Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

حقوق الفكر

الكاتب

أ.د/ محمد رجب البيومي

حقوق الفكر

التفكير الحر والمستقل يشكّل جوهر الإصلاح، كما أشار إليه كبار المفكرين المسلمين، وقد دعا الإسلام إلى حرية فكر مسؤولة تؤدي إلى تعزيز العقل وتنمية المجتمع، دون أن تنحرف نحو الانفلات أو تقع في حدود التقييد الجائر.

الخلفية التاريخية لحقوق الفكر

في الزمن الذي انبثق فيه نور الإسلام؛ كانت الأديان السابقة سماوية وأرضية تُحرِّم التفكير في شئون الكون، وتجعل للكهنة ورؤساء الدين الرأي النهائي في تقرير أمرٍ أو بطلانه؛ بحيث يكون مُحرَّمًا على غيرهم أن يأتي بما يخالف ما يقولون، وإلا عُدَّ مارقًا خارجًا عن دينه، فجاء الإسلام داعيًا إلى التأمل الفكري بآياته الواضحة ونصوصه الصريحة، وبهذا الانطلاق الفكري ازدهرت حركات التأليف والابتكار في العواصم الإسلامية في عهود الخلافات الزاهرة ببغداد والقاهرة والأندلس، وظهر علماء المسلمين في اللغة والتشريع والطب والفلك والرياضيات وانتشرت مؤلفاتهم شرقًا وغربًا.

وقد ألف الأستاذ/ عباس محمود العقاد كتابًا عنوانه (التفكير فريضة إسلامية) ليؤكد فيه وجوب التفكير على كل عاقل مدرك، ومن قبله قال الفقهاء: إن إيمان المقلد غير معترف به، إذا كان قادرًا على التفكير الصحيح، إذ عليه أن يُعْمِل تفكيره في أمور عقيدته وشريعته معًا، ولا شيء أظهر من ذلك ولا أدل في تحديد مكانة الفكر في الإسلام ودعوة أبنائه إلى النظر السليم.

القرآن الكريم والدعوة إلى إعمال الفكر

وكتاب الله عز وجل مليء بالنصوص الدالة على وجوب النظر في ملكوت السموات والأرض نذكر منها على سبيل المثال قوله تعالى:

١- {قُلِ ٱنظُرُواْ مَاذَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَمَا تُغۡنِي ٱلۡأٓيَٰتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوۡمٖ لَّا يُؤۡمِنُونَ} [يونس ١٠١].

٢- {أَفَمَن يَعۡلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ ٱلۡحَقُّ كَمَنۡ هُوَ أَعۡمَىٰٓۚ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ} [الرعد ١٩].

٣- {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ أَمۡ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقۡفَالُهَآ} [محمد ٢٤].

٤- {يَرۡفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ دَرَجَٰتٖۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ} [المجادلة ١١].

٥- {قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ} [الزمر١٠].

وهذا الوضوح الساطع في الدعوة إلى إعمال الفكر في الإسلام قد شاء قوم من الماديين أن يطمسوا الأدلة، فقالوا إن الأديان جميعها تحارب الفكر الصحيح، وتدعوا إلى التسليم المطلق بكل ما يقوله رجال الدين، ويضربون أمثلة شتّى تُصوّر ما وقع من الحجر على العقول.

وحين أرادوا - عامدين - أن يلحقوا الإسلام بغيره في الحجر على العقول، أخذوا يتلمسون من الروايات ما يفي بمرادهم، وهم يعلمون حقيقة ما يكيدون، والمثال الذي أرجفوا به ما جاء في بعض الآثار أن رجلا يسمى (صبيح بن عسل) قدم إلى المدينة في عهد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فجعل يسأل عن المتشابه في القرآن ليوقع البسطاء في شكوك واهية لا يقدرون على دفعها، فنفاه عُمر عن المدينة وأمر ألا يجالس أحدًا حتى يصلح أمره، ومن ينظر إلى موقف عمر يجده سليمًا لا شبهة فيه، فالرجل لا يريد أن يهتدي إلى حق، فهو لا يسأل العلماء الفاقهين من أمثال: علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وعبد الله بن عباس – رضي الله عنهم -؛ بل يتعمّد العامة ليوقعهم في الأباطيل، ولو أنه جاء إلى عمر بن الخطاب نفسه وسأله عمّا جال في صدره لأجابه أو أحاله إلى العارفين من مشيخة الصحابة، ولكنه كان ذا غرض فَطِنَ إليه أمير المؤمنين فنفاه عن المدينة بعد أن أمره ألا يجالس أحدًا ممن يقعون في حبائله!

