Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

ظاهرة التشاؤم من شهر صفر..نظرة دينية متوازنة

الكاتب

هيئة التحرير

ظاهرة التشاؤم من شهر صفر..نظرة دينية متوازنة

التشاؤم من شهر صفر من الأمور التي عالجها الشرع الشريف من أجل بناء شخصية دينية متزنة؛ فهو إرث جاهلي أبطلته الشريعة الإسلامية التي حثت على التفاؤل والتوكل على الله تعالى، وقد أكدت الشريعة أيضًا على أن الشهور والأيام لا تحمل شؤمًا بطبعها وأن الخير والشر، والنفع والضر هو بتقدير الله سبحانه وتعالى. 

الجذور التاريخية للتشاؤم من شهر صفر في الجاهلية

قبل بزوغ فجر الإسلام، كانت للعرب في الجاهلية معتقداتٌ خرافية متنوعة، من أبرزها التشاؤم الشديد من شهر صفر؛ إذ كانوا يعتبرونه شهرَ نحسٍ، تكثر فيه المصائب والفتن والكوارث والحروب.

وقد دفعهم هذا الاعتقاد إلى تجنّب ممارسة بعض الأنشطة المهمة خلال هذا الشهر، كعقد الزواج، أو إبرام الصفقات التجارية، أو السفر، خشية أن تعود عليهم بنتائج سلبية.

وكان من أسباب ربط هذا الشهر بالنحس، استئناف الحروب والغارات بعد انتهاء الأشهر الحُرُم (ذو القعدة، ذو الحجة، المحرم) التي كان القتال فيها محرّمًا؛ فبما أن صفر يأتي مباشرة بعد المحرم، فقد كان يمثّل فترة استئناف الأعمال العدائية، مما أدى إلى اعتباره شهرًا للنزاعات والحروب.

وقد ارتبط اسم "صفر" نفسه، الذي يعني "الخلو" (من "صَفِرَ الإناءُ" أي خلا، أو "صِفْر اليدين" أي خالي اليدين)، بخلوّ المدن من رجالها لخروجهم للحرب، أو سلب أمتعتهم، مما يجعلهم "صفر اليدين"

وربطْ هذه الممارسات البشرية (كالحروب) بفترة زمنية محددة (صفر)، أدّى إلى تعزيز الاعتقاد الخرافي بأن الشهر نفسه هو مصدر النّحس، مما يوضّح كيف يمكن للأفعال البشرية أن تخلق وتدعم معتقداتٍ خرافية حول الزمان، حتى لو كان السبب الحقيقي هو سلوك الإنسان، لا صفةً متأصلة في الشهر.

تفسيرات مختلفة لكلمة "صفر" في التراث اللغوي والشرعي

لقد اختلف العلماء الأوائل في تفسير كلمة "صفر" الواردة في الحديث الذي أخرجه البخاري، ومسلم في صحيحهما عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «لا عَدْوَى وَلا طِيَرَةَ وَلا هَامَةَ وَلا صَفَرَ».

قال الملا القاري رحمه الله في "مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" (٧/ ٢٨٩٤): "(وَلَا صَفَرَ)... كَانَتِ الْعَرَبُ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ حَيَّةٌ فِي الْبَطْنِ، وَاللَّدْغُ الَّذِي يَجِدُهُ الْإِنْسَانُ عِنْدَ جُوعِهِ مِنْ عَضِّهِ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ، قَالَ بَقَيَّةُ: سَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ رَاشِدٍ عَنْهُ؟ قَالَ: كَانُوا يَتَشَاءَمُونَ بِدُخُولِ صَفَرَ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: " «لَا صَفَرَ» " قَالَ: وَسَمِعْتُ مَنْ يَقُولُ: هُوَ وَجْهٌ يَأْخُذُ فِي الْبَطْنِ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ يُعْدِي. قَالَ أَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ مَالِكٌ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يُحِلُّونَ صَفَرًا عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «لَا صَفَرَ».

