Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الكتاب المقدس للديانة السيخية: (جب جي)

الكاتب

هيئة التحرير

الكتاب المقدس للديانة السيخية: (جب جي)

الـ جَبْ جِي هو أساس العقيدة السيخية، ويُرَسِّخُ وحدانية الله وضرورة ذكره، مُؤَكِّدًا أن الطهارة والطقوس الخارجية لا تُحَقِّقُ طمأنينة القلب أو الوصول إلى الحقيقة، بل تتحقق الحقيقة فقط بالالتزام الدائم بأمر الله وإرادته.

مقدمة: التعريف بالكتاب ومؤلفه

نص جَبْ جِي هو النص الكامل للصحيفة السيخية المقدسة، وهي ترجمة حرفية من اللغة البنجابية. تأليف الكُورُو نَانَك (١٤٦٩–١٥٣٩م) مؤسس الديانة السيخية. [تمت الترجمة بواسطة غُور دِيَال سِنْغ، ومراجعة محمد سعيد الطريحي، الأمين العام لدائرة المعارف الهندية]

العقيدة الأساسية (مُول مانترا)

"الله أَحَدٌ ذو الوجود الدائم لا يَزول، وهو الخالق المطلق للعالم كله، وليس هو خائفًا ولا عداوة له على أحد، فإنه غير محدود بأي قيود للأزمنة إطلاقًا، إذ ظهور كيانه هو من تلقاء نفسه بِعَيْنِه، وأيضًا مُبَرَّأٌ من قيد الولادة، فَاحْفَظْ ذِكْرَه، إذ التقرب إليه يَتَوَفَّر لمن تَكَرَّم الله عليه، وكان ذاته يَا نَانَك قائمًا منذ وقبل الأزل، وهكذا سوف لا يزال قائمًا حتى أَبَد الأبدين مُستقبلًا".

موقف الإسلام من مفاهيم الديانة السيخية الواردة في الـ جب جي

هناك نقاط تقارب واضحة في الجانب الروحي والأخلاقي، واختلافات جوهرية في الجانب العقدي والتشريعي.

١. التوحيد ووحدانية الله (مُول مانترا):

تتفق العقيدة الإسلامية مع المبدأ الأساسي الذي تؤكد عليه "مُول مانترا" في وحدانية الله (الله أَحَدٌ ذو الوجود الدائم لا يَزول، وهو الخالق المطلق)، وتفرده بالخلق والدوام، وتنزيهه عن النقص والزوال والولادة.

  • نقاط التوافق:

o       وحدانية الله (التوحيد): هذا هو الركن الأساس في الإسلام، كما قال تعالى: {قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ * ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ * لَمۡ يَلِدۡ وَلَمۡ يُولَدۡ * وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدُۢ} [الإخلاص: ١-٤] 

o       دوام الوجود: يتفق مع صفة الحي القيوم في الإسلام.

o       التنزيه عن المخلوقات: يتفق مع تنزيه الله عن أن يكون محدودًا أو خائفًا أو ذا عداوة أو أن يكون مولودًا.

  • نقاط الافتراق:

o       التجسيد أو التجلي (الوحدانية المطلقة): يرفض الإسلام أي مفهوم لتجسيد الله أو حلوله في مخلوقاته (كما ورد في الإشارة إلى أن آلهة مثل شِيفَا وبَرَهمَا هي مظاهر لله)، أو فكرة "مُبَرَّأٌ من قيد الولادة" التي قد تُشير إلى رفض فكرة التناسخ (تَناسُخ الأرواح) لكن الإسلام يرفضها رفضًا قاطعًا ويؤكد على أن الروح لا تحل في جسد آخر، بل تنتقل إلى عالم البرزخ.

٢. القضاء والقدر وطاعة الأمر الإلهي

يؤكد النص على أن الحقيقة وطمأنينة القلب تتحقق بالالتزام بـ "أمر الله وإرادته"، وأن العالم كله مُخَلَّق ومُسَيَّر "على حَسَبِ حُكْمِ الله".

  • موقف الإسلام: يتفق الإسلام تمامًا مع هذا المفهوم تحت مبدأ القضاء والقدر، ووجوب التسليم لأمر الله وحكمه، وأن كل شيء في الكون يسير بمشيئته سبحانه.

o       قال تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَٰهُ بِقَدَرٖ} [القمر: ٤٩].

o       الالتزام بأمر الله هو تحقيق العبودية والغاية من الخلق، وهو طريق الطمأنينة الحقيقية.

٣. أهمية الذكر والإيمان مقابل الطقوس الخارجية

يُشدد النص على أن الطهارة والطقوس الخارجية لا تُحَقِّقُ طمأنينة القلب، وأن الذكر والإيمان هما أساس النجاة والفضائل.

  • موقف الإسلام: يتوافق الإسلام مع هذه الرؤية الروحية الجوهرية:

o       محورية القلب والإخلاص: الطقوس (العبادات الشعائرية) لا قيمة لها دون النية الصادقة والإخلاص في القلب. قال  - صلى الله عليه وسلم: «إنَّما الأَعْمالُ بالنِّيَّاتِ، وإنَّما لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوَى».

o       ذكر الله (التسبيح): يعد الذكر أساسًا لـ طمأنينة القلب في الإسلام. قال تعالى: {أَلَا بِذِكۡرِ ٱللَّهِ تَطۡمَئِنُّ ٱلۡقُلُوبُ} [الرعد: ٢٨] .

o       العبادات الظاهرة والباطنة: الإسلام يوجب العبادات الظاهرة (كالصلاة والصيام) كوسائل لتربية النفس وتزكيتها، ولكن جوهرها هو طهارة القلب وصدق التوجه لله.

٤. قانون العمل والجزاء (الكارما والعدل الإلهي)

يشير النص إلى أن أعمال البشر (الخير والشر) مكتوبة، و"مهما زَرَعْتَ أنت البذور، لا بُدَّ أن تَحْصُدَها"، وأن الله هو مُسَيِّر النظام والقانون.

  • موقف الإسلام: يتفق مع مبدأ العدل الإلهي والجزاء على الأعمال.

o       قال تعالى: {فَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٍ خَيۡرٗا يَرَهُۥ * وَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ شَرّٗا يَرَهُۥ} [الزلزلة: ٧-٨] .

o       المحاسبة والمسؤولية: الإنسان مسؤول عن أعماله، ويُجازى عليها في الدنيا والآخرة.

٥. مفهوم الكرامات والقوى الروحانية (السِّدْهِيَّة والرِّدْهِيَّة)

يصف النص الـ "سِدْهِيَّة" بأنها قوى روحانية خارقة (مثل تحويل الشكل، أو الطيران، أو رؤية المستقبل) تُكتسب بممارسة اليوغا والرياضات النفسية.

  • موقف الإسلام: يميز الإسلام بين:

o       المعجزات: وهي ما يجريه الله على أيدي الأنبياء دليلًا على صدق نبوتهم، وتكون بتقدير الله المطلق.

o       الكرامات: وهي ما يجريه الله على أيدي الصالحين والأولياء (للتكريم والثبات)، وتكون بتقدير الله المطلق - أيضًا.

o       الاستدراج: وهي ما يجريه الله على أيدي الفاسقين والكفار (مثل السحر)، وتكون إغواءً لهم.

o       الرياضات الروحانية: الإسلام يشجع على الرياضة الروحية (الجهاد النفسي) لتهذيب الأخلاق والتقرب إلى الله (كالصوم والصلاة وذكر الله)، لكنه يرفض بشكل قاطع القول بأن البشر يستطيعون اكتساب قوى خارقة عن طريق ممارسات اليُوغا أو غيرها ليصبحوا قادرين على عمل الكرامات بجهدهم الذاتي، فهذه القوى هي هبات إلهية خالصة لا تُكتسب بالتدريب البشري المستقل عن الإرادة الإلهية.

٦. عجز العقل عن الإحاطة بالإله

يُشدد النص على عجز العقل عن وصف ذات الله وحقيقة المؤمن إيمانًا كاملًا، وعلى اللانهاية الإلهية، وأن الله أكبر وأرفع شأنًا.

  • موقف الإسلام: يتفق الإسلام تمامًا مع هذا المفهوم.

o       التسليم بالعجز: العقل البشري محدود، ولا يمكنه إدراك ذات الله وكُنْه صفاته. قال تعالى: {لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ} [الشورى: ١١].

o       التفكر في الآيات لا الذات: الإسلام يدعو إلى التفكر في مخلوقات الله (آياته الكونية) لا في ذاته.

شروح للمصطلحات الدينية الواردة في الصحيفة:

  • كِرْشَن:  هو الإله لأهل الديانة الهندوسية، وقد قام مَهَارِيشِي وَيْد فَيَاس بتأليف ألفاظه السامية مُطْلِقًا عليها صحيفة بَهَاغَفَد غِيْتَا المقدسة، حافلة بالعِظَات والنصائح، بما فيها الفلسفة الروحانية التي تَتَنَاوَلُ الموضوع الروحي الجسدي مُفَصَّلًا مُسْتَفِيضًا، إنما هي تَحْتَلُّ مَقامًا ثانيًا بعد فِيدَات الأربع المُتَضَمِّنَة لِمُقَوِّمَاتِ المذهب الاعتقادي.
  • غُوْرَاك: هي كلمة سَنْسِكْرِيتِيَّة تَدُلُّ على معنى "حامي البَقَر" أو "حامي الأرض"، كما أيضًا تُصْطَلَحُ على أَحَدِ أقطاب الطائفة لِلْيُوغيِّين.
  • نَاث: كلمة سَنْسِكْرِيتِيَّة يُرَادُ بها "مَوْلَى" أو "مَخْدُوم" أو مُسْتَخْدَمًا حَرْفِيًا، لكن العامة تُطْلِقُ على الرجل الذي يكون قد تَمَكَّنَ من القوة الروحانية بأن يَقُومَ ببعض الكرامات، ومن المزعوم بأن كان هناك فيما مَضَى تِسْعَة نُوَّاث حتى الآن في سِلْسِلَةِ طبقة النُسَّاكِ هذه.
  • رِشِي: الرجل الذي يكون قد اجتاز على مرحلة ما وراء المُدْرَكَاتِ والمَحْسُوبَاتِ السطحية، وأيضًا يكون حافظًا لـ الفِيدَات المقدسة.
  • مَتِي: حَرْفِيًا يُرَادُ به رجلًا يَقُومُ بِالصَّمْتِ على سبيل الصيام لكي يُرَكِّزَ مُدْرَكَاتِهِ العقلية.
  • رِدْهِيَّة: كلمة سَنْسِكْرِيتِيَّة معناها: ١- النمو والازدياد ٢- الرُقِيّ والتقدُّم ٣- الثروات أو الرخاء. ثم مَجَازًا: تلك القوة فوق العادة الروحانية التي يَحْصُلُ عليها من قِبَلِ اليوغيِّين عن طريق نَيْلِ هذا العلم.
  • سِدْهِيَّة: كلمة سَنْسِكْرِيتِيَّة معناها:

١- تَحَقُّقُ الكمال أو الإتقان

٢- حالة التكامل

٣- الفلاح والنجاح تامًا

٤- مَلَكَةُ الوجدان أو التعقُّل الباطني التي يمكن بذلك التنبؤ بأحداث المستقبل بدون الاستناد إلى أي عِلَّة أو سبب.

