الصبر هو حبس النفس على ما يقتضيه العقل والشرع، أوعمَّا يقتضيان حبسها عنه. وأصل الصبر: الحبس، وسمى الصوم صبرًا؛ لما فيه من حبس النفس عن الطعام والشراب والنكاح.
الصبر هو حبس النفس على ما يقتضيه العقل والشرع، أوعمَّا يقتضيان حبسها عنه. وأصل الصبر: الحبس، وسمى الصوم صبرًا؛ لما فيه من حبس النفس عن الطعام والشراب والنكاح.
من المعاني اللغوية لكلمة (الصبر) أنه نقيض الجزع، يقال: صَبرَ يصبِرُ صَبْرًا، صابر، وصبّار، وصبير، وصبور، فهو: حبس النفس عند الجزع.
وأصل الصبر: الحبس، وسمى الصوم صبرًا؛ لما فيه من حبس النفس عن الطعام والشراب والنكاح.
وفي المفردات في غريب القران الكريم للأصفهاني في الحديث عن الصبر قوله: (الصبر: الإمساك في ضيق، يقال: صبرت الدابة: حبستها بلا علف..)
والصبر: حبس النفس على ما يقتضيه العقل والشرع، أوعمَّا يقتضيان حبسها عنه.
فالصبر لفظ عام، وربما خولف بين أسمائه بحسب اختلاف مواقعه، فإن كان حبس النفس لمصيبة سُمي صبرًا لا غير، ويضاده الجزع، وإن كان في محاربة سُمي شجاعة، ويضاده الجبن، وإن كان في نائبة مضجرة، سمي رَحَب الصدر، ويضاده الضجر، وإن كان في إمساك الكلام سُمي كتمانًا.
وقد سمى الله تعالى ذلك صبرًا ونبه عليه بقوله تعالى: {وَٱلصَّٰبِرِينَ فِي ٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ} [البقرة: ١٧٧] - قال تعالى: {وَٱلصَّٰبِرِينَ عَلَىٰ مَآ أَصَابَهُمۡ} [الحج: ٣٥]. قال تعالى: {وَٱلصَّٰبِرِينَ وَٱلصَّٰبِرَٰتِ} [الأحزاب: ٣٥]، وقوله تعالى: {ٱصۡبِرُواْ وَصَابِرُواْ} [آل عمران: ٢٠٠]، أي: احبسوا أنفسكم على العبادة وجاهدوا أعداءكم، وقوله تعالى: {وَٱصۡطَبِرۡ لِعِبَٰدَتِهِۦۚ} [مريم: ٦٥] أي: تحمل الصبر بجهدك، ويعبر عن الانتظار بالصبر قال تعالى: {فَٱصۡبِرۡ لِحُكۡمِ رَبِّكَ} [القلم: ٤٨].
ومن خلال العرض اللغوي والقرآني يتبين لنا أن الصبر يعود في مجمله إلى إيجاد قدرة نفسية على الامتناع عن شيء غير مرغوب من الأخلاق النفسية كالجزع، والجبن، والضجر، وإفشاء السر، أو إيجاد قدرة نفسية على تحمل أداء أمر مرغوب على الرغم مما فيه من مشقة، ومنه القدرة على تحمل الامتناع عن المفطرات في الصوم.
وإذا عدنا إلى القرآن الكريم فإننا نجد بيانا شاملًا حول خلق الصبر، وكيف يتكون لدى النفس المؤمنة، مع بيان المواقف التي تستدعيه، وبيان الثواب العظيم الذي يستحقه من يتصفون بصفة الصبر، ويكونون من الصابرين الذين يرضى عنهم رب العالمين في الدنيا والآخرة.
فمن حديث القرآن الكريم عن الصبر ما يبين أن هناك صبرًا على أداء الطاعات: ويكون بتحمل المشقة في أدائها، وفي الاستمرار والمداومة عليها، وتحمل ما قد يلاقيه من وراء تمسك المؤمن الطائع بها إذا حاربه أهل المعاصي.
