قال علي بن أبي طالب «مَا أَخَذَ اللَّهُ الْعَهْدَ عَلَى أَهْلِ الْجَهْلِ أَنْ يَتَعَلَّمُوا، حَتَّى أَخَذَ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ الْعَهْدَ أَنْ يُعَلِّمُوا» [أدب الدنيا والدين ص ٦٣].
وليس للعلم في نظر الإسلام أمد ينتهي إليه، أو حد يقف عنده لا يتعداه سعيا لمعاش أو لمعاد، وكشفا لأسرار الكون وخباياه فقال تعالى: {وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء:من الآية]. وهذا قليل من كثير جاء به القرآن، وأوردته السنة تبيانا لفضل العلم وأهميته القصوى، أردت أن أسوقه ليُدرك المسلمون أن دينهم يفرض عليهم أن يأخذوا بكل أسباب العلم؛ لأن من أخذه يكون قد أخذ بحظ وافر، ومن قصر في طلبه، فلا يثبت له عند الله عذر ولا تقوم له حجة. وبذلك يستطيع العلم وهو كل ما كان نتاجا للفكر أن يفرض سيطرته على الطبيعة كشفا لآيات الله الكبرى ووقوفا على قدرته الفاعلة في الكون؛ حتى يتحقق للبشر أنه الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل، وصدق الله العظيم حيث يقول: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [فصلت:٥٣].