Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

تاريخ الديانة السيخية من مؤسس العقيدة إلى نهاية عصر المعلمين

الكاتب

هيئة التحرير

تاريخ الديانة السيخية من مؤسس العقيدة إلى نهاية عصر المعلمين

ركزت عقيدة نانَك على التوحيد ونبذ الطبقات والخرافات، وقد تطورت عبر المعلمين العشرة حتى مرحلة العسكرة مع غُوبِنْد سِنْغ الذي أسس الخالصة، لتنتهي الزعامة البشرية وتنتقل إلى الكتاب المقدس غورو غَرَنْث صَاحِب.

مؤسس عقيدة السيخ وأول معلميها

هو نانَك بن مِهتا كالو، وُلِد في الخامس عشر من أبريل/نيسان سنة ١٤٦٩م في قرية تَلْفَنْدي التابعة إداريًا لمحافظة جُجْرانْوالا بولاية البنجاب الغربية (تبعد ٤٠ ميلًا جنوب غربي لاهور، باكستان)، من بيت هندوسي ميسور الحال؛ فقد كان والده من مُلَّاك الأراضي. ولما بلغ نانَك السابعة من عمره، كان من فُرُوض عائلته أن يَلبس الزُنّار، وهو طقس هندوسي شبيه بالمعمودية عند المسيحيين، فرفض نانَك ذلك قائلًا: "أرفض لُبسَ الزنارِ المفتولِ الخيوطِ بل البَرْ وشرعُ القناعةِ المفتولُ من خيوطِ التقوى والبرِّ والإنسانية".