ومن الآيات في هذا المقام قول الله - عز وجل - بعد عرض الآيات التي وصفت عباد الرحمن وما كان منهم من عبادة وسلوك اخلاقي: {أُوْلَٰٓئِكَ يُجۡزَوۡنَ ٱلۡغُرۡفَةَ بِمَا صَبَرُواْ وَيُلَقَّوۡنَ فِيهَا تَحِيَّةٗ وَسَلَٰمًا* خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ حَسُنَتۡ مُسۡتَقَرّا وَمُقَامًا} [الفرقان: ٧٥ - ٧٦].
فالجنة التي أثيب بها عباد الرحمن إنما كانت جزاء صبرهم على تحقيق صفاتهم في أنفسهم من حيث تعبُّدُهم لله - عز وجل -، ومن حيث تخلقهم بكل خلق كريم، ومن حيث قيامهم برسالتهم الإنسانية في الحياة دون تفريط أو إفراط، ومن هذه الآيات قول الله – تعالى: {وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفٗا مِّنَ ٱلَّيۡلِۚ إِنَّ ٱلۡحَسَنَٰتِ يُذۡهِبۡنَ ٱلسَّئَِّاتِۚ ذَٰلِكَ ذِكۡرَىٰ لِلذَّٰكِرِينَ *وَٱصۡبِرۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ} [هود: ١١٤: ١١٥] أي: نفذ هذه الطاعات، واصبر على أدائها حتى تصل إلى درجة الإحسان في الأداء وهو الإحسان الذي يكون من ورائه الثواب العظيم؛ لأن الله تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملًا.
ومن حديث القران الكريم عن الصبر ما يبين أن من الصبر ما يكون صبرًا على البلاء: إذ يجب على المؤمن الصادق الإيمان أن يقابل ذلك بالتماسك والجَلَد والثبات دون فزع أو هلع أو جزع، ومن الآيات التي تحث على ذلك قول الله تعالى: {وَلَنَبۡلُوَنَّكُم بِشَيۡء مِّنَ ٱلۡخَوۡفِ وَٱلۡجُوعِ وَنَقۡص مِّنَ ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ * ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَٰبَتۡهُم مُّصِيبَةٞ قَالُوٓاْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ} [البقرة: ١٥٥: ١٥٦].
ومن الحديث القرآني ما يبين أن الصبر مطلوب للدعاة إلى الله تعالى: فعليهم أن يتزودوا بهذا الزاد دون أن يضعفهم ما يقابلهم من العنت والمشقة، ومن الآيات في هذا المقام قول الله - عز وجل - خطابًا للنبي - صلى الله عليه وسلم - وهو القدوة الحسنة للدعاة: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمُدَّثِّرُ *قُمۡ فَأَنذِرۡ *وَرَبَّكَ فَكَبِّرۡ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرۡ *وَٱلرُّجۡزَ فَٱهۡجُرۡ *وَلَا تَمۡنُن تَسۡتَكۡثِرُ *وَلِرَبِّكَ فَٱصۡبِرۡ} [المدَّثر: ١-٧]، ومنها قوله سبحانه: {وَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱهۡجُرۡهُمۡ هَجۡرٗا جَمِيلٗا}[المزَّمل:١٠]
ومن الحديث القرآني ما يقدم بيانا للثواب العظيم الذي يناله الصابرون سواء في حياتهم الدنيوية أو حياتهم الأخروية: ومن ذلك ما يبين ثواب الصابرين في ميادين القتال، كما جاء في قوله تعالى: {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيّٖ قَٰتَلَ مَعَهُۥ رِبِّيُّونَ كَثِيرٞ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسۡتَكَانُواْۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّٰبِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوۡلَهُمۡ إِلَّآ أَن قَالُواْ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسۡرَافَنَا فِيٓ أَمۡرِنَا وَثَبِّتۡ أَقۡدَامَنَا وَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ * فََٔاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنۡيَا وَحُسۡنَ ثَوَابِ ٱلۡأٓخِرَةِۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ} [آل عمران: ١٤٦: ١٤٨].
