Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الدعم النفسي للمرأة بين الواجب الديني والضرورة المجتمعية

الكاتب

وزارة الأوقاف المصرية

الدعم النفسي للمرأة بين الواجب الديني والضرورة المجتمعية

كيف جعل الإسلام الصحة النفسية للمرأة واجبًا وليس ترفًا؟ وما العلاقة بين الدعم النفسي واستقرار الأسرة والمجتمع؟

المرأة في الإسلام كرامة ورعاية نفسية

ما من دين أو نظام كرَّم المرأة وأعلى شأنها مثلما فعل الإسلام، لقد جاء الحبيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ ليخرج المرأة من ظلمات الجاهلية التي كانت تعتبر فيها سلعة أو متاعًا يُورث، إلى نور الإسلام الذي جعلها شقيقة الرجل قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّمَا النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ» [سنن أبي داود: (٢٣٦)]، فهي الأم والمربية وشريكة في الحياة، قال الله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: ٢١]، هذه الآية تؤسس لمبدأ نفسي عميق: السكن النفسي والمودة والرحمة هي أساس العلاقة الزوجية، "وجعل بينكم بالمصاهرة والختونة مودة تتوادون بها، وتتواصلون من أجلها، ورحمة رحمكم بها، فعطف بعضكم بذلك على بعض" [انظر: الطبري، "جامع البيان"، تفسير سورة الروم، (٨/٤٧٨)]، وكلها أبعاد نفسية قبل أن تكون جسدية، من هنا تنطلق ضرورة الاهتمام بالصحة النفسية للمرأة، ليس كمنحة أو تطوّع، بل كواجب ديني ومجتمعي.

الدعم النفسي للمرأة مفهومه وأهميته

الدعم النفسي هو مجموعة من الخدمات والمساعدات التي تُقدَّم للمرأة لمساعدتها على مواجهة الضغوط الحياتية والمشكلات العاطفية والأسرية والمهنية، يختلف الدعم النفسي عن العلاج النفسي في أنه ليس بالضرورة تدخلًا طبيًا متخصصًا لعلاج اضطراب عقلي، بل هو مساندة واستماع وتوجيه وإحساس بأن هناك من يهتم، وقد أشار الحبيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى هذا المعنى في حديثه الشريف: «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ» [رواه البخاري: (٢٤٤٦)]، فالمؤمنات بعضهن لبعض كذلك، يحتاج بعضهن إلى سند نفسي من أخريات، في عصرنا الحالي، زادت الضغوط على المرأة بشكل غير مسبوق: فهي تعمل خارج المنزل، وتدير شئون الأسرة، وتتابع تعليم الأبناء، وتواجه توقعات مجتمعية متضاربة، كل هذه العوامل تجعلها أكثر عرضة للقلق والاكتئاب والإرهاق النفسي.

الأدلة الشرعية على وجوب رعاية الصحة النفسية للمرأة

الدين الإسلامي لم يغفل الجانب النفسي في تشريعاته، بل جعل رعاية النفس الإنسانية عبادة وقربة إلى الله تعالى، من مقاصد الشريعة حفظ النفس، وهذا لا يقتصر على الجانب الجسدي بل يمتد إلى الجانب النفسي أيضًا، وقد أمر الله عز وجل بالرفق واللين والرحمة في التعامل مع المرأة، وجعل لها حقوقًا نفسية قبل أن تكون حقوقًا مادية، قال الله تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: ١٩]، والمعروف يشمل كل ما يطمئن النفس ويسعد القلب، كما أمر سبحانه بالاستماع للرأي وأخذ المشورة، كما كان الحبيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم يفعل مع زوجاته وأمهات المؤمنين رضي الله عنهن، فقد ثبت في الصحيح أنه كان يجلس معهن ويستمع إليهن ويشاورهن في أمور الدين والدنيا [انظر: مسند الإمام أحمد: (١٨٩١٠)].

عندما تقدم مؤسسة أو جهة دعمًا نفسيًّا للمرأة، فإنها تحقق مقصدًا شرعيًا عظيمًا، إن تقديم الدعم النفسي للمرأة العاملة، والاستماع إلى مشكلاتها الأسرية والنفسية، والإجابة عن استفساراتها الدينية، كلها صور من صور التكافل الاجتماعي الذي حث عليه الإسلام، قال الله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ} [المائدة: ٢]، وترك المرأة وحيدة أمام ضغوطها دون سند نفسي هو نوع من التقصير المجتمعي والديني معًا.