قَالَ النَّوَوِيُّ: "قِيلَ: كَانَتِ الْعَرَبُ تَعْتَقِدُ أَنَّ فِي الْبَطْنِ دَابَّةً تَهِيجُ عِنْدَ الْجُوعِ، وَرُبَّمَا قَتَلَتْ صَاحِبَهَا، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَرَاهَا أَعْدَى مِنَ الْحَرْبِ، وَهَذَا التَّفْسِيرُ هُوَ الصَّحِيحُ، وَبِهِ قَالَ مُطَرِّفٌ، وَابْنُ عُبَيْدٍ وَغَيْرُهُمَا، وَقَدْ ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَاوِي الْحَدِيثِ، فَتَعَيَّنَ اعْتِمَادُهُ. قُلْتُ: الْأَظْهَرُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَعَانِي، فَإِنَّهَا كُلَّهَا بَاطِلَةٌ كَمَا سَبَقَ نَظِيرُهُ. قَالَ الْقَاضِي: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نَفْيًا لِمَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ شَهْرَ صَفَرَ تَكْثُرُ فِيهِ الدَّوَاهِي وَالْفِتَنُ."

وعلى الرغم من اختلاف تفسير العلماء لمعنى "صفر" في الحديث، إلا أنهم مجمعون على أن المقصود منه هو إبطال التشاؤم به، ويؤكد هذا التوافق المبدأ الإسلامي الأوسع، في رفض جميع أشكال الخرافة، وإسناد القوة والتأثير المطلق لله وحده.

عادة النسيء وتأثيرها على شهر صفر

كانت عادة "النسيء" ممارسةً جاهلية، تتمثل في التلاعب بالتقويم القمري، حيث كانوا يؤخّرون أو يقدّمون الأشهر الحُرُم حسب مصالحهم، خاصة لأغراض القتال، وقد حرّم القرآن الكريم هذه الممارسة صراحةً.

وفي بعض الحالات، كانوا يُحلّون شهر المحرّم (وهو من الأشهر الحُرُم) للقتال، ويجعلون شهر صفر بدلًا عنه شهرًا محرّمًا، أو على الأقل شهرًا تُستأنف فيه الحروب بعد فترة الهدنة الإجبارية.

وقد ساهم هذا التلاعب في أن يُنظر إلى شهر صفر نظرةً مختلفة عن بقية الشهور، إما كبديلٍ لشهرٍ حرام، أو كشهرٍ يعود فيه الصراع.

وهذا الارتباط المتكرّر بين شهر صفر واستئناف الحروب، وما يتبعها من كوارث (كخسائر في الأرواح والممتلكات)، أدّى بطبيعة الحال إلى ربط الشهر ثقافيًّا بالنحس، حتى لو كان السبب الأساسي هو الأفعال البشرية (كالحرب)، لا خاصيةً متأصلة في الشهر نفسه.

الموقف الشرعي من التشاؤم شهر صفر

لقد نهى الشرع الشريف عن عادة التطير والتشاؤم، وهي عادةٌ جاهلية تقوم على الاعتقاد بأن بعض الأوقات أو الأيام أو الشهور تحمل شؤمًا أو سوءًا.

ومن الأمثلة على ذلك: الاعتقاد بأن شهرًا معيّنًا أو يومًا محددًا يجلب معه المتاعب والصعوبات، أو أن التوفيق فيه يكون منعدمًا.

ويؤدي هذا النوع من الخرافات إلى الامتناع عن قضاء الحاجات أو إقامة المناسبات في هذه الأوقات، وهو ما يتعارض مع عقيدة التوكل على الله.

وقد ورود هذا النهي الشرعي عن التشاؤم والتطيّر عمومًا باعتباره عادة جاهلية؛ فقد ورد النّهي النبوي عن التشاؤم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «لا عَدْوَى وَلا طِيَرَةَ وَلا هَامَةَ وَلا صَفَرَ» [أخرجه البخاري، ومسلم في صحيحهما].