ويُرَادُ بها كل أساليب ومبادئ فلسفة يُوغا بِمُمَارَسَةٍ تَمْنَحُ أهل مذهب يُوغا القوة الكاملة في عَمَلِ الكرامات التي تَسْتَدْعِي دَهْشَةَ الناس وعَجَبَهُمْ. بعبارة أخرى، كلمة سِدْهِيَّة تَدُلُّ على صُنْعِ الكرامات.

 إن السِدْهِيَّة لها سبعة عشر نوعًا وهي:

١.    سِدْهِيَّة أَنِيْمَا: تحويل الشكل إلى أصغر ما يمكن.

٢.    سِدْهِيَّة مَهِمَا: تحويل الجسد إما إلى حجم كبير أو حجم صغير.

٣.    سِدْهِيَّة لَغِمَا: جَعْلُ الجسد أَخَفَّ ما يكون ثِقْلًا كالقطن.

٤.    سِدْهِيَّة بَرَابْتِي: بِمُمَارَسَتِهَا وُجِدَ مَلْمُوسًا على حَسَبِ المَشِيئَة لكل تلك الأشياء التي يَرْغَبُ مُمَارِسُ هذه السِدْهِيَّةِ في الحصول عليها.

٥.    سِدْهِيَّة بَرَاكَمِيَا: الاستماع والرؤية والمعرفة لكل ما يكون مَكْنُونًا في قَلْبِ شخص آخر من أَبْعَدِ مَدَى البَصَرِ أو مَدَى السماع في حين يَجْلِسُ مُمَارِسُ هذه بعيدًا بِمَرَاحِلَ على بُعْدٍ شَاسِعٍ سَاحِقٍ عن شخص آخر.

٦.    سِدْهِيَّة إِيْشْفِتَا: قوة استمالة وافتتان وجَلْبِ كل الأشياء على حَسَبِ إرادته بِغَيَةٍ ما.

٧.    سِدْهِيَّة غَرِمَا: القوة بما يُصْبِحُ مُمَارِسُ هذه السِدْهِيَّةِ أَثْقَلَ ما يكون وَزْنًا.

٨.    سِدْهِيَّة أَنُوْبِي: هي تلك القوة باكتساب لا يُؤَثِّرُ النومُ والجوعُ والظَّمَأُ إطلاقًا على مُمَارِسِ تلك السِدْهِيَّة.

٩.    سِدْهِيَّة دُوْر سَرَاوَن: القوة بما تَتَطَوَّرُ صَلاحِيَةٌ تامة في استماع أي قول من بُعْدٍ خارج مَدَى السماع أو مَدَى البَصَرِ. [٩٣]

١٠.     القوة دُوْرْدَشَن: القوة التي يمكن بها رُؤْيَةُ أي مشهد أو شخص آخر عن بُعْدٍ ما وراء مَدَى البَصَرِ وهو جالس بنفسه في مكانه بعيدًا على مسافة شاسعة.

١١.     سِدْهِيَّة مَنُوْبِيغ: القوة الروحانية بما يَذْهَبُ بنفسه مُمَارِسُ تلك السِدْهِيَّةِ إلى حَيْثُمَا يريد الذهاب إليه.

١٢.     سِدْهِيَّة كَامْرُوب: اتخاذ الشكل على أي نوع ما يريد اتخاذه صورة أو شَكْلًا.

١٣.     سِدْهِيَّة بَرْكَائِي بَرْوِيْش: القوة التي بِمُسَاعَدَتِهَا يَحُلُّ مُمَارِسُ تلك السِدْهِيَّةِ حُلُولًا في أي جَسَدٍ آخر كَجِنٍّ أو جِنِّيَّة.

١٤.     سِدْهِيَّة سَفِي شَنْد مِرْتْيُوْف: بما يَسْتَطِيعُ الرجلُ الذي يُمَارِسُ هذه السِدْهِيَّةَ أن يَتَخَلَّى عن جَسَدِهِ على حَسَبِ رغبته.

١٥.     سِدْهِيَّة سَرْكَرِيْرَادَرْش: القوة بِمُسَاعَدَةِ المُمَارِسِ لهذه السِدْهِيَّةِ يُشَاهِدُ آلِهَةً عِيَانًا ويَتَمَاشَى معهم عَمَلًا بتلك الممارسة.

١٦.     سِدْهِيَّة سَنْكَلْب: يعني بذلك تَحَقُّقُ كُلَّمَا يَتَوَطَّدُ المُمَارِسُ عَزْمَهُ على الحصول عليه عن طريق ممارستها.

١٧.     سِدْهِيَّة أَبْرَاهَتْ: القوة الروحانية المُكْتَسَبَة عن طريق الرياضة تِبَاعًا، والتي تَجْعَلُهُ قادرًا على الذهاب إلى أي مكان حَيْثُمَا يريد مهما كان شاسعًا بعيدًا.

أولًا: التسبيحية الجوهرية (محورية ذكر الله)

وحتى ولو مارست الطهارة الجسدية ألف ألف مرة، مع ذلك لا يمكن الحصول على طمأنينة القلب. وحتى ولو مارست الصمت الدائم مُشْتَغِلًا في الرياضة، مع ذلك لا يمكن الحصول على طمأنينة القلب. ولو تكاثرت عندي أكوام من ملذات العالم مُتراكمة واحدة فوق أخرى، بالرغم من ذلك ليس في إمكان تلك الملذات أن تَسُدَّ جوعي قَطّ. ولو كانت في حوزتي ألف ألف حكمة وفلسفة، بالرغم من ذلك لا يمكن أن تفيدني حتى ولو واحدة منها إطلاقًا.

فإذًا، كيف يمكن الاهتداء إلى منزل الصدق؟ وكيف يمكن تحطيم ستار الكَذِب؟

يا نَانَك، تَحَفَّظْ جيدًا بأنه لا يزال مكتوبًا للبشر وجوبًا منذ أَبَد الآباد أن يَتَمَشَّى مع أَمْرِ الله رَبِّ المَرْضَاة.

ثانيًا: السَّلَالم (المقاطع) وشرح الأركان

السَّلَم ١: سلطان القضاء الإلهي

على حَسَبِ حُكْمِ الله يتم تخليق العالم قاطبة، وهو ذلك الحُكْمُ مما لا يمكن سَرْدُ صِفَتِه. وعلى حَسَبِ حُكْمِ الله يَحْدُثُ تكوين كل ذوي الأرواح والأحياء، وعلى حَسَبِ حُكْمِ الله يَحْصُلُ لها العظمة والشرف، وعلى حَسَبِ حُكْمِ الله يَتَكَوَّنُ وجود لكل من النبيل والرَّذِيل. وعلى حَسَبِ حُكْمِ الله تمامًا يَحْصُلُ البشر على السعادة أو الشقاوة طِبقًا لما يكون مُتاحًا ومكتوبًا له.

كم من رجال وهم مَرْزوقون بالنوال والعطاء، بينما كم من رجال وهم لا يزالون تائهين ومُحْتَارين من بين دَوَرَانِ الموت والحياة. إن كل واحد تحت أَمْرِ الله، وليس أي واحد منهم يكون خارجًا من حُكْمِه. يا نَانَك، إذا أَحَاطَ البَشَرُ بشأن قضاء الله، سَيَطْرَحُ عنهم الشعور بـ الأنانية حتمًا.

السَّلَم ٢: تعددية التسبيح ووحدة المعطي

بعض الناس يُسَبِّحُ تسبيحًا في جَبَروت الله على حَسَبِ مُستَطَاعِه، والبعض يُسَبِّحُ في فَضْلِ الله وعطائه إذ يعتبر تلك كلها دلالة على مَظْهَرِ الله، والبعض يُسَبِّحُ في أوصاف الله وعظمته تسبيحًا، والبعض يُسَبِّحُ في معرفة الله المُسْتَعْصِيَة الفهم استنادًا إلى تَعَمُّقِ عُلُومِه. والبعض يُسَبِّحُ الله إيمانًا منه بأن يَخْلُقَ الخالقُ الجسدَ ويَجْعَلَهُ بعد ذلك في النهاية مُحَوَّلًا إلى الطين، والبعض يُسَبِّحُ الله تسبيحًا تسليمًا بأن الله يَنْتَزِعُ الروحَ من الجسد ثم يجعلها تَحُلُّ حُلُولًا من جديد في الجسد الآخر. والبعض يُسَبِّحُ الله تسبيحًا ظَنًًّا منه بأن الله أَبْعَدُ ما يكون كل البعد وهو صعب المنال، والبعض يُسَبِّحُ الله تسبيحًا اعتبارًا بأن الله ليس أبعد كما يَزعم الناس هكذا، بل هو أقرب ما يكون حاضرًا مَشْهُودًا مَنظُورًا.

لذلك، ملايين من الرجال سَبَقَ أن سَرَدُوا صفة حُكْمِ الله آلاف المرات التي لا تُحْصَى، مع ذلك أقوالهم في سَرْدِ صفة قضاء الله لم تتمكن من العثور على مُبْلَغِ غاية حُكْمِه. لا يزال الله المُعْطِي يُعْطِي نَوَالَهُ بلا انقطاع، لكن عَكْسَ ذلك يَصِيرُ الرجلُ الذي تُعْطَى له هذه العطايا مُتَّبِعًا بفعل تَلَقِّي وفور عطَاياه. فَعَلَيْه، لا يَنفَكُّ المخلوقُ يَأكُلُ رِزْقَ الله منذ دهر الدهور. إن الله الحاكم يُسَيِّرُ نظام العالم كله وبما فيه بنفسه. يا نَانَك، إن الله طَلِيقُ الوَجْه وفَرْحان بمرضاته وهو مُسْتَغْنٍ وغير مُبَالٍ.

السَّلَم ٣: سؤال الطاعة وأهمية التسبيح المبكر

إن الله مولانا دائم الوجود وكذلك نِظَامُهُ وعَدْلُهُ ذو الدوام والاستقرار. أما نُطْقُهُ فهو نطق المحبة غير المتناهي. نَسْأَلُهُ ونَسْتَعْطِيهِ ونَبْتَهِلُ إليه قائلين: يا ربنا المُفْضَال المُعْطِي، أَثْنَا ما وَعَدْتَنَا اخْصُصْنَا بعطائك، فعندئذ هو يَسْتَجِيبُ لدعائنا حَقَّ الاستجابة.

وفي الوقت الذي يَخُصُّنَا الله بكل أفضاله ونِعَمِهِ مُحْتَوِيَةً على كل نوع الأشياء، فَإِذَنْ أي شيء يجب علينا تقديمه من جانبنا لحضرة جلاله كَنَذْرٍ إليه؟ وكذلك ماذا يجب علينا في اختيار أسلوب الدعاء حتى يَسْتَمِعَ الله إليه فَيَحْلُو له وثُمَّ تزداد مَحَبَّتُه لنا ازديادًا؟ لأجل هذا عليك أن تُسَبِّحَ ذِكْرَ الله الصادق وتُرَتِّلَ عظمته ترتيلًا مُبَكِّرًا قبل شروق الفجر صباحًا. بفضل تَكَرُّم وامتنان الله عليك فَحَسْبُ يمكن اكتساب خِلْعَةٍ من تَحْمِيدِ الله، ولا يمكن الدخول إلى باب النجاة إلا إذا كانت نَظْرَةُ عاطفة مُلْقَاةً عليك من الله جَلَّ جلاله. يا نَانَك، عملًا بهذا الطريق نفسه يمكن إدراك واقع الأمر بأن الله هو رَبُّ الكائنات بأَسْرِها.