ولما بلغ سن السادسة عشرة، قررت عائلته أن يتزوج من فتاة تنتمي لنفس القرية، فتزوج بها في أول أبريل/نيسان سنة ١٤٨٥م. وكان يساعد والده في رعاية أمور الزراعة ورعاية الأراضي، لكنه كان شارد الذهن، دائم التفكير والتأمل، معتزلًا الناس، فرغب والده في توجيهه للأعمال التجارية؛ لعله بذلك يَصْرِفُه عن انطوائيته وعزلته، فأعطاه بعض النقود وأرسله إلى قرية تشوهركانا المجاورة لعقد بعض الصفقات التجارية، فذهب نانَك إلى هناك، وحينما وصل تلك القرية هاله ما رأى فيها من المُعْدَمِين والجياع، فَرَقَّ لحالهم، وأنعم عليهم بالنقود التي حملها معه لعقد الصفقات التجارية، ورجع فورًا إلى قريته وأخبر والده بما آل إليه أمر النقود، بأنه عقد صفقات صادقة مع الله تعالى، وسوف تعود عليهما جميعًا بالثواب الجزيل. فسخط عليه والده لذلك، وبعد مُدَّةٍ بعثه إلى زوج أخته وهو جي رام الذي كان قاطنًا في سُلطان بور لودهي، وكان لديه صيت طَيِّب لدى حاكم البلدة. فتوسط جي رام لصهره نانَك، فعينه الحاكم أمينًا لمخزن الغلال، وعُرِفَ نانَك خلال عمله بتوزيعه الكثير من الغلال مجانًا للفقراء، فشاع ذكره في أوساط البلدة، واتصل خبره بحاكم البلدة، فأمر بتفتيش المخازن التي يُشرف عليها نانَك، لكنه لم يجد ما يُدينُه به، وقد صَحِبَ نانَك خلال تلك الفترة عددًا كبيرًا من الأصدقاء المسلمين، وتعرَّف عن طريقهم على الدين الإسلامي، ومن أهم أصدقائه في تلك الفترة المسمى مَرْدانَا، الذي كان صوفيًا وموسيقيًا بارعًا أيضًا، ويَرِدُ اسم مَرْدانَا في كثير من القصص التي يرويها السيخ عن نانَك، ويظهر جليًا في بعض الروايات أن نانَك تَرَك عمله المذكور، وطفق يَجُوب القرى والإمارات الهندية واحدة بعد الأخرى بصحبة رفيقه مَرْدانَا، فزارا البنغال وأسام وأوتار براديش ومادهيا براديش، وكان نانَك خلال تلك الرحلة يُحارب الوثنية التي انتشرت في المجتمع الهندوسي، كما كان عدوًا لَدُودًا للخرافات والبدع، ومما يُروى بهذا الصدد أنه زار معبد هَرِيْدْوَار، وهو قُدْسُ الأقداس للهنادكة، ويقع على ضفة نهر الكانج المقدس عندهم، والذي يَحُجُّ إليه الهندوس بالملايين ليغتسلوا فيه بقصد مَحو آثامهم واكتساب ثواب الآخرة بِزَعْمِهِم، فشاهد بعض الحجاج هناك يتعبَّدُونَ الشمس بطريقة غَرْف الماء بواسطة الكفين ورميها باتجاه الشرق (مشرق الشمس)، فوقف بينهم وأخذ يَغْرِف الماء باتجاه المغرب (مغرب الشمس)، مما أثار حيرة وتساؤل أولئك الحجاج. ثم أوضح لهم أنه يرمي الماء باتجاه مَزْرَعَته الكائنة في قرية كَرْتَارْبُور في البنجاب لكي يروي مزروعاته، فعادوا وسألوه: كيف يَصِل الماء إلى مَزْرَعَته وهي في البنجاب؟ فقال: "إذن كيف يَصِل الماء الذي ترمونه إلى الشمس؟" وبهذه الطريقة كان يَستميل الناس إلى طريقته، وأخذ أتباعه يزدادون عددًا مع دواعي الإعجاب الأخرى التي تَستميلهم في شخصيته المثالية الرزينة، ومع نُسُكه وتقواه وزُهْده ونقاء سريرته، وقد شَهِدَ خلال جولاته الواسعة جانبًا من غزوات الإمبراطور المغولي المسلم بَابَر، وكان لهذا الأمر، ولا اتصاله الواسع بالمسلمين، ما رَغَّبَه في زيادة الاطلاع على الأمكنة الإسلامية المقدسة، فزار مكة المكرمة ومدينة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، كما زار بغداد وبقي فيها فترة من الزمن وتعرَّف إلى الصوفية فيها، وله إلى الآن مقام مقدس في بغداد يَرْتادُه السيخيون طوال العام وسيأتي الحديث عنه بالتفصيل، كما زار النجف الأشرف وكربلاء وسامراء والكاظمية والكوفة، ثم غادر العراق وعرَّج على القدس الشريف ورجع بعدها إلى مكة ثانية ومنها إلى الهند، وقد تكوَّنت لديه خلال هذه الرحلة أُسُس مذهب جديد، هدفه التقريب بين الهنادكة والمسلمين، وقد سمَّى نِحْلَتَهُ الجديدة السيخ، ومعناها: تلميذ أو مُتَعَلِّم. وكانت من عقائدها البارزة: الكُفْرَان بالآلهة الهندوسية جميعًا والاعتراف بالله الواحد الأحد، وأظهر بُطْلان نظام الطبقات الهندوسي، وأن الناس سواسية في الخَلْق، وأنه يَرَى الله وحده في جميع المخلوقات، لكنه أقرَّ بعقيدة التناسخ، ووضع كتابًا باللغة البنجابية الـ "كُورْمُكي" اسمه "كَرَنْث صَاحِب"، وصاحب كلمة عربية تُستعمل في أكثر اللغات الهندية للاحترام، كما تُستعمل كلمة المجيد أو الكريم بالنسبة إلى القرآن. وقد أوضح مُجمل عقائده في كتابه المذكور ونحا فيها منحى صوفيًا، كما عُرِفَ نانَك أيضًا بموهبة الشعر وتأثَّر بالشعراء الفُرْس الذين ازدهرت بهم بلاط دلهي، وسارت أشعارهم في الحواضر الهندية المختلفة، وتُنسَب له ٩٧٦ تَرْنِيمة دينية مُثبتة في كَرَنْث صَاحِب، وربما أُضِيفَت لهذا الكتاب الكثير من رؤى ومَنظُومات خُلفاء نانَك، ولعل القسم الأهم من الإضافات هي إضافات الخليفة الخامس أَرْجَان دِيف (١٥٦٣ - ١٦٠٦م). إن الدين السيخي في بداياته أقرب إلى فرقة صوفية إسلامية منه إلى مذهب يُقِرُّ بعدد من عقائد الهنادكة، وبالإضافة إلى ما وضعه خلفاء نانَك من التقاليد والتعاليم الجديدة، فإنه أخذ يُشَكِّل دينًا قائمًا بذاته بعيدًا عن الإسلام والهندوكية معًا، ثم كان نواةً لخَلْق جماعة دينية سياسية لعبت دورًا كبيرًا في البنجاب، وبلغت مَبلَغًا كبيرًا من القوة والتنظيم، بحيث إنها استطاعت أن تُؤسس دولة خاصة بها بقيادة المهراجا رَنْجِيت سِنْغ، على ما سيأتي ذكره.

