القلبُ مرآةُ التجلّي، ولا يشرقُ فيها نورُ الحق إلا إذا انقشع عنها غبارُ الخَلق؛ فالتخليةُ بابُ التحلية، ومن تركَ كدرَ الغلّ نوديَ في ملكوتِ الصفاء: {ٱدۡخُلُوهَا بِسَلَٰمٍ ءَامِنِینَ} [الحجر: ٤٦].
القلبُ مرآةُ التجلّي، ولا يشرقُ فيها نورُ الحق إلا إذا انقشع عنها غبارُ الخَلق؛ فالتخليةُ بابُ التحلية، ومن تركَ كدرَ الغلّ نوديَ في ملكوتِ الصفاء: {ٱدۡخُلُوهَا بِسَلَٰمٍ ءَامِنِینَ} [الحجر: ٤٦].
تخليةُ القلبِ من الغِلِّ عملٌ يُورِثُ الإنسانَ توازنًا، ويجعله يرى الحقائقَ كما هي؛ فلا يُغَبِّشُ الغِلُّ عليه شيئًا منها، بل ينظرُ إلى ما حوله بقلبٍ صافٍ، فيتخلَّى عن الكِبْر والأنانية والحقد والحسد، ويتخلَّى عن الظلم، وعن التصرفات الهوجاء التي قد يرتكبها بحق نفسه أو غيره أو أمته.
والغِلُّ يُؤدِّي إلى اختلال الميزان في يد الإنسان؛ يأكل قلبه ويُغبِّش طريقه، ونحن ندعو اللهَ كل يوم في صلواتنا: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: ٦]، والصراطُ المستقيمُ طريقُ الله، وطريقُ الله لا يعرف الغِلَّ، فإذا تخلَّيتَ عن الغِلِّ من قلبك، ودربتَ نفسك على ضبطه وتخليةِ القلبِ منه؛ سعدتَ.
وقد يظنُّ كثيرٌ من الناس أن ترك الغِلِّ مجرد خُلُقٍ راقٍ فحسب؛ بل هو سببٌ للسعادة في الدنيا، وجعله الله علامةً على السعادة في الآخرة، جزاءً للمتقين على تقواهم: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ * وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ * لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ} [الحجر: ٤٦ - ٤٨]؛ ساقها اللهُ ـ سبحانه وتعالى ـ في سياق المِنَّة، ولم يَسُقْها في سياق التكليف الذي يتكلف فيه الإنسانُ المشقةَ لإزالة هذا الأمر من قلبه طلبًا لرضوان الله ـ جل جلاله ـ، بل جعله من هذه الأمور التي يمنُّ اللهُ علينا بها في الجنة جزاءً وفاقًا لما سبق أن قدمناه من التقوى؛ فنزعُ الغِلِّ نعمةٌ يرجع أثرُها إليك: سعادةً، وسلامًا، ورفعًا للنَّصَب في الدنيا والآخرة.
وتخليةُ القلوب من الغِلِّ قد تحتاج إلى وقت؛ فالتربيةُ تحتاج إلى وقتٍ وهِمَّةٍ واستمرار، وتحتاج إلى أن ننقِل ذلك إلى أولادنا منذ الصغر، بعملٍ دائم؛ فقد كان ﷺ عملُه دِيمَة، وقال ﷺ: «أحبُّ الأعمالِ إِلى اللهِ أدومُها وإِن قَلَّ»، فسيطر على نفسك، وقاوم الغِلَّ تجاه إخوانك والعالمين، وتجاه هذا الكون المخلوق لرب العالمين، ولا تدعه يتحول إلى كِبْرٍ أو ظلمٍ أو أنانيةٍ تملأ القلوب؛ فتسعد في الدنيا، ثم تلقى ربك وهو راضٍ عنك، وإذا خلَّيتَ قلبك من القبيح، فإن الله لا يترك القلب فارغًا؛ بل يُحَلِّيه بالرضا والتسليم والسماحة، ويُحَلِّيه بالبصيرة والنور، فترى الأشياء على وجهها.
ليس الغلُّ إلا سجنَ الذاتِ وقيدَ الروحِ عن الطيران في فضاءِ المشاهدة، فإذا ما جاهدَ المريدُ نفسَه بإدامةِ الذكر وصدقِ الافتقار، نزع اللهُ من صدره أشواك الأنانية ليغرس مكانها رياحين الرضا؛ إنها رحلةٌ من ظلمات الحقد إلى أنوار البصيرة، حيث لا يترك الكريمُ قلبًا فرغَ من السِّوَى إلا ملأه بالبهاء والهدى، هناك يرى العارفُ الأشياءَ بعينِ الحق لا بعينِ الخلق، فيستوي عنده المنعُ والعطاء، ويغدو قلبُه جنةً معجلةً قبل جنة المآب؛ فيا مَن ترومُ الوصل، طهّر إناءك ليصُبَّ فيه ساقي القلوبِ شرابَ التسليمِ والرضا.
يمثّل خُلُقا الرضا والتسليم لله جوهر العلاقة بين العبد وربّه، فهما ينبعان من الإيمان بحكمة الله وتدبيره المطلق للكون.
عكس الحب، وهي داء يولّد الحسد والبغضاء والظلم.
هو تمنيُّ زوالِ النعمةِ عن الآخرينَ.