السَّلَم ٤: قِوام الوجود وأثر ذكر الاسم

إن الله ليس حُدُوثُ أو تكوين ذاته مُرْتَبِطًا بأي وساطة، بل وجوده قائم بذاته نَفْسِه بحيث تَنَزَّهُهُ من كل السخامات المادية. إن المَرْءَ الذي خَدَمَ مَاشِيًا على سبيل ذكر اسم الله فقد اهتدى إلى العِزَّة والشرف. فلذلك يا نَانَك، يَتَعَيَّنُ علينا بأن نُسَبِّحَ نَحْنُ ذِكْرَ الله تسبيحًا، بما أن اسم الله هو بالذات كَنْزٌ لكافة الأوصاف والمكارم.

تعالوا كلُّنا جميعًا نُرَتِّلُ اسم الله ترتيلًا، ونَسْتَمِعُ إلى ذِكْرِ الله، وأيضًا نُحِلُّ مَحَبَّةَ الله إجلالًا في داخل قلوبنا، بحيث أن انتهاج ذلك الطريق بالذات يَدْفَعُ عن المرء الأحزان والهموم ويَسْتَوْعِبُ بذلك الفرحة والطمأنينة في طَيَّاتِ قلبه. وتَوَجُّهًا لله فَحَسْبُ يمكن إبقاء رَمَق الحياة، وتَوَجُّهًا لله فقط يمكن الحصول على المعرفة والعلم في الرب الخالق الذي هو دائم الوجود في كل مكان. أما الإله شِيفَا الذي المفروض فيه أنه هالك كل العالم بأسره، وغُور وغُورَاك، والإله بَرَهمَا المزعوم فيه بأنه يَخْلُقُ كل العالم، وكذلك الآلهة بَارْبَاتي الأم، فليس هؤلاء كلهم إلا مَظْهَرٌ من مَظَاهِر الله بالذات.

في أي حالة ما فيما لو أمكن لي إدراك شأن الله تعالى، إذ لن أكون قادرًا على سَرْدِ بيان تلك الكيفية مما أكون قد أدركته إذ ذاك، بحيث لا يمكن الإحاطة بهذه الكيفية في نِطاق القول. أيها ربي، أَعْطِني إدراكًا واحدًا ولا أَزِيدُ منه في الأمر بأنك رَزَّاقُ كل المخلوقات، ولا تَجْعَلْني أنسى ذكرك في أي حين من الأحيان.

السَّلَم ٥: مرضاة الله شرط الانتفاع بالعبادات

أن أقوم بزيارة للمعابد المقدسة وأستحم في حياضها المُطَهَّرة قاصدًا لكي أَقَعَ أنا مَوقعًا حَسَنًا من الله وأُرْضِيهِ، لكن ليست أي منفعة في الاستحمام قَطُّ إلا إذا كان عملي هذا مَصْحوبًا بمرضاة الله. على أن العالم ما أُشاهِده بعيني كله لا يمكن الاكتساب من أي شيء فيه بدون فَضْلِ الله ومَرْضَاتِه. فيما لو استمع البشر حتى ولو لموعظة واحدة في شأن الله عز وجل، فقد نَتَجَتْ بفضل ذلك الجواهر والماس والجَسَّان واللآلئ الكثيرة في عقل البشر. إيه ربي، أَعْطِني إدراكًا ولا أَزِيدُ منه في الأمر بأنك رَزَّاقُ كل المخلوقات، ولا تَجْعَلْني أنسى ذكرك في أي حين من الأحيان.

السَّلَم ٦: قيد الفضل الإلهي على كل النِعَم الدنيوية

ولو كان يَمْتَدُّ العُمْرُ لأحد إلى مَدَى أربعة عصور، وحتى لو مُنِحَ له أكثر منه بعشرة أضعاف، كما كان قد ذاع صيته في كل شخص اقتداءً وإكرامًا له، وكذلك كان قد دُلَّه أن يكون قد اكتسب أرفع وأسمى الألقاب امتداحًا له بعد أن حَظِيَ بِحَظْوَةٍ في سبيل شُيُوعِ صِيْتِه في أنحاء العالم قاطبة، لكن بالرغم من كل ذلك، طالما لم يَكُنْ فَضْلُ الله وانعطافُهُ عليه، لكان هو رجلًا مغلوبًا على أمره ولا واحد كان يلتفت إلى سماع لقوله، وكان شأنه عند الله مثل أَحْقَر دُودة ضمن حشرات الأرض، وكان هو مُنْهَمًا ومَقْهُورًا بمَحْضَرِ الله بحيث أنه كان ينسى الله الخالق.

يا نَانَك، هو ذا الله وحده الذي يُعطِي الإنسان عطاءً جزيلًا من المكارم والفضائل، ولو أن كان هذا الإنسان قَبلًا مَحْرُومًا من أي فضيلة، وعلى نفس الطريق يَصِيرُ الله الإنسان عديم المحاسن ذا المحاسن بفضل منه، فإذًا لا يَتَوَاجَدُ أي أحد في العالم قاطبة من يكون له قدرة على جعل عديم الأوصاف ذا الأوصاف.

السَّلَم ٧: إدراك الحقائق بفضل الاستماع لذكر الله

بفضل استماع ذِكْرِ الله يمكن الحصول على منزلة يُوغيِّين فلاسفة علم السِّدْهَسِيَّة والقديسِيِّين والروحانِيِّين، وكذلك مكانة الآلهة والنسَّاكين والمُقَرَّبين لله. بفضل استماع ذكر الله يَبْدَأ المرء يَتَعَرَّفُ على الحقيقة بأن هو الله الأَحَد الذي خَلَقَ الأرض والسماء، وهو الله بالذات من يَدْعَمُ الأرض بدلًا من الثور الأسطوري المزعوم بأنه يَحْمِلُ الأرض على قَرْنَيْه. بفضل استماع ذكر الله يُدْرِكُ البشر بأن الله دائم الوجود في طبقات الأرض السبع، وبفضل استماع ذكر الله لا يمكن للموت أن يَخْلُقَ بالرجل قَطُّ. يا نَانَك، أَلاَ يزال المُتَعَبِّد لله طَلِيقَ الوجه وفَرْحَانَ إذ بفضل استماع ذكر الله يمكن القضاء على الأحزان والآثام.

السَّلَم ٨: بلوغ المنازل الإلهية بالاستماع

بفضل استماع ذكر الله يمكن للإنسان العادي أن يَبْلُغَ إلى منزلة من منازل الألوهية مثلما كانت الآلهة شِيفَا هالك الكائنات، وإلى منزلة الإله بَرَهمَا خالق أو مُكَوِّن الكائنات، وكذلك إلى منزلة الإله إِنْدِرَا وهو إله الأمطار. بفضل استماع ذكر الله يَأخُذُ الرجل الصالح يَحْمَدُ أوصاف الله تَحْمِيدًا. بفضل استماع ذكر الله يُدْرِكُ البشر أساليب في الرياضة والمعرفة بفلسفة يُوغا، وكذلك يَسْتَوْعِبُ ما وراء الحقيقة والأسرار الباطنية. بفضل استماع ذكر الله يمكن للبشر الإحاطة بكافة العلوم مُحْتَوِيَةً عليها في الصحائف مثل شَاسْتِرَات و سْمِرْتِيَّات و فِيدَات بأكملها. يا نَانَك، لا يزال المُتَعَبِّد لله طَلِيقَ الوجه وفَرْحَانَ إذ بفضل استماع ذكر الله يمكن القضاء على الأحزان والآثام.

السَّلَم ٩: اكتساب الفضائل بفضل الاستماع

بفضل استماع ذكر الله يمكن الحصول على مَلَكَةِ السخاء والقناعة والعرفان. بفضل استماع ذكر الله يَكْتَسِبُ البشر جُزءًا على قَدْرِ ما يَسْتَحِقُ هو مقابل القيام بزيارة واستحمام التطهير في حياض من ثمانية وستين مَعبَدًا مقدسًا. بفضل استماع ذكر الله يَكْتَسِبُ البشر شرفًا وصيتًا باذخًا، بفضل استماع ذكر الله يمكن أن يُرَكِّزَ اهتمامه وِجْدَانِيًا بالعبادة. يا نَانَك، لا يزال المُتَعَبِّد لله طَلِيقَ الوجه وفَرْحَانَ إذ بفضل استماع ذكر الله يمكن القضاء على الأحزان والآثام.

السَّلَم ١٠: الاستدلال على الحقيقة بفضل الاستماع

بفضل استماع ذكر الله يَتَعَرَّفُ البشر على حياض من المكارم والمحاسن. بفضل استماع ذكر الله من الممكن الحصول على منزلة من الشيوخ العلماء وأولياء الله والملوك. بفضل استماع ذكر الله يتمكن العميان من الاهتداء إلى الطريق المستقيم. بفضل استماع ذكر الله يمكن استدراك الحقيقة في أعماق ظلمات العالم الواسع. يا نَانَك، لا يزال المُتَعَبِّد لله طَلِيقَ الوجه وفَرْحَانَ إذ بفضل استماع ذكر الله يمكن القضاء على الأحزان والآثام.

السَّلَم ١١: عجز العقل عن وصف حال المؤمن بالإيمان

إن من انْجَذَبَتْ نفسُه في ذكر الله إيمانًا كاملًا فلا يمكن سَرْدُ حالة مشاعره الداخلية، وفي أي حال لو كان حَاوَلَ أي أحد بيان تلك الحالة، لقد عاد سَعْيُه إلى الفشل في نهاية الأمر. لم يَسْتَطِعْ أي واحد من الناس على كتابة حالة المؤمن بالله النفسية الداخلية، وطالما كان جَلَسَ جميعُهم لِيَكْتُبُوها على وجه القِرْطَاس بالقلم، وبالرغم من أنهم كانوا فَسَّرُوها وقَدَّرُوها وحَدَسُوا فيها وأَمْعَنُوا فيها إمعانًا تامًا بشأن المؤمن بالله الصادق. والحقيقة أن اسم الله نَقِيٌّ ونَزِيهٌ وأَرْفَعُ بكثير من سُخَامِ الصِّفَة الكونية الخادعة للبصر، وهو ما وراء التصور لِحَدِّ أَنْ لا يَسْتَطِيعَ واحدٌ استدراكَه واستقصاءه، إلا ذلك الرجل المؤمن بالله الذي يكون قد تَفَرَّغَ لله تَفَرُّغًا كاملًا.

السَّلَم ١٢: سمو الوعي بالإيمان

بفضل الإيمان بالله يُصْبِحُ الوعي ساميًا. بفضل الإيمان بالله يَتَجَلَّى العقل تجليًا تامًا. بفضل الإيمان بالله يمكن البلوغ إلى كافة العالم بما يوجد فيه، وبِحُكْمِ ذلك نفسه يُعْرَفُ به حَقَّ المعرفة. بفضل الإيمان بالله يَتَخَلَّصُ ويَنْجُو المرء من انْهِيَالِ الضَّرَبَاتِ من قبضة يَدِ مَلَكِ الموت على وجهه. بفضل الإيمان بالله يَتَخَلَّصُ المرء من الذهاب مع مَلَكِ الموت. والحقيقة أن اسم الله نَقِيٌّ ونَزِيهٌ وأَرْفَعُ بكثير من سُخَامِ الصِّفَة الكونية الخادعة للبصر، وهو ما وراء التصور لِحَدِّ أَنْ لا يَسْتَطِيعَ واحدٌ استدراكَه واستقصاءه، إلا ذلك الإنسان المؤمن بالله الذي يكون قد تَفَرَّغَ لله تَفَرُّغًا كاملًا.