الضغوط النفسية التي تواجه المرأة المعاصرة

تعاني المرأة اليوم من أنواع متعددة من الضغوط التي قد تتراكم لتؤدي إلى أزمات نفسية خطيرة:

أولًا: ضغوط العمل، حيث تتحمل المرأة مسئوليات مهنية قد تصل إلى ثماني ساعات يوميًا مع متطلبات دقة عالية.

ثانيًا: ضغوط الأسرة، من تربية أطفال ورعاية زوج ومسئوليات منزلية لا تنتهي.

ثالثًا: التوقعات المجتمعية المتضاربة، فهي مطالبة بأن تكون ناجحة في عملها، ومثالية في بيتها، جميلة في شكلها، ومتواضعة في روحها، وهذا التناقض يخلق قلقًا دائمًا.

رابعًا: المشكلات الأسرية الخاصة مثل خلافات زوجية، أو أبناء في مراحل عمرية صعبة، أو ضائقة مالية.

خامسًا: الوحدة النفسية رغم وجود الكثير من الناس حولها، فليس كل من حولها يستمع إليها حقًا، كل هذه الضغوط، إذا تراكمت دون معالجة أو دعم، تؤدي إلى أمراض نفسية عضوية كالاكتئاب المزمن، واضطرابات القلق، والأرق، وفقدان الشهية، أو الإفراط فيها، يقول الحبيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم : «لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ» [رواه ابن ماجه: (٢٣٤٠)]، وترك المرأة تعاني نفسيًا دون سند هو من أعظم الضرر.

الدعم النفسي كاستثمار في استقرار الأسرة

عندما تحصل المرأة على دعم نفسي مناسب؛ فإن العائد لا يقتصر عليها وحدها بل يمتد إلى كل من حولها، فالمرأة المستقرة نفسيًا تكون أكثر قدرة على تحمل مسئولياتها الأسرية، وأكثر صبرًا مع أبنائها، وأكثر حكمة في التعامل مع زوجها، الأسرة التي تشعر فيها الأم أو الزوجة بالأمان النفسي تكون أقل عرضة للخلافات، وأكثر قدرة على حل المشكلات بشكل هادئ، الدراسات الاجتماعية تؤكد أن نسبة الطلاق والمشكلات الأسرية تنخفض بشكل كبير حين تتوفر برامج دعم نفسي للمرأة داخل المؤسسات التي تعمل بها أو عبر مراكز متخصصة، قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان: ٧٤]، قرة العين هي الطمأنينة النفسية والسرور، تقديم الدعم النفسي للمرأة هو استثمار حقيقي في مستقبل الأسر والمجتمع، يقي من مشكلات أكبر وأعلى تكلفة مثل التفكك الأسري، وعنف الأطفال، وإدمان المراهقين.

آليات تقديم الدعم النفسي للمرأة في المؤسسات

توجد عدة آليات عملية يمكن لأي مؤسسة أن تقدم من خلالها دعمًا نفسيًا فعالًا للعاملات فيها:

أولًا: إنشاء خط ساخن أو بريد إلكتروني مخصص لتلقي الاستفسارات النفسية والدينية والمشكلات الأسرية، مع ضمان السرية التامة.

ثانيًا: عيادة نفسية داخلية مع أخصائية نفسية تقدم الاستشارات بشكل دوري.

ثالثًا: ورش عمل ودورات تدريبية عن إدارة الضغوط، مهارات التواصل الأسري، وتطوير الذات.

رابعًا: تخصيص وقت للاستماع الفعلي من قبل المشرفات، حيث تشعر كل موظفة بأن هناك من يهتم بما تمر به.

 خامسًا: نشر ثقافة الصحة النفسية وإزالة الوصمة المرتبطة بطلب المساعدة النفسية، بأن يكون الحديث عن الصحة النفسية طبيعيًا مثل الحديث عن الصحة الجسدية، هذه الآليات، إذا طبقت بإخلاص، ستحدث تحولًا كبيرًا في بيئة العمل والحياة الشخصية للمرأة، وقد كان الحبيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم قدوة في هذا المجال، إذ جعل المسجد النبوي مكانًا للاستشارات النفسية والاجتماعية للنساء، وكان يخصص وقتًا لهنّ أسبوعيًا يجلس فيه معهن ويستمع إلى مشكلاتهن، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ : قَالَتِ النِّسَاءُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: غَلَبَنَا عَلَيْكَ الرِّجَالُ، فَاجْعَلْ لَنَا يَوْمًا مِنْ نَفْسِكَ. فَوَعَدَهُنَّ يَوْمًا لَقِيَهُنَّ فِيهِ، فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ، فَكَانَ فِيمَا قَالَ لَهُنَّ: «مَا مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ تُقَدِّمُ ثَلَاثَةً مِنْ وَلَدِهَا إِلَّا كَانَ لَهَا حِجَابًا مِنَ النَّارِ»، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: وَاثْنَتَيْنِ؟ فَقَالَ: «وَاثْنَتَيْنِ» [صحيح البخاري:(١٠١)].