ويقول الإمام ابن عبد البر رحمه الله في "الاستذكار" : "وأما قوله: "ولا صَفَرَ" فقال ابن وهب: هو من الصفّار، يكون بالإنسان حتى يقتله، فقال النبي  صلى الله عليه وسلم : «لا يَقتُل الصفّار أحدًا»، وقال آخرون: هو شهرُ صفر، كانوا يُحلّونه عامًا، ويحرّمونه عامًا، وذكر ابن القاسم عن مالك مثل ذلك.[٨/ ٤٢٤، ط/ دار الكتب العلمية].

يتّضح من هذه النصوص وأقوال العلماء أن التشاؤم بشهر صفر، واعتقاد أنه شهرٌ تكثر فيه المصائب والفتن، هو أمرٌ محرمٌ شرعًا، وأن هذه المعتقدات من موروثات الجاهلية التي أبطلها الإسلام وقضى عليها بنصوصه الحكيمة وتطبيقات سيد الخلق صلى الله عليه وآله وسلم وصحابته الأبرار.

شهر صفر كسائر الشهور، أمثلة من سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم.

وللتأكيد على أن شهر صفر ليس شهرًا مشؤومًا بطبعه، قام النبي صلى الله عليه وسلم بأحداثٍ عظيمة خلاله، مما يدلّ على أنه لا يحمل أي نحسٍ خاص، فقد هاجر النبي -صلى الله عليه وسلم-، ووقعت فيه غزواتٌ كغزوة خيبر، كما زوّج ابنته فاطمة -رضي الله عنها- من علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- في هذا الشهر.

وتُعدّ هذه الأفعال النبوية الشريفة دحضًا عمليًّا للمعتقدات الجاهلية الخرافية، وتأكيدًا على أن شهر صفر كغيره من الشهور، يخضع لتقدير الله سبحانه وتعالى وقضائه كسائر الأيام والشهور.

واقتداءً بحضرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم سار العلماء على نهجه الشريف، وأعلوا من قيمة التفاؤل؛ فكان من الوسائل التي واجه بها العلماء الأتقياء هذا التشاؤم: أن بعضهم كان يسمّيه "صفر الخير"، في مواجهة هذا التصور السلبي عن الشهر، وهو ما يعد تطبيقًا عمليًّا من علماء الأمة الذين هم ورثة الأنبياء.

الخلاصة

إنّ ظاهرة التشاؤم من شهر صفر هي اعتقادٌ جاهليّ قديم، يرى في هذا الشهر مصدرًا للنحس والمصائب، وقد أبطل الإسلام هذه الخرافة بشكلٍ قاطع، مؤكدًا أن الشهور والأيام لا تحمل في ذاتها أيّ شؤم، فنبي الرحمة سيدنا محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- نهى عن هذا الاعتقاد بقوله: «لا عَدْوَى وَلا طِيَرَةَ وَلا هَامَةَ وَلا صَفَرَ»، كما أن سيرته العملية شهدت أحداثًا عظيمة وقعت في هذا الشهر، مما يدل على أنه شهر كسائر الشهور. ولكي نواجه تلك الظاهرة يتطلّب منا جميعًا تعميق عقيدة الإيمان بالقضاء والقدر، وحسن التوكل على الله، إلى جانب نشر الوعي الديني الصحيح؛ لدحض هذه المعتقدات والموروثات التي أبطلها الوحي الشريف.

موضوعات ذات صلة

الشؤم هو توقّع الشر والتطيّر بالشيء.

الشؤم هو التطيرُ بالشيء ومن الشيء، وذلك بتوقع الشر.

ظاهرة التشكيك المفرط، والحيرة المستمرة، ونشر روح التشاؤم من أخطر الظواهر السلبية.

موضوعات مختارة