السَّلَم ١٣: التحرر من العوائق والمذاهب بالإيمان

بفضل الإيمان بالله لا يَعْتَرِي البشر أي من العوائق في طريقه. بفضل الإيمان بالله يُصْبِحُ البشر شائع الصيت مُشَرِّفًا ومُخْتَصًّا بإكرام وإجلال له. بفضل الإيمان بالله لا يَحتاج البشر إلى انتهاج سبيل نِزَاعَاتِ المذاهب وتَشَاحُنِ الاعتقادات. بفضل الإيمان بالله يَتَكَوَّنُ الارتباط في نَفْسِ البشر بالفريضة الواجبة عليهم. والحقيقة أن اسم الله نَقِيٌّ ونَزِيهٌ وأَرْفَعُ بكثير من سُخَامِ الصِّفَة الكونية الخادعة للبصر، وهو ما وراء التصور لِحَدِّ أَنْ لا يَسْتَطِيعَ أحدٌ استدراكَه واستقصاءه، إلا ذلك الإنسان المؤمن بالله الذي يكون قد تَفَرَّغَ لله تَفَرُّغًا كاملًا.

السَّلَم ١٤: النجاة في الدنيا والآخرة بالإيمان

بفضل الإيمان بالله يَتَقَرَّبُ البشر إلى مَدْخَلِ النجاة. بفضل الإيمان بالله يَجْعَلُ البشر عائلته أن تُثْبِتَ اعتمادها تثبيتًا على الله تعالى. بفضل الإيمان بالله يَعْبُرُ البشر سابحًا هذا بَحْرَ العالم وكذلك يَجْعَلُ غيره من المؤمنين يَعْبُرُونَ ذلك البحر سابحين مع السلامة أيضًا. يا نَانَك، بفضل الإيمان بالله لا تبقى أي حاجة للبشر أن يَتَعَثَّرَ على أبواب الناس كالشَّحَّاذ أو كالسائل مُسْتَعْطِيًا. والحقيقة أن اسم الله نَقِيٌّ ونَزِيهٌ وأَرْفَعُ بكثير من سُخَامِ الصِّفَة الكونية الخادعة للبصر، وهو ما وراء التصور لِحَدِّ أَنْ لا يَسْتَطِيعَ أحدٌ استدراكَه واستقصاءه، إلا ذلك الإنسان المؤمن بالله الذي يكون قد تَفَرَّغَ لله تَفَرُّغًا كاملًا.

السَّلَم ١٥: خيار الناس وحقيقة الثور الأسطوري

هؤلاء هم خِيَارُ الناس مَنْ يَقْبَلُ قولهم وسط الناس ويَتَصَدَّرُونَ مَقامًا في المجالس. هؤلاء هم خيار الناس مَنْ يَفوزون بشرف في مَحْضَرِ الله. هؤلاء هم خيار الناس مَنْ يُصْبِحُونَ زَيْنًا وجمالًا للديوان المَلَكِي عند الملوك. هؤلاء هم خيار الناس مَنْ لا يزالون مُنْهَمِكِينَ انهماكًا في ذكر الله.

فيما لو حَاوَلَ أحد أن يَتَأَمَّلَ ويُفَكِّرَ تفكيرًا في تحديد ذات الله أو يُحِيطَ بِجَبَرُوتِ الله، لن يكون في مُسْتَطَاعِه أن يَعُدَّ عُدَّةً لصفات الله الباري إطلاقًا. على أنه هُنَالِكَ مَنْ يَزْعُمُ بين الناس أن ثَوْرًا واحدًا يَحْمِلُ ثِقْلَ كل الأرض على قَرْنَيْه، فليس هو في الحقيقة إلاَّ العَدْلُ مَوْلُودًا من بَطْنِ الرَّحْمَة وبالبِرِّ مُتَمَثِّلًا في النظام المُعَيَّن من دِينِ الله، وهو ذلك نفسه الذي يَدْعَمُ الأرض بدلًا من الثور المزعوم. إنما هو دِينُ الله الذي وَلَّدَ صِفَةَ القناعة على حَسَبِ نِظَامِه. لو كان المرء استقصى حول الحقيقة إمعانًا فيه وإسنادًا إلى نُورِ الحَقِّ، لكان قد تَبَيَّنَ له الأمر جَلِيًّا واضحًا بأن إلى أي حَدٍّ كان يمكن لهذا الثور المزعوم أن يَحْتَمِلَ هكذا ثِقْلَ الأرض الباهظ. فلنفترض بأن هذا الثور يَحْمِلُ ثِقْلَ الأرض على قَرْنَيْه، لكن قد تكون هناك الأرض الأخرى سِوَاهَا التي يَقُومُ عليها هذا الثور، فَإِذَنْ أَيَّةٌ هي قوة أخرى التي تَدْعَمُ هذا الثور من تحت أَرْجُلِه؟ ما أكثر الرجال الذين يَنْتَمُونَ إلى الفِرَق والطبقات الشَّتَّى على اختلاف التسميات، وهم سَبَقَ أن كَتَبُوا بِقَلَمِهِمُ المَتَرَشِّحِ بدون تَوَقُّف صفة الله على التوالي، لكن بالرغم من كل ذلك قَلَّمَا يمكن تَوَاجُدُ أي شخص من يكون له جَدَارَةٌ تامة حَقَّة بمعرفة الكتابة لهذه الصفة. على أي حال فيما لو بَدَأَ أي واحد في الكتابة بهذا الصدد، فَإِذَنْ كم أَضْخَمَ وأَطْوَلَ سَيُصْبِحُ هذا تَأْلِيفُ الكتابة في نهاية الأمر. هو عظيم جمال الله ومَظْهَرُه. وما أَجْزَلَ عَطَاءَهُ. مَنْ ذا الذي يمكن له أن يُحْرِزَ أو يُقِيمَ نَوَالَهُ؟ هو وَاسِعٌ هذا الكون الذي يُسَيْطِرُ عليه أَمْرُ الله الواحِد. إنها بِفِعْلِ أَمْرِ الله فَحَسْبُ تَجْرِي آلاف الأُلُوفِ من النهار. مَنْ ذا الذي يكون في مُسْتَطَاعِه أن يُفَكِّرَ في جَبَرُوتِه؟ يا الله كم أَصْغَرَ وجودي مُقابل جَلالِك، بحيث لا أَجِدُ بنفسي جَدِيرًا بأن أَفْتَدِيَ لك فِدَى حتى لو مرة واحدة. إنما ذلك العمل هو أَحْسَنُ الأعمال ما يكون مَرْغُوبًا فيه مَرْضِيًّا عندك. اللهم عديم الصورة، إن ذاتك دائم الثبات وأنت مُطْلَقُ الوجود.

السَّلَم ١٦: أعداد العبَّاد المُحْصِيَة

كم من عَدَدٍ لا يُحْصَى يُرَتِّلُ ترتيلًا ذِكْرَ الله، كم من عَدَدٍ لا يُحْصَى يُحِبُّ غيره حُبًّا جَمًّا ويَتَعَامَلُ مع غيره مُعاملةً حَسَنة. كم من عَدَدٍ لا يُحْصَى يَتَعَبَّدُ الله مُخْلِصًا، كم من عَدَدٍ لا يُحْصَى يَسْتَغْرِقُ استغراقًا في الرياضة الألوهية. كم من عَدَدٍ لا يُحْصَى يَتَفَرَّغُ تَفَرُّغًا لتلاوة كتب فِيدَات المقدسة بلسانه. كم من عَدَدٍ لا يُحْصَى من يُوغيِّين يُمَارِسُونَ الرياضة النفسية في داخل قلوبهم وهم حُزَانَى زاهدين في الدنيا. كم من عَدَدٍ لا يُحْصَى من الأتقياء الذين يَتَأَمَّلُونَ في أوصاف الله تأملًا عِرْفَانِيًّا. كم من عَدَدٍ لا يُحْصَى يَنْتَهِجُ سبيل الدِّين الحَقّ القَوِيم. كم من عَدَدٍ لا يُحْصَى من المقاتلين الشجعان الذين يَتَلَقَّوْنَ على وجوههم ضربات الأسلحة الحديدية. كم من عَدَدٍ لا يُحْصَى من الأتقياء يُمَارِسُونَ السكوت والصمت مُتَفَرِّغِينَ لحُبِّ الله. مَنْ ذا الذي يكون في وُسْعِه أن يُفَكِّرَ في جَبَرُوتِه... يا الله كم أَصْغَرَ وجودي مُقابل جَلالِك، بحيث لا أَعْتَبِرُ بنفسي جَدِيرًا بأن أَفْتَدِيَ لك فِدَى حتى لو مرة واحدة.

السَّلَم ١٧: أعداد المذنبين والأحمق

كم من عَدَدٍ لا يُحْصَى من الرجال الحَمْقَاء وهم غاية في الحُمْق. كم من عَدَدٍ لا يُحْصَى من اللُّصُوص الذين يَأكُلُونَ مالًا سُحْتًا. كم من عَدَدٍ لا يُحْصَى من الشخصيات التي تَفْرِضُ سِيَادَتَها على الناس، وفي آخر الأمر تَرْتَحِلُ عن هذه الدنيا التي هي عُرْضَةٌ لعدم الثبات. كم من عَدَدٍ لا يُحْصَى من قاطِعِي الرِّقَاب الذين يَقُومُونَ بعمليات الاغتيال. كم من عَدَدٍ لا يُحْصَى من المُذْنِبِين الذين يَرْحَلُونَ عن هذه الدنيا بعد أن كانوا قد اقترفوا الذنوب. كم من عَدَدٍ لا يُحْصَى من الرجال الكَذَبَة الذين لا يزالون يَتِيهُونَ وَسْطَ قُمَامَةِ الكَذِب. كم من عَدَدٍ لا يُحْصَى من الرجال فاسدي العقل غير المرغوب فيهم إذ هم يَأكُلُونَ الطعام بِشَرَاهَةٍ شديدة. كم من عَدَدٍ لا يُحْصَى من الرجال المُغْتَابِين الذين يَحْمِلُونَ أنفسهم تَحْمِيلًا أَثْقَالَ الآثام. على أنه هذه هي المُسْتَوْحَيَات كَأَنَّهَا التي يُفَكِّرُ فيها نَانَك أَحْقَرُ المخلوقات وأَسْفَلُ السافلين مَكَانَةً. يا الله كم أَصْغَرَ وجودي مُقابل جَلالِك، بحيث لا أَعْتَبِرُ نفسي جَدِيرًا بأن أَفْتَدِيَ لك فِدَى حتى لو مرة واحدة. إنما ذلك العمل هو أَحْسَنُ الأعمال الذي تَرْضَى به أنت. اللهم عديم الصورة، سُبْحانَك لا ريب فيك بأنك دائم الوجود إلى أَبَد الأَبَدِين.