تحديات العصر الحديث وحلول ومقترحات

لو وُجِد هذا الرجل اليوم في دولة متحضرة وأخذ يرجف بدستورها ومقرراتها، لكان الحبس أهون جزاء يلقاه! فكيف تكون هذه الحادثة دليلا على محاربة الفكر وتقييد النظر؟!؛ وتكون وحدها الدليل على أن الإسلام يقف في طريق الباحثين.

وحين ترجمت علوم المنطق والفلسفة إلى اللغة العربية، وشاع تداولها بين الباحثين كان العلماء بإزائها فريقين: فريق اتخذ من قواعدها ميزانًا للجدل الفكري، كبعض علماء الكلام، وفريق لم يصب التطبيق فيما حاوله من الإسناد إلى الأقيسة المنطقية في تأكيد المقررات الإسلامية، فخلطوا الحق بالباطل، وضلَّت بعض الأفهام في تمحيص الحقائق؛ مما اضطر بعض الفقهاء إلى القول بتحريم الاشتغال بالمنطق في مجال العقيدة، ولهم عذرهم الواضح الذي بيّنه الأستاذ/ عباس محمود العقاد بقوله: "فمن كان من أصحاب المنطق أهلا لمعرفة وجوهه، لم يكن أهلا لتطبيقها على معاني القرآن الكريم وعباراته تجعله بذوق اللغة، وأسرار بلاغتها، ومن كان يعرف اللغة لم يكن من ذوي المعرفة بالبرهان والقياس، وشرٌّ من هؤلاء من يجهلون اللغة كما يجهلون المنطق؛ ثم يهرفون بما لا يعرفون في شئون ترتبط بها سلامة المجتمع، وطمأنينة الخواطر، وشرٌّ من هؤلاء جميعًا من يعرفون اللغة والمنطق ويسيئون النية عمدًا لإزعاج الخواطر المطمئنة وتقويض المجتمع السليم".

إذن فالادعاء بمحاربة المنطق في الإسلام ليس على إطلاقه، وإنما كان درءًا لخطرٍ هائلٍ قام به من يجهلون المنطق والإسلام معا!

والآن في العصر الحديث نجد كتب الإصلاح اجتماعيًّا وسياسيًّا ودينيًّا في أرقى الأمم المتحضرة، لا يلتزم مؤلفوها بقواعد المنطق ولا يحتكمون لغير الأدلة الفكرية الصريحة التي تعتمد على الإحاطة الشاملة والتحليل الصائب، والاستنباط العقلي الذي يكون نتيجة لما تقدِّمه من الأسباب والأسانيد، وهذا النمط من الفكر المستقل نجده في كتب الكبار من أعلام الإسلام كالغزالي وابن حزم وابن خلدون والشاطبي، وكلها نتيجة فكر حر مستقل؛ وغاية بحث دقيق مستوعب، دعت إليه الحرية الفكرية الخالصة التي دعا إليها القرآن الكريم.

الخلاصة

أن التفكير فريضة على كل إنسان، وشجّع الإسلام على استخدام العقل والتدبر في آيات كثيرة، وأعلى من مكانة العلم والعلماء، ورفض التقليد الأعمى، وساهم هذا الانفتاح في ازدهار الفكر الإسلامي وظهور علماء كبار في مختلف المجالات العلمية؛ فلم يمنع استخدام المنطق، بل حذّر فقط من سوء استخدامه من غير المؤهلين، دفعًا للفتنة والخلط بين الحق والباطل.

موضوعات ذات صلة

وصفٌ لفكر الإنسان وسلوكه دون غيره من المخلوقات.

المُسَاوَاة تعني أن يتساوى الناس جميعًا في الحقوق والواجبات.

الرحمة صفة عظيمة تعني التلطف بالغير والإحسان إليه ونزع الشر والسوء من النفس.

موضوعات مختارة