الدروس المستفادة

  1. الصحة النفسية للمرأة ليست ترفًا بل ضرورة دينية ومجتمعية، وإهمالها يؤدي إلى خسائر أسرية واجتماعية كبيرة.
  2. الدعم النفسي يختلف عن العلاج النفسي، وهو أوسع وأشمل، ويشمل الاستماع والمساندة والتوجيه.
  3. الضغوط النفسية على المرأة المعاصرة متعددة ومتراكمة، ولا يمكن للمرأة أن تواجهها وحدها.
  4. تقديم الدعم النفسي للمرأة هو استثمار حقيقي في استقرار الأسر وتماسك المجتمع.
  5. المؤسسات الناجحة هي التي تدرك أهمية الدعم النفسي لموظفاتها وتوفره بآليات عملية وسرية.
  6. السرية والثقة هما أساس نجاح أي برنامج دعم نفسي للمرأة.
  7. إزالة الوصمة حول طلب المساعدة النفسية هي الخطوة الأولى لتفعيل برامج الدعم.

الأسئلة الشائعة

س: ما الفرق بين الدعم النفسي، والعلاج النفسي في الإسلام؟

ج: الدعم النفسي هو مساندة واستماع وتوجيه لمواجهة ضغوط الحياة العادية، أما العلاج النفسي فهو تدخل متخصص لعلاج اضطرابات نفسية محددة، وكلاهما مأمور به شرعًا في باب حفظ النفس.

س: هل تقديم الدعم النفسي للمرأة يشجع على التذمر والاتكالية؟

ج: لا، بل بالعكس، الدعم النفسي يزيد من قوة المرأة ومرونتها النفسية، ويمكنها من مواجهة التحديات بشكل أفضل.

س: كيف يمكن للمؤسسات الصغيرة تقديم دعم نفسي دون ميزانية كبيرة؟

ج: يمكن البدء بخط ساخن بسيط، أو تخصيص ساعة أسبوعيًا لأخصائية نفسية متطوعة، أو التعاون مع جهات خارجية متخصصة، كما كان الحبيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم يستخدم البساطة في تقديم الدعم.

الخلاصة

الدعم النفسي للمرأة ليس رفاهية تقدمها بعض المؤسسات المتطورة، بل هو واجب ديني وضرورة مجتمعية، المرأة السليمة نفسيًا هي أم سليمة، وزوجة سليمة، وموظفة منتجة، عندما تقدم المؤسسات برامج لدعم الصحة النفسية للعاملات فيها، فإنها لا تحسن فقط جودة حياتهن، بل تستثمر في استقرار الأسرة وتماسك المجتمع ككل، ولعل مبادرة "إحنا سندك" تمثل نموذجًا رائدًا يحتذى في هذا المجال، بتوفيرها قنوات للاستماع والإرشاد النفسي والديني للمرأة، وإدراكها أن سند المرأة هو سند للأسرة كلها، نسأل الله تعالى أن يبارك في كل جهد يخدم المرأة والبيت والمجتمع.

موضوعات ذات صلة

الإسلام كرّم المرأة ومنحها حقوقها المدنية والإنسانية، مؤكدًا دورها كشريك أساسي في بناء المجتمع.

الإسلام بنصوصه القطعية وأحكامه العادلة، قد منح المرأة مكانة سامية وحقوقًا راسخة.

ما هي الخطوات العملية لبناء برنامج دعم نفسي ناجح للموظفات في أي مؤسسة؟

الإسلام أعطى المرأة مكانة سامية تحفظ لها كرامتها وتؤكد مساواتها في كافة الحقوق والواجبات.

تمثل الأمراض النفسية تحديًا حقيقيًا للأسرة، ولكنها ليست نهاية المطاف إذا ما تم التعامل معها بفهم ودعم ووعي.

موضوعات مختارة