السَّلَم ١٨: عجز الكلمات عن الإحاطة بالإله والوجود الدائم للتجلي

كم من عَدَدٍ لا يُحْصَى من أسماء ذوي الأرواح في العالم، وكذلك كم من عَدَدٍ لا يُحْصَى من مَساكِنِهِم. كم من عَدَدٍ لا يُحْصَى من بِقَاعٍ على الأرض في العالم التي يَتَعَذَّرُ على البشر الوصول إليها. كم من عَدَدٍ لا يُحْصَى من الرجال الذين يَصِفُونَها بألسنتهم لكن يُلاقُونَ الفشل في نهاية الأمر. بِمُسَاعَدَةِ الكلمات نَحْنُ نُسَبِّحُ ذِكْرَ الله ونَحْمَدُ الله حَمْدًا. بِمُسَاعَدَةِ الكلمات يَأتي إيضاح العلوم ويُؤدَّى ترتيل الأغاريد في صفات الله. بِمُسَاعَدَةِ الكلمات يَحْدُثُ تركيب الكتابة، وكذلك يَقَعُ تكوين نُطْقِ الكلام. بِمُسَاعَدَةِ الكلمات نَحْنُ نُوَضِّحُ أَقْدَارَ المرء مَكْتُوبًا على الجِبَاهِ بصورة أَسَارِيرَ، لكن فيما يَتَعَلَّقُ الأمر بِكاتِبِ أَقْدَارِ البشر، ليست هناك أية كتابة على جَبِينه بحيث أنه هو المُطْلَق القادِر بنفسه. إنما يَكْتُبُ البشرُ حَظَّهُ بضَبْطِ جِسْمِه حيث يكون الله قد أَصْدَرَ أَمْرَهُ في حَقِّه. إن كافة الكائنات التي قد تَمَّ تَخْلِيقُها من قِبَلِ الله إنما تَدُلُّ بدون استثناء على مَظْهَرٍ من مَظَاهِر الله، بحيث لا يمكن تواجد أي مكان ما يكون خَالٍ من مَظْهَرِ الله. على أنه من ذا الذي يكون في وَضْعِه يُفَكِّرُ في جَبَرُوتِه؟ يا الله كم أَصْغَرَ وجودي مُقابل جَلالِك، بحيث لا أَعْتَبِرُ نفسي جَدِيرًا بأن أَفْتَدِيَ لك فِدَى حتى لو مرة واحدة. إنما ذلك العمل هو أَحْسَنُ الأعمال الذي تَرْضَى به أنت. اللهم عديم الصورة، سُبْحانَك لا ريب بأنك دائم الوجود إلى أَبَد الأَبَدِين.

السَّلَم ١٩: تطهير العقل بذكر الله (قانون العمل والجزاء)

في حالة ما لو تَلَطَّخَتْ يدان وقَدَمَان وجَسَدٌ بالتراب، فيمكن إزالة التراب عنها عن طريق غَسْلِ تلك الأعضاء بالماء. كذلك إذا تَلَوَّثَتِ الثياب بالبَوْل أو البِرَاز فيمكن غَسْلُها مُسْتَخْدِمًا الصابون. وعلى نفس الطريق، إذا تَنَجَّسَ العقل البشري مُتَلَطِّخًا بالآثام، فيمكن اغتساله عن طريق التَّفَرُّغِ لِذِكْرِ الله. انتبه جيدًا بأن كلمة "الخير" وكلمة "الشر" ليست مُجَرَّدَ كَلِمَتَيْنِ على سبيل القول فَحَسْبُ، بل هما دلالة على تلك الأعمال التي أنت تُؤَدِّيها كل يوم، وسوف تُصْبِحُ هي كلها مكتوبة إما عليك أو لك، وتَصْحَبُك عندما تَرْحَلُ عن هذا العالم. بالإضافة إليه، فمهما زَرَعْتَ أنت البذور، لا بُدَّ أن تَحْصُدَها، وبالتالي تَأكُلَ ثَمَرَها. يا نَانَك، تَحَفَّظْ جيدًا بأن الأمر في قُدُوم أو ذَهَابِ البشر عن هذا العالم فهو مَرْهُونٌ بِحُكْمِ وقَضَاءِ الله لوحده.

السَّلَم ٢٠: النجاة القلبية مقابل العبادات الشعائرية

إن الشرف مما يَفُوزُ البشر بفعل القيام بزيارة إلى العتبات المقدسة وممارسة الرياضة النفسانية وبتأدية عملية الإحسان والبِرِّ، لا يساوي هذا كله حتى مقدار حَبَّةٍ واحدة من خَرْدَل بالمُقَايَسَةِ إلى الشرف الذي يَحْصُلُ عليه عن طريق ذِكْرِ الله. على أن المرء الذي استمع إلى ذكر الله فآمن به وبالتالي استغرق في حُبِّه، فقد أَصْبَحَ بذلك كما لو كان هو اسْتَحَمَّ مِلْءَ رغبته بفَرْكِ جَسَدِه فَرْحَانًا مُطْمَئِنًًّا في حَوْضِ المعبد الطاهر الذي هو موجود في داخل قَلْبِه بالذات. أيها مولاي، لا ريب في الأمر بأن في حَوْزَتِكَ كافة الفضائل، ها هو أنت ذا واهب الفضائل بحيث ليست عندي حتى ولو فضيلة واحدة. طالما لم تَخْلُقْ أنت فضيلة ما في داخل باطني، لا يمكن أن أَصِيرَ تَقِيًًّا مُتَعَبِّدًا قَطُّ. أيها ربي، هو ذا أنت الذي كيانه دائم الثبات وقائم بالذات، أهو ذا أنت موجود في الكائنات كلها، هو أنت بنفسك الكلام الألوهي، وهو ذا أنت موجود في الإله بَرَهمَا يعني الإله خالق العالم، هو ذا أنت مُسْتَقِرُّ الوجود، وهو ذا أنت الذي فَرْحَانٌ دائمًا قَلْبُه.

متى كان ذلك الزمن؟ ماذا كان ذلك الحين؟ ماذا كان ذلك التاريخ؟ أي كان ذلك اليوم؟ متى كان ذلك الفصل؟ متى كان ذلك الشهر؟ حيث كان تَمَّ فيه تشكيل هذا العالم؟ لم يتمكن أي من البراهمة الفلاسفة الذين وَضَعُوا الصحائف بُورَانَات المقدسة من تحديد ذلك وقت التكوين للعالم، مثلما لم يَقْدِرْ أي من القضاة الفقهاء شارحي القرآن عن ذلك الوقت والشرع من الكشف عن ذلك إطلاقًا. كذلك هذا الأمر يَنطَبِقُ على علماء فلسفة يُوغا بشأن تحقيق الفصل والشهر بشأن تكوين أو حدوث هذا العالم. فيما لو يمكن في أي حال معرفة ذلك الوقت بضبط وبإتقان تام، ليس هو أي آخر إلا الله وحده الذي خَلَقَ الكائنات بأسرها. كيف أتكلم في عظمته؟ كيف أُسَبِّحُ حَمْدَه تسبيحًا؟ كيف أَفَسِّرُ جلاله تفسيرًا؟ كيف يمكن لي أن أَتَقَرَّبَ إليه؟ يا نَانَك، هأنذا أَجِدُ كل واحد يُنَافِسُ الآخر على رواية عظمته على لسانه جَاهِدًا سَاعِيًا سَعْيًا حثيثًا ومُدَّعِيًا بأنه أَذْكَى أو أَعْقَلُ من غيره، لكن لا يمكن له أن يَصِفَ له حَقَّ الصِّفَة قَطُّ. إن الله أكبر وأَرْفَعُ شأنًا، وذلك هو الذي يَحْدُثُ كل شيء بِمُقْتَضَى أَمْرِه. يا نَانَك، فيما لو ظَنَّ أي واحد بأنه على معرفة شيء وتَحَقَّقَ عِلْمًا تامًا إسنادًا إلى إدِّعَائِهِ الكاذب، فإنه بذلك لن يَتَلَقَّى أي احترام أو ترحيب بِمَحْضَرِ الله إطلاقًا.

السَّلَم ٢١: الكون اللامتناهي وإحصاء صفات الله

توجد هناك آلاف الأُلُوفِ من طبقات الأراضي السُفلى تَقَعُ الواحدة تحت الأخرى، وكذلك آلاف الأُلُوفِ من السماوات التي تَعْلُو كل واحدة فوق الأخرى، بحيث يَسْتَحِيلُ تَصَوُّرُ الناس من استكشاف آخر طَرَفٍ لنهايتها. أما الصحائف فِيدَات المقدسة فتقول نفس الحديث بلسان واحد بالإجماع في هذا الصدد. وتَذْكُرُ الصحائف المقدسة مثل: تَوْرَاة وزَبُور وإنجيل والقرآن عن وجود ثمانية عشر ألف عالم، وإن مَنْبَعَها الوحيد الخالق الواحِد لا غيره. فيما لو كان بالإمكان إحصاء أوصاف الله على فَرْضٍ، إذا حاولنا الكتابة في أي من أوصافه حَالًا، فهذا سوف يُؤَدِّي إلى انقراض نظام الحساب نفسه، وسَيَتَرَتَّبُ على استهلاك كل الأرقام العددية بشأن حَصْرِ صفات الله. يا نَانَك، إنه نَفْسُهُ الذي يَدْعُوهُ الناس أكبر وأعظم، وهو على أَحَقِّ المعرفة بنفسه في هذا الصدد.

السَّلَم ٢٢: مصير العباد السابحين والمُتَفَرِّغين

إن عُبَّاد الله قد طابت أنفسهم في تسبيح الله إلى الحد الذي لم يَبْقَ لهم الوَعْيُ لوجودهم، بحيث أنهم صاروا مُتَمَثِّلِينَ بالله روحيًا تمامًا، على غِذَاءِ تلك الأَنْهُر مختلفة الينابيع التي ليس بالإمكان تحديد هَيْئَتِها السابقة بعد أن انحدرت في مياه البحر. إن السلاطين من يَسُودُ حُكْمُهُمْ على البحار وعندهم المخازن التي تَتَكَدَّسُ فيها الثروات، لا يَنْزِلُونَ حتى إلى منزلة أَدْنَى أو أَحْقَرِ نَمْلَةٍ لم يَكُنْ قد تَغَيَّبَ عن قلبها ذكر الله.

السَّلَم ٢٣: اللانهاية الإلهية وعجز الخلق عن الإحاطة

لا نهاية لِحَمْدِ الله مُطْلَقًا، كما لا يمكن أن نَحْصُرَ ذلك في حَيِّزِ البيان، لا حَوْلَ ولا قوة على الإحاطة بِمُنْتَهَى صُنْعِ الخالق، ولا قوة كذلك على المعرفة بِمُنْتَهَى الله المُعْطِي. لا يمكن البلوغ من تلك النهاية لا عن طريق المُشَاهَدَة ولا عن طريق السماع. لا يمكن المعرفة حول المنتهى المقصود الذي قد يكون في قَلْبِ الله، ولا يمكن التعرف على النمط في نَحْوِ ماذا يَحْلُو له الثناء من جانبنا. لا يمكن لأحد أن يَعْرِفَ أو يَحْدُسَ في تشكيل العالم من حيث ما أوسع مَدَى تكوين كائنات الله. ليس بالإمكان تقدير مُنْتَهَى قُدْرَةِ الله من حيث ما هو دُونَ وما هو عَبْرَ هذا العالم. كم من رجال يَتَبَلْبَلُونَ رغبة في البحث عن آخر طَرَفِ المنتهى، لكن لا يَسْهُلُ عليهم إدراك مُنْتَهَاهُ إطلاقًا. أما هذا المنتهى الذي ليس بإمكان أحد أن يُصْبِحَ مُتَعَرِّفًا عليه، فكلما يَتَحَدَّثُ عنه بأقواله الكثيرة في مجال التحديد، كلما يَأخُذُ بالظهور له أوسع فَأَوْسَعَ بِمَرَاحِلَ عن ذي قَبْلَ بأن الله أكبر وأَرْفَعُ منزلة ومكانة يكون. إن الله أَعْلَى الأَعَالِي وكذلك اسمه أَسْمَى وأَعْظَم. إنما في تلك الحالة نفسها يَسْتَطِيعُ أحد أن يَعْرِفَ ذلك الله الأكبر، فيما لو كان يُتِيحُ له أن يَصِيرَ أكبر من ذات الله، لكن ذلك الأمر مُتَعَذِّرٌ عليه جدًا. لا أحد يَسْتَطِيعُ أن يُدْرِكَ عظمة الله ما عدا الله وحده الذي يَعْرِفُ بنفسه شأن كبريائه. يا نَانَك، لا ريب بأن الله هو الرحمن والمُفْضَال والمُعْطِي.

