يمثّل خُلُقا الرضا والتسليم لله جوهر العلاقة بين العبد وربّه، فهما ينبعان من الإيمان بحكمة الله وتدبيره المطلق للكون، ومن استقرّ هذا المعنى في قلبه عاش في رحمةٍ وطمأنينةٍ وهدوءٍ نفسي، مستسلمًا لإرادة الله بلا تبرّم ولا اعتراض.
يمثّل خُلُقا الرضا والتسليم لله جوهر العلاقة بين العبد وربّه، فهما ينبعان من الإيمان بحكمة الله وتدبيره المطلق للكون، ومن استقرّ هذا المعنى في قلبه عاش في رحمةٍ وطمأنينةٍ وهدوءٍ نفسي، مستسلمًا لإرادة الله بلا تبرّم ولا اعتراض.
هذا الكون ملك الله، والذي يرتِّبه ويرسم أحداثَه هو الله، عقيدةٌ مرتبطةٌ بخُلُقَيْ التسليمُ والرِّضا، وهذا يترتَّب عليه الرَّحمة، ويترتَّب عليه الهدوءُ النفسي، ويترتَّب عليه التوكُّلُ على الله سبحانه وتعالى، ويترتَّب عليه أيضًا شكرُ الله سبحانه وتعالى، وتعظيمُ النعمة التي أنعم اللهُ علينا بها، وألَّا تُخالِف إرادتُك إرادةَ الله سبحانه وتعالى.
وكان بعضُ العارفين – أبو عثمان الحِيري – يقول: «منذ أربعين سنةً ما أقامني الله في حالٍ فكرهتُه». هذا الأثر يوضِّح لنا هذا الحالَ الطيبَ المستقرَّ مع الله سبحانه وتعالى؛ «ما أقامني الله في حالٍ فكرهتُه». طبعًا الحال متغيِّر؛ فقد يكون حالَ خيرٍ وسَعَةٍ، وقد يكون حالَ ضيقٍ وشدَّة، لكنه كان راضيَ القلب في كلٍّ من حال السُّرور والسَّعة والضِّيق والشِّدَّة، والنبي ﷺ يقول: «عَجَبًا لأمرِ المؤمنِ إنَّ أمرَه كلَّه له خيرٌ؛ إن أصابته سرَّاءُ شكر، وإن أصابته ضرَّاءُ صبر». حتى الشوكةُ يُشاكُها المؤمنُ تُكفِّر عنه سيئاته، وتغفر ذنوبه، وترفع درجاته.
« منذ أربعين سنةً ما أقامني الله في حالٍ فكرهتُه، ولا نقلَني إلى غيرِه فسخِطتُه»؛ يعني ينقله من حالٍ إلى حالٍ، من الفقر إلى الغنى، ومن الغنى إلى الفقر، ومن الفقرِ مرةً ثانيةً إلى الغنى، وهو راضٍ؛ ولذلك كلُّ ما يَصدُر عنه يَصدُر لله؛ لا يتبرَّم، ولا يعترض، ولا يحدُث عنده همٌّ وحزنٌ يَعطِّلُه عن إكمال الطريق. فإن سَخِطَ الإنسانُ الحالةَ التي يكون عليها، وتشوَّفَ إلى الانتقال عنها بنفسِه، وأراد أن يحدُثَ غيرُ ما أظهره الله سبحانه وتعالى في الكون، فقد بلغ غايةَ الجهل بربِّه، وأسَاء الأدبَ في حضرتِه سبحانه وتعالى.
وعليه أن يَعلَمَ الحقيقةَ، وهي أنه لا يكون في كونه سبحانه إلا ما أراد، من خيرٍ أو شرٍّ، ومن نفعٍ أو ضُرٍّ، وأنَّ كلَّ شيءٍ إنما هو بأمره وتحت سلطانِه، فلا حولَ ولا قوةَ إلا بالله.
وقد كان من دعاء الصالحين: «اللهم علِّمنا الأدبَ معك».
إن الرضا والتسليم يفتحان للإنسان باب الأدب مع الله، ويمنحانه نظرًا عميقًا إلى حقيقة الوجود وتقلّباته، ومن تحقق بهما سعد في حال السعة والضيق، وسار إلى الله بقلب راضٍ مطمئن.
التصوف ينظر إلى الشكر باعتباره حالة وجودية تتجلى في القلب واللسان والجوارح.
الإنسان يجمع بين عالمين لا ينفصلان: ظاهر محسوس وباطن عميق، هذا التلاحم يُشكّل جوهر الوجود البشري والديني.
هي أساس التطهير الروحي والارتقاء في درجات القرب الإلهي، ورؤية السادة الصوفية للتوبة شاملة.