ومن الحديث القرآني ما يبين أن الصبر خلق من الأخلاق التي تخلق بها الأنبياء: وقد أثنى الله - عز وجل - على أنبيائه الذين اتصفوا بصفة الصبر، وكانوا فيه مثلًا أعلى يقتدى به، ومن الآيات القرآنية قول الله تعالى: {وَٱصۡبِرۡ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلۡعَزۡمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ} [الأحقاف:٣٥] ومنها قوله - عز وجل - عن سيدنا أيوب عليه السلام: {إِنَّا وَجَدۡنَٰهُ صَابِرٗاۚ نِّعۡمَ ٱلۡعَبۡدُ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٞ} [ص: ٤٤]
ومن الآيات ما يرشد إلى ضرورة التخلق بخلق الصبر في التعامل مع الذين يثيرون الغضب في النفوس: ومن ذلك قول الله تعالى: {وَلَا تَسۡتَوِي ٱلۡحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّيِّئَةُۚ ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيۡنَكَ وَبَيۡنَهُۥ عَدَٰوَةٞ كَأَنَّهُۥ وَلِيٌّ حَمِيم} [فُصِّلَت: ٣٤]. هذا جانب من الحديث القرآني عن خلق الصبر.
أما حديث السنة النبوية المطهرة، فمنه ما يدعو إلى التمسك بالصبر عند نزول الشدائد: كما جاء في قول النبي صلى الله عليه وسلم «ائتَمِروا بالمعروفِ، وتناهَوا عن المنكَرِ، حتى إذا رأيتَ شُحًّا مُطاعًا، وهَوًى مُتَّبَعًا، ودُنيا مُؤثَرةً، وإعجابَ كُلِّ ذي رأي برأيه؛ فعليك -يعني بنَفْسِك- ودَعْ عنك العوامَّ؛ فإنَّ مِن ورائِكم أيامَ الصَّبرِ، الصَّبرُ فيه مِثلُ قَبضٍ على الجَمرِ، للعامِلِ فيهم مِثلُ أجرِ خَمسينَ رجُلًا يَعمَلونَ مِثلَ عَمَلِه».
ومن الأحاديث ما يبين أن التخلق بالصبر وإلزام النفس بذلك هو من دلائل العطاء الإلهي لعباده الصالحين، يقول صلى الله عليه وسلم: «ومَن يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، ومَن يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، ومَن يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وما أُعْطِيَ أحَدٌ مِن عَطاءٍ خَيْرًا وأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْر» ويقول صلى الله عليه وسلم: «عَجَبًا لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إنَّ أمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وليسَ ذاكَ لأَحَدٍ إلّا لِلْمُؤْمِنِ، إنْ أصابَتْهُ سَرّاءُ شَكَرَ، فَكانَ خَيْرًا له، وإنْ أصابَتْهُ ضَرّاءُ، صَبَرَ فَكانَ خَيْرًا له»
ومن الأحاديث ما يدعو إلى الصبر في التعامل مع الناس والاختلاط بهم، وتفضيل ذلك على العزلة، ولو كانت من ورائها السلامة من الأذى. يقول صلى الله عليه وسلم: «المؤمن الَّذي يخالطُ النّاسَ ويصبرُ عَلىَ أَذَاهم أَعظَمُ أَجْرًا مِنَ المُؤمِنُ الذي لَا يُخَالِط النّاسَ ولاَ يَصْبرُ عَلَى أَذَاهمْ».
ومن خلال هذا العرض القرآني والنبوي حول خلق الصبر يتبين لنا كيف يربي الإسلام النفس الإنسانية ترييه حتى تكون قوية قوة روحية معنوية تستطيع أن تواجه بها مصاعب الحياة، وشدائدها دون أن يعتريها شيء من الضعف، والخنوع، والذلة والخضوع، ودون أن تقصر في طاعة، ودون أن تهزم أمام معصية، ولقد تخلق المسلمون بذلك الخلق النبيل فشيدوا حضارة علمية وثقافية ومعمارية بقيت آثارها حتى اليوم شاهد صدق على أولئك الأخيار الذين كانوا وراء هذه الحضارة التي أصبحت ملء السمع والبصر في كل الأزمان.
الصبر هو حبس النفس عند الجزع، وهو قدرة نفسية على تحمل المشاق والامتناع عن ما هو غير مرغوب، سواء كان ذلك في أداء الطاعات، أو مواجهة البلاء، أو في دعوة الناس، أو في التعامل مع من يثيرون الغضب. القرآن والسنة يؤكدان على قيمة الصبر العظيمة وثوابه في الدنيا والآخرة، ويُعد خلقاً أساسياً في بناء النفس القوية وتشيد الحضارات.