السَّلَم ٢٤: كرم الله السَّابق والنِّعَم والتعاسَة

أما بشأن سِعَةِ كَرَمِ الله وفَضْلِه فلا يمكن تحريره بالقلم لأنه ليس بِمُسْتَطَاعِ أحد الإحاطة به! إذ الله هو الوَهَّابُ والمُعْطِي فليس لديه أي إطماع في أي شيء حتى على قَدْرِ حَبَّةِ الخَرْدَل. كم من عَدَدٍ لا يُحْصَى من المُحَارِبِين الشجعان سائلون الله على عَتَبَتِه. كم عَدَدٌ لا يُحْصَى من البشر الذين يُمَارِسُونَ الفَحْشَاء والأعمال السيئة؟ كم من البشر يَتْلَفُونَ ويَتَلَقَّوْنَ عَطَايَا من الله تِبَاعًا بدون انقطاع، ثم لم يَلْبَثُوا طويلًا حتى يكونوا مُنْكِرِي الجميل. وما أكثر الحَمْقَى الذين يَأكُلُونَ ويَأكُلُونَ وهم غير شاكرين الله على نَوَالِه. على عكس ذلك، ما أكثر عَدَدَ الرجال المَساكِين المُعْسِرِين الذين يُعَانُونَ مُعَانَاةً تحت ثِقْلِ التَّعَاسَةِ والجُوعِ. أيها الوَهَّاب المُعْطِي تلك حالهم، العُسْرَة والتعاسة أيضًا تَتَكَوَّنُ من إحدى عطاياك في سبيل التَّمَسُّكِ بالقناعة والاصطبار. إنما يمكن التَّحَرُّرُ من قيود المُغْرِيَات المادية فَقَطْ بِمَرْضَاةِ الله، فيما لو ظَنَّ أحد بأنه سَيَأْمَنُ منها ويَتَحَرَّرُ بأي طريق آخر، فلن يَنْجَحَ في مُحاولته أبدًا. كذلك فيما لو أَوْصَى أي شخص أَحْمَقَ بِإِتْبَاعِ أي طريق آخر في التَّخَلُّصِ من المُغْرِيَات المادية، فسوف يَسْتَبِينُ لهذا الأحمق الأمر بأن ما أكثر أن يُصَابَ وجهه ضَرَبَاتٍ عملًا بذلك فيما تُصَبُّ على وجهه من الضَّرَبَاتِ القاسية جَزَاءَ عمله. إن الله يَعْلَمُ الحاجة حَقَّ العلم وهو يَسُدُّ بنفسه تلك الحاجة، وهذا هو القول بالذات الذي يُرَدِّدُهُ كثير من الرجال. يا نَانَك، أَيًّا مَنْ يَرْزُقُهُ الله الاستطاعة على تسبيح حَمْدِ الله وأوصافه، فسوف يُصْبِحُ ذلك الرجل فِعْلًا قَيْصَرَ القَيَاصِرَة.

السَّلَم ٢٥: عجز التقييم عن الإحاطة بعظمة الله

مثلما لا يمكن تقدير القيمة من المكارم الإلهية، هكذا لا يمكن تقدير التجارة في تلك مكارم الله أيضًا. مثلما غير ممكن تخمين قيمة التجارة من فضائل الله، هكذا لا يمكن تخمين قيمة فضائل الله ومخازنها أيضًا. كذلك لا يمكن تقييم قيمة هؤلاء الرجال الذين يَأتون إلى هذا العالم كَيْما يَشْتَرُونَ هذه المكارم ومن ثم يَذْهَبُونَ عن هذا العالم بعد أن اشتروها، بينما لا يمكن تحديد قيمة هؤلاء الرجال الذين وَلَعُوا بالله وُلُوعًا بالغًا إذ لا يمكن كذلك تحديد قيمة أولئك الرجال الذين انْجَذَبُوا لذات الله أيضًا. حيث لا يمكن تقدير قيمة دِينِ الله، إذ لا يمكن أيضًا تقدير قيمة مَقَامِ الله الباري كذلك. مثلما مِيزَانُ عَدْلِ الله ما وراء تقدير القيمة، هكذا المعايير والمقاييس في ذلك الميزان ما وراء تقدير قِيمَتِها. في حين ليس فيه إمكان تخمين قيمة عطايا الله، إذ ليس بالإمكان أيضًا تخمين كل تلك العلامات التي تَدُلُّ على عطاياه على الإطلاق. إن كَرَمَ الله لا يمكن تحديد قيمته، وكذلك لا يمكن تحديد قيمة أحكام الله وشرائعه. أما كَرَمُ الله فهو أَثْمَنُ ما يكون من أَثْمَنِ النفائس كلها لِلْحَدِّ الذي لا يمكن حَصْرُهُ في نِطَاقِ المَنْطِق. إنما لَيَعْجَزُ جميعُ الناس الذين يُرَكِّزُونَ اهتمامهم تركيزًا عن تحديد صفاته، وفي نهاية الأمر يُصْبِحُونَ مُنْهَمِكِينَ مُتْعَبِين. قد سَبَقَ أن فُسِّرَتْ صفاته دراسات لا تُحْصَى وكتب فِيدَات وصحائف بُورَانَات المقدسة. كما رَوَى صفاته العلماء، الوُعَّاظ تِبَاعًا. كذلك كم من أمثال الإله بَرَهمَا والإله إِنْدِرَا والإله كِرْشَن و جُوبِي كانوا قد أَمْعَنُوا إمعانًا في رواية أوصافه. وإلى جانب ذلك، مَنْ رَوَى مَوْعِظَتَهُ كان كذلك الإله شِيفَا و يُوغبُون أصحاب طاقة الكرامات. كم من عدد أمثال الإله بُوذَا سَبَقَ أن أَحْصَوا صفاته. كان قد رَتَّلَ صفاته ترتيلًا الجان والملائكة كذلك قد وَصَفُوا عظمته، كم العديد من الرجال ولهم خصائص الملائكة كما سَبَّحُوا فضائله أيضًا ومُنْبُونَ القِدِّيسُونَ وخَادِمُو البشر. كم من عدد الرجال يُسَبِّحُونَ أوصافه في حين أن غيرهم على وشك القيام بمحاولتهم في ذلك. كم عَدَدَ الرجال الذين كانوا حَدَسُوا أوصاف الله حَدْسًا، وبعد ذلك ارتحلوا عن هذا العالم الواحد تلو الآخر. فيما لو خَلَقَ الله عدد الأحياء ضِعْفًا لما قد سَبَقَ أن خَلَقَهُمْ، مع ذلك لن يَسْتَطِيعَ أي واحد منهم أن يُقِيمَ أوصافه أبدًا. على قَدْرِ ما يَشَاءُ الله أن تُصْبِحَ عظمته، فهي تَصِيرُ على نفس القَدْر بالضبط حَسَبَ مشيئته. يا نَانَك، إن الله المُطْلَق دائم الوجود، وفيما يَتَعَلَّقُ الأمر بالأسرار التي في ذاته، لا أحد يَعْرِفُها إلا الله وحده. وعلى أي حال فيما لو ادَّعَى أي واحد بِمَعْرِفَةِ عظمته مُسْتَكْبِرًا مُتَبَاهِيًا في إدِّعَائِهِ، فَلْيُكْتَبْ اسم هذا الرجل في مُقَدِّمَةِ الحَمْقَى بحيث أنه أَحْمَقُ ما يكون حُمْقًا بتصرفه ذلك.

السَّلَم ٢٦: باب الله ومحاضر التسبيح الكوني

مثل ماذا قد يكون ذلك الباب، ونحو ماذا قد يكون ذلك البيت الذي يُرَاعَى منه جالسًا من فوق حَقَّ المُرَاعَاةِ للعالم بأسره. هناك لا يُحْصَى من ضَارِبِي آلات الموسيقى، وما لا يُحْصَى من الأَلْحَانِ والأَنْغَامِ لهم. ما أكثر عَدَدَ الأغاريد والأناشيد المُلَحَّنَة، وما أكثر عَدَدَ المُغَنِّيِن الذين يُغَنُّونَ جميعًا بتسبيح الله. إن الريح والنار والمياه كلها بدون استثناء تَحْمَدُ صفاتك تَحْمِيدًا. وكذلك يُغَنِّي فضائلك دَهْرَم رَاج وهو الإله مُحَاسِبُ أعمال البشر. هذا ويُسَبِّحُ معه كل الملائكة كَتَبَة أعمال الخير والشر للناس، إذ سَيَقُومُ دَهْم رَاج بِمُرَاجَعَةِ حساب أعمالهم فيما بعد بقصد إصدار الحُكْم عليها. إن يَرْتِلَ حَمْدَكَ كل الآلهة أَجْمَلُ الوجود أمثال الإله بَرَهمَا والإله شِيفَا وغيرهما جميعًا الذي زَيَّنْتَ أنت وجودهم أَحْسَنَ زينة. كذلك يُسَبِّحُك على عَتَبَتِكَ الإله إِنْدِرَا مُتَرَبِّعًا على عرشه مع الآلهة الآخرين، كما يُغَنِّي أوصافك مُرْتَاضُو علم سِدْهِيَّة بمن فيهم الرجال المُتَفَرِّغُونَ للمراقبة وأولياء الله الذين يَتَأَمَّلُونَ في الله دائمًا. أيضًا يُسَبِّحُ حَمْدَكَ الأسخياء والأَعِفَّة والمُصْطَبِرُونَ والشجعان والأقوياء كلهم جميعًا. كما يُجَلِّلُ جَلالَكَ البراهمة القُرَّاءُ للصحائف الفِيدَات المقدسة، وكذلك لا يزال أقطاب من رِشْبِين يُرَدِّدُونَ نَعْمَاكَ منذ أَزَلِ الدهور. حتى حُور الجنة فاتنات القلوب تُرَدِّدُ صفاتك في العالم الأسفل تحت دَرَكَاتِ الأرض. تُغَنِّي فضائلك الجواهر التي خَلَقْتَ كل منها أنت بنفسك، وكذلك يُغَنِّي بِحَمْدِكَ ثمانية وستون مَقامًا مقدسًا للحَجّ. إذ يَرْتِلُ صفاتك ترتيلًا أبطال ذَوُو بَأْسٍ والجَبَّابِرَة مثلما تُرَتِّلُ أربعة مَعَادِنَ عُنْصُرِيَّةٍ من تكوين العالم. يُبَجِّلُ مُحِيطُ العالم كله عظمتك، وكذلك المناطق والطبقات التي تُحِيطُ بهذا العالم كله الذي جَعَلْتَ كل منها ومن ثم اسْتَقَرَّتْ جميعًا في مَوْضِعِها المُحَدَّد لها. إنما يُسَبِّحُ تسبيحًا أولئك الأتقياء فَحَسْبُ الذين تُحِبُّهُم أَصْبَحُوا بذاك مَشْرَبِينَ في صِبْغَةِ مَشَقَّتِكَ صَبْغًا غامقًا. كم هو عَدَدٌ غيرهم الذين لا يمكن استذكار أسمائهم بحيث قد غاب ذكرهم عن البال، وهم أيضًا يُسَبِّحُونَ جَلالَك، فَعَلَيْه لا أي شأن لهذا نَانَك أَحْقَرُ الوجود المغلوب على أمره أن يُفَكِّرَ في حَصْرِ عددهم بعدم استطاعته على ذلك. إنما هو ذلك عَيْنُهُ وعَيْنُ رَبِّنَا السَّرْمَدِيَّة فَحَسْبُ الذي لاسمه دَوَامٌ واستقرار إذ هو موجود في الحاضر وهكذا سيكون في المستقبل. إن الله الذي خَلَقَ الكائنات بأَسْرِها، ومثلما هو لم يُولَدْ بأحد، لن يَمُوتَ إطلاقًا هكذا. ذلك هو الله الأَوْحَد الذي أَوْجَدَ العالم على اختلاف الألوان والأجناس، وتلك ذاته العُظْمَى التي أَتَمَّتْ خَلْقَ الكائنات كلها. إن الله يُحَافِظُ على ما تَمَّ تَخْلِيقُهُ بعد نَشْأَتِهِ حَقَّ المحافظة عليه وِفْقًا لما يَحْلُو له شأن كبريائه. إنما يَعْمَلُ الله كَيْفَمَا يَشَاءُ ولا يَسْتَطِيعُ أحد أن يَأْمُرَهُ إذ هو سُلْطَانُ السَّلَاطِين ومَلِكُ المُلُوك، فَإِذًا يا نَانَك يَتَوَجَّبُ علينا بأن نَلْتَزِمَ كلُّنا بِمَشِيئَتِه دائمًا.

السَّلَم ٢٧: شروط اليُوغي للنجاة

أيها يُوغي، إذا جَعَلْتَ اصْطِبَارًا وقَنَاعَةً قُرْطَ أُذُنَيْكَ وشَرَفًا واجتهادًا طَرَفَ ذَيْلِكَ، وهكذا جَعَلْتَ قَرِيحَتَكَ بكونك مُتَفَرِّغًا لله رَمَادًا تَطْلِي أنت به على جَسَدِكَ، كما جَعَلْتَ صِفَةَ استذكار الموت لِحَافًا، وإذا جَعَلْتَ هَيْكَلَ جَسَدِكَ الذي هو مثل عذراء لأجلك حِيلَةً في طَلَبِ الحَقِّ، كما إيمانك بالله لا يَتَزَحْزَحُ جَعَلْتَ عَصَاكَ، إنما فَحِينَئذٍ يمكن لك الحصول على النجاة فَحَسْبُ. إنما ذلك الرجل قد يكون المُعْتَقَد المُخْلِص النَّزِيه فَحَسْبُ لطائفة "آيَابَنْثِي" الأولى من ضِمْنِ كل اثنتي عشرة طائفة مُنْتَسِبَة إلى مَذْهَبِ "يُوغيِّين" الذي جَعَلَ كل أفراد العالم أصدقاء له، بحيث أن مَن أَخَذَ قَلْبَ البشر فاز بالعالم بأكمله. سَلَامًا على الله، سَلَامًا على الله الذي ذاته بدون أي عَيْبٍ وليس له أي مَنْبَعٍ للنشأة كما هو غير عُرْضَةٍ للهَلَكَةِ أو الاندثار ولا يزال قائمًا مُسْتَقِرًا عُصُورًا بعد عُصُورٍ بِمَظْهَرِه الوحيد.

السَّلَم ٢٨: العرفان والرحمة والرد على قوة السِّدْهِيَّة

أيها يُوغي، حَبَّذَا لو جَعَلْتَ عِرْفَانَ الله تُرَيْدَكَ. حَبَّذَا لو اتَّخَذْتَ الرحمة والإحسان للبشر كَمَوْقِفِكَ على غِرَارِ طبيعة حَسَنة لتلك المرأة المُعْتَقَدَة المُتَطَوِّعَة التي تُوَزِّعُ الطعام على المُشَارِكِين في تَجْمِيعِ المَأْدُبَة المُشْتَرِكِ حيث يُنْفَخُ في البُوقِ إعلانًا ببدء توزيع الطعام. على أن نَاث مَوْلَى اليُوغيِّين الذي تُعَلِّقُ عليه أنت أهمية بالغة هو الله وحده المولى الحقيقي لا غير الذي خَلَقَ الكائنات كلها. حَبَّذَا لو تَفْهَمُ بأن القوة المُكْتَسَبَة الروحانية بفضل عِلْمِ سِدْهِيَّة وبِمُمَارَسَةِ رِدْهِيَّة ليست إلا باطلة، وهي التي تَصْرِفُك عن الله. إن الوصال والفراق الذين يَجْرِيَانِ كِلاهُمَا أمورَ العالم كله، إنما هو الله الذي يَذُودُ عَمَّن ذَادَهُما نَصِيبًا مُحَدَّدًا للبشر حَسَبَمَا يكون له مَكْتُوبًا مُقَدَّمًا. سَلَامًا على الله، سَلَامًا على الله الذي ذاته بدون أي عَيْبٍ وليس له أي مَنْبَعٍ للنشأة كما هو غير عُرْضَةٍ للهَلَكَةِ أو الاندثار ولا يزال قائمًا مُسْتَقِرًا عُصُورًا بعد عُصُورٍ بِمَظْهَرِه الوحيد.

السَّلَم ٢٩: وحدة الأفعال الإلهية (الخَلْق والرعاية والقضاء)

كما تَدَاوَلَ هذه الفكرة بين الناس عامة قائلة بأن كانت الكائنات قد حُمِلَتْ وَقْتًا ما من هذا الوجه أو ذلك وبالتالي أَنْجَبَتْ ثلاثة بَنِينَ: إن كان أولهم الإله بَرَهمَا الذي تَوَلَّى مُهِمَّةً في رعاية وتربية المخلوق، والثاني كان الإله وِشْنُو الذي صار خازن الأرزاق للخلق، بينما الثالث كان الإله شِيفَا الذي يَعْقِدُ دِيوان القضاء. لكن في واقع الأمر تَجْرِي كل أمور الكائنات حَسَبَ أَمْرِ الله ومَرْضَاتِه. يَا لَلْعَجَب، يَرَى الله الخَلْقَ كله، غير أنه لا يَسْتَطِيعُ أحد من المخلوقات أن يَرَاهُ. سَلَامًا على الله، سَلَامًا على الله الذي ذاته بدون أي عَيْبٍ وليس له أي مَنْبَعٍ للنشأة كما هو غير عُرْضَةٍ للهَلَكَةِ أو الاندثار ولا يزال قائمًا مُسْتَقِرًا عُصُورًا بعد عُصُورٍ بِمَظْهَرِه الوحيد.

السَّلَم ٣٠: ديمومة الرزق وحكمة الخالق

هذا وقد زَوَّدَ الله مخازن الأرزاق مُنَسِّقًا في كل عالم بصورة بحيث أن كان قد خَصَّصَها تَخْصِيصًا مرة واحدة مهما كان مطلوبًا على سبيل الاختزان في هذه المخازن. على أن خالق الكائنات جمعاء يُوَاصِلُ مُرَاعَاةَ مخلوقِه مُرَاعَاةً تامة بعد أن استكمل تكوينه. يا نَانَك، مثلما ذات الله دائم الوجود، هكذا عَمَلُ الله في مُرَاعَاةِ المخلوق أيضًا هو ثابت الدوام. سَلَامًا على الله، سَلَامًا على الله الذي ذاته بدون أي عَيْبٍ وليس له أي مَنْبَعٍ للنشأة كما هو غير عُرْضَةٍ للهَلَكَةِ أو الاندثار ولا يزال قائمًا مُسْتَقِرًا عُصُورًا بعد عُصُورٍ بِمَظْهَرِه الوحيد.

السَّلَم ٣١: الوصال بالله فوق القدرة البشرية (عبر الإنعطاف)

على فَرْضٍ لو كان أُتِيحَ للبشر أن يَمْتَلِكَ بدلًا من لسان واحد ألف ألف لسان حتى يَبْلُغَ هذا العدد مِثْلَهُ بعشرين ضِعْفًا، وبالتالي كان هو قد رَدَّدَ ذكر رَبِّ العالم ألف ألف مرة بتلك الألسنة، غير أن فيما لو هو ادَّعَى مُفَاخِرًا بِسَعْيِهِ الذاتي ظَنًًّا منه بأنه بعمله ذلك قادرًا على الوصال بالله، لَذَهَبَ سَعْيُه هَبَاءً مَنْثُورًا عن إدِّعَائِهِ الباطل. إنما لأجل الوصول إلى سَبِيلِ رَبِّ العالم يَلْزَمُ على أحد الصُّعُودُ إلى دَرَجَاتِ المِرْقَاةِ عن طريق نِسْيَانِ وجوده مُسْتَغْرِقًا تامًا في ذات الله. سُرْعَانَ ما وَقَعَ هذا الحديث السماوي على أُذُنِ النمل، فقد هَاجَ شُعُورُهُنَّ بالتنافس أيضًا على ذلك الأمر في قلوبهن للوصال بالله. يا نَانَك، لا يمكن تَحَقُّقُ الوصال بالله إلا بفضل انعطاف أو نَظْرَةِ عاطفة من الله، بحيث لا يكون لدى رجل مُتَبَاهٍ كاذب ما عدا أقواله وادِّعَاءَاتِهِ الكاذبة قَطُّ.

السَّلَم ٣٢: القدرة الإلهية المُطْلَقَة (لا حَوْلَ ولا قوة)

إن الإنسان لا حَوْلَ له على النطق ولا قوة له على الصمت. لا حَوْلَ له على الاستعطاف ولا قوة له على العطاء. لا حَوْلَ له على الحياة ولا قوة له على الممات. لا حَوْلَ له على نَيْلِ الحكومة ولا قوة له على حُصُولِ الثروات، وكلتاهما تُثِيرُ العَجِيجَ والاضطرابات في القلب. لا حَوْلَ له على الوَعْيِ ولا قوة على المعرفة أو التأمل. لا حِيلَةَ له في أن يُخَلِّصَ نفسه من الدنيا. على أن مَن قد تكون في يده القدرة والجبروت على كل ذلك هو الله وحده الذي يُسَيِّرُ كل الأمور مُرَتِّبًا وبالتالي يُرَاعِيها حَقَّ المُرَاعَاة. يا نَانَك، فإن لم يَكُنْ أي إنسان نَبِيلًا أو رَذِيلًا أفضل أو سَافِلًا بتِلْقَاءِ نَفْسِهِ إطلاقًا.

السَّلَم ٣٣: الأرض مَأْوى العمل والحساب العادل

إن الله قد خَلَقَ الفصول والتواريخ والأيام. إن الله قد أَوْجَدَ الماء والنار والأرض السُفلى. إذ من بين كل تلك الأمور أَقَرَّ للأرض مَبِيتًا ومَنْزِلًا للبشر حتى يَكْتَسِبَ الأعمال الحسنة الواجب عليه، وهي تلك الأرض التي تَقْطُنُ عليها كل أنواع المخلوقات على اختلاف أطوار وألوان مع تسميات شَتَّى لا تُحْصَى. هذا إلى أن يَتِمَّ بِمَحْضَرِ الله التفكير والاحتساب ومن ثم يَتِمَّ البَتُّ فيها على حَسَبِ الأعمال بما يكون كل أحد من الخَلْقِ أَدَّى بها تمامًا. إن مِثْلَمَا الله صادق وعادل بنفسه، هكذا يَتَّسِمُ دِيوانُهُ ومَحْضَرُهُ بِصِدْقٍ وعَدْلٍ أيضًا، إذ هناك في مَحْضَرِ الله يَتَجَمَّلُ الناس بِحُكْمِ الأتقياء تجميلًا بما أنهم يُقْبَلُونَ كَخِيَارِ أعمالهم الخير. تَسْطَعُ جِبَاهُ هؤلاء الأتقياء بِرُسُومِ الشرف بفضل كَرَمٍ ونَظْرَةِ عاطفة من الله. أما فيما إذا كانت أعمال البشر المُكْتَسَبَة فَجَّةً أو ناضجة، فسوف يَتَعَرَّفُ عليها هناك في العُقْبَى بالذات. يا نَانَك، إنه القدوم إلى مَحْضَرِ الله فَحَسْبُ، عندئذ يمكن إدراك حقيقة المرء كله في نهاية الأمر.

السَّلَم ٣٤: مراحل الحياة الخمس (مرحلة المعرفة)

مِنْ ضِمْنِ انقسام الحياة إلى خمس مراحل، قد سَبَقَ الذكر عن مرحلة الفريضة الواجبة، فَلْنَذْكُر الآن حول مرحلة المعرفة. ما أكثر الرياح والمياه والنار، وما أكثر الإله كِرْشَن والإله مَهِيْش. ما أكثر عَدَدَ الإله بَرَهمَا لِمَن يَتِمُّ تَخْلِيقُ وجودهم على أشكال مُتَعَدِّدَة وعلى ألوان شَتَّى في ثياب الصُوَرِ المُتَبَاينَة. وما أكثر مَضَامِيرَ العمل على الأرض لتأدية العمل، وما أكثر الجبل مَيْرُو، وما أكثر دَهْر وبَكْت ومواعظهم. وما أكثر عَدَدَ الإله إِنْدِرَا، وما أكثر القمر والشمس، وما أكثر عَدَدَ من المناطق والبِلَادِ حولها. ما أكثر عَدَدَ من العلماء في فلسفة سِدْهِيَّة وأمثال الإله بُوذَا، وما أكثر عَدَدَ من نَاث، وما أكثر عَدَدَ من الآلهات على أشكالها الشَّتَّى. كم أكثر عَدَدَ من الآلهة وعمالقة الطواغيت، وكم أكثر عَدَدَ من مُنِيِّين الروحانيين، وكم أكثر عَدَدَ من الجواهر، وكذلك كم أكثر عَدَدَ من الأبحار التي تُسْتَخْرَجُ الجواهر منها. ما أكثر عَدَدَ المناجم، وما أكثر عَدَدَ من الألسنة، وما أكثر عَدَدَ الملوك، وما أكثر عَدَدَ من أبناء الملوك. ما أكثر عَدَدَ من الذين يَخْدُمُونَ على سبيل تلاوة الصحائف سْمِرْتِيَّات المقدسة. يا نَانَك، لا يمكن تحديد المنتهى ولا إحصاءاتها عَدَدًا.

السَّلَم ٣٥ (تكملة): مراحل الحياة (الطرب والامتنان لله والوصال الأبدي)

على أن مرحلة المعرفة هذه هي تلك المرحلة التي تكون الرغبة مُلِحَّةً أَشَدَّ ما يمكن في الإدراك والتعرف، إذ تَتَوَفَّرُ فيها أناشيد حافلة بِمُتْعَةٍ ومناظر رائعة وأفراح وإسعاد.

أما بشأن مرحلة حالة الطرب النفسية، فَيَتَكَوَّنُ تركيبها من الجماليات وأروع الحُسْنِ الذي يُصَاغُ الحُسْنُ فيها على أَتَمِّ ما يكون جمالًا، وعلى أي حال فيما لو حَاوَلَ أي واحد بيانها تفصيلًا لَعَجَزَ عنه وأَصْبَحَ نادمًا على سَعْيِهِ عَبَثًا. بعبارة أخرى، هذه هي الحالة نفسها التي يُصْبِحُ مَصُوغًا فيها الوعي والإدراك والحَدْس والتعقُّل صياغة كاملة، مِثْلَمَا تكون قد تَطَوَّرَتْ خَصَائِلُ الملائكة وعلماء فلسفة سِدْهِيَّة مُتَكَامِلَة.

من جهة مرحلة امتنان الله وكَرَمِه، فهي تلك الحالة التي يَتِمُّ فيها تكوين تلك الحالة مُتَمَثِّلًا في هكذا قوة بالتي لا تَطِيبُ نَفْسُ البشر لأي شيء آخر في العالم إلا لله الواحِد، بحيث يُصْبِحُ فيها الرجال المُتَفَرِّغُونَ لله أصحاب أَشَدِّ قوة، بشكل لا تزال قلوبهم عامرة بِذِكْرِ الله تامًا، وهم يُصْبِحُونَ مُنْتَظِمِينَ انتظامًا في حَمْدِ الله. إنما لا يمكن وَصْفُ أو تفسير الحالة النفسية لهؤلاء الرجال إطلاقًا، وبِحُكْمِ ذلك الأمر فلا هم يَمُوتُونَ ولا هم يَغْتَرُّونَ أو يَضِلُّونَ من الملذات النفسانية. يُوَاصِلُ الرجال الأتقياء من جميع رُبُوعِ العالم المختلفة يَتَمَتَّعُونَ وبأفراحهم وهم طُلَقَاءُ الوجوه بما أنه قد تَرَسَّخَ ذكر الله في قلوبهم خلال هذه المرحلة.

غير أن خلال مرحلة أَبَدِيَّة الوصال يَحُلُّ ذات الله حُلُولًا كاملًا في قَلْبِ المرء، يعني به ذات الله تعالى الذي يَخْلُقُ فيَخْلُقُ الكائنات على التوالي وثم يُحَافِظُ عليها بنَظْرَتِه العاطفة المُفْرِحَة حِفَاظًا تامًا. [٨٩] حتى يَتَرَاءَى في تلك المرحلة للمرء مُحِيطُ الكائنات كلها مع طبقاتها ومناطقها وما يَمْتَدُّ حولها عِيَانًا، التي إذا حَاوَلَ أي واحد تفسيرها لن يمكن له البلوغ إلى نهاية روايتها. كما تَتَوَاجَدُ فيها منازل وعوالم لا تُحْصَى على اختلاف الأشكال. ومُجْمَلُ القول، لا تزال تَجْرِي كل الأمور على مَجْرَاهَا تمامًا على حَسَبِ أَمْرِ الله. إذ هو يَرَى خَلْقَ الكائنات كلها فَرْحَانًا ومَسْرُورًا. يا نَانَك، مُتَعَذِّرٌ على أحد أن يُوَضِّحَ على لسانه خُلَاصَةَ تلك المرحلة أَبَدِيَّةِ الوصال بالله.

السَّلَم ٣٧: تحويل الذات إلى حانوت لصياغة الذكر

لو تَصَوَّرْتَ بأنك تَمَلَّكْتَ نفسك بِالْوَرَعِ، فَشَبِّهْ نفسك بِحَانُوتِ صائغ. فَاجْعَلْ فيما إذا جَعَلْتَ أنت صِفَةَ تَمَالُكِ النفس وتَمَسُّكِكَ بِالْوَرَعِ حَانُوتًا لِصَائِغٍ، وبعد إذا اتَّصَفَتْ نفسك القناعةَ لها صانعًا، وكذلك جَعَلْتَ عَقْلَكَ سِنْدَانًا، وبعده جَعَلْتَ طَلَبَ العِرْفَانِ مِطْرَقَةً، وثم سَجِيَّتَكَ من مَخَافَةِ الله مَنْفَاخًا، كما اكتساب مَعِيشَتِكَ بِالْمَشَقَّةِ وتَصَبُّبِ العَرَقِ جَعَلْتَهُ حُمُوَّ النَّارِ، وبالتالي جَعَلْتَ المحبةَ بُوتَقَةً، وبعد ذلك أَذَبْتَ وسَكَبْتَ في تلك البُوتَقَةِ أَلْفَاظَ ذكر، حيث في ذكر الله السَّرْمَدِيِّ، فَحِينَئذٍ فَقَطْ يمكن صِيَاغَةُ العمل لِذِكْرِ الله في مَضْرَبِ العِمْلاقِ الصادق. [٩٠]

على أنه يمكن تأدية ذلك العمل من قِبَلِ هؤلاء الرجال فَحَسْبُ مَنْ يكون الله اخْتَصَّهُمْ بِجُرْمِه. يا نَانَك، لا بُدَّ أن يَصِيرَ هؤلاء الرجال فَرِحِينَ بِفَضْلِ نَظَرِ الله في خَاتِمَةِ المَطَاف.

السَّلَم ٣٨: خِتَام (معادلة الكون والحساب والنجاة)

أما الريح فهي بِمَثَابَةِ المُعَلِّم، والماء هو مِثْلُ الأَبِ، أما الأرض فهي بِمَثَابَةِ الأُمِّ الكُبْرَى، وكذلك تَمْثِيلُ النهار والليل كِلاهُمَا شَأْنُهُمَا شَأْنُ المُرَبِّيَة التي هي تُرَبِّي وتُهَدْهِدُ وتَجْعَلُ وليد هذا العالم يَلْعَبُ.

أما أعمال الشر والخير فَسَوْفَ تُقَاسُ بها بِمَحْضَرِ الله وتُحْتَسَبُها حَقًًّا من قِبَلِ دَهْرَم رَاج وهو المَلِكُ المُحَاسِبُ، حيث يُصْبِحُ بعض الناس بِفَضْلِ كَرَمِ الله أَقْرَبَ والبعض الآخر أَبْعَدَ عن تَقَرُّبِ الله. غير أن الرجال الذين سَبَقَ أن رَدَّدُوا ذكر الله تِبَاعًا وتَحَمَّلُوا مَشَقَّةَ الرياضة، يا نَانَك، كلهم طُلَقَاءُ الوجوه غدًا، وهم قد فازوا بِنَجَاةٍ من الدنيا الخَسِيسَة.

الخلاصة

نص الجَبْ جِي هو الكتاب المقدس للديانة السيخية، ألَّفه المُؤَسِّس الكُورُو نَانَك. وتُلَخَّصُ العقيدة الأساسية (مُول مَانْتْرَا) في وحدانية الله وكونه الخالق المطلق، الدائم، غير المحدود بالزمن أو الولادة، مع التأكيد على ضرورة حِفظ ذكره. تُقَدِّمُ التسبيحية الجوهرية نقدًا لاذعًا للعبادات الظاهرية مثل الطهارة الجسدية والصمت والرياضة أو تراكم الملذات والحكم الفلسفية، مُوضِحَةً أن هذه الأمور وحدها لا تَقود إلى طمأنينة القلب ولا تُحَطِّم ستار الكذب. وتختتم بأن الطريق الوحيد للاهتداء إلى الصدق هو التَّحَفُّظُ والتَّمَشِّي مع أمر الله رَبِّ المَرْضَاة، وهو ما كُتِبَ على البشر منذ الأزل.

موضوعات ذات صلة

الطقوس السيخية تقوم على التلاوة اليومية لفقرات منه (كالجَابْجِي) داخل المعبد.

السيخية، كديانة نشأت في البنجاب، انتقلت من الفلسفة الروحية للمؤسس نانَك إلى العسكرة على يد الغورو جوبيند سينغ بتأسيس الخالصة.

تؤمن السيخية بالتوحيد الخالص (إله واحد خالد) مع مبدأ الحلول في الكائنات، وتعتبر الخلاص غايتها.

موضوعات مختارة