عصر المعلمين البشر (الجورو) العشرة

تَرتَكِز العقيدة السيخية على الإيمان بأهمية وجود مُرشد يَهدي أتباعها إلى صراط الإيمان؛ لذا، فإن الكتاب المقدس للسيخ، الذي يحتوي على إرشادات مُعَلِّمِيهم، يظل المرجع الأساسي والدائم للإيمان. يُقِرُّ السيخ بأن معلميهم العشرة كانوا أفرادًا عاديين لا يجوز تأليههم أو منحهم أي صفة نبوية. وقد أكد كل مُعَلِّم هذه الحقيقة بنفسه، قائلًا: "جئت إلى الحياة بشكل طبيعي بخَلْقٍ من الله كالآخرين، وسأغادر الحياة يومًا ما بأمر من الله أيضًا". لا تعترف السيخية بأي معلم بشري بعد المعلم العاشر غُوبِنْد. وفي أماكن عبادتهم، يتواجد مُتخصِّصون يتولون تلاوة نصوص الكتاب المقدس وإنشاد التراتيل على المصلين أثناء التجمعات الدينية[انظر: السيخ في الهند، ص ٤٢]. يُطلق على كل واحد من قادتهم "جورو" وتعني عندهم المعلم أو الأستاذ، وهو خاص بنانَك وخلفائه في قيادة الطائفة. [انظر: معتقدات آسيوية، ص ٢٣٧].

أمضى المعلم الأول، نانَك، سنواته الأخيرة في قرية كَرْتَارْبُور التي قام بتشييد أول معبد للسيخ فيها، وسُمِّيَ داراماسال أي موطن الإيمان أو مَقَامُه، ثم عُرِفَ لاحقًا باسم كاردوارا. يَتوافد الآلاف من الناس إلى هذا المعبد للاستماع إلى تعاليم المعلم الأول ومواعظه التي دعت إلى التوحيد بين الهندوس والمسلمين. وعندما وافته المنية سنة ١٥٣٩م، ثار نزاع بين الطائفتين؛ حيث تمسَّك المسلمون بحقه في الدفن، بينما أصر الهندوس على حَرْقِ جسده، وقد حُرِقَ بالفعل. وخَلَّفَ المعلم الأول أتباعًا له من كلتا الديانتين [انظر: السيخ في الهند، ص ٤٥. السيخ عقائدهم وتاريخهم، ص ١٦].

المعلم الثاني: بالرغم من أن المعلم الأول كان له ابنان، إلا أنه اختار لنشر رسالته من بعده أحد أتباعه وهو أَنْغَد. أثارت عملية الاختيار هذه دهشة سُكان البنجاب، واشتهر هذا المعلم الثاني، الذي عاش ما بين ١٥٠٤م و ١٥٥٢م، بجهوده في تنظيم وترتيب كتابات المعلم الأول وتجميعها في مؤلَّف أسماه Gurmukhi، أي "مِن فم المعلم"، كما أسَّسَ مراكز مُنظَّمة لتعليم تعاليم مؤسس العقيدة السيخية [انظر: السيخ في الهند، ص ٤٥-٤٦].

المعلم الثالث: قُبيل وفاة المعلم الثاني، وقع اختياره على أَمَار دَاس (١٤٧٩م-١٥٧٤م) ليصبح المعلم الثالث. في فترة قيادته للسيخ، سعى الإمبراطور أكبر إلى استمالة الطائفة، فاستدعى أَمَار دَاس ومنحه مساحة واسعة من الأرض في أمريتسار. عُرِفَ هذا المعلم بمبادرته لإنشاء مطبخ المجتمع السيخي، بهدف ضمان تناول السيخ الطعام جميعًا في مكان واحد [السيخ عقائدهم وتاريخهم، ص ١٨ و ١٩].

تميَّزت هذه المرحلة بتركيزها على توسيع نطاق الفكر السيخي خارج إقليم البنجاب [انظر: السيخ في الهند، ص ٤٦].

المعلم الرابع: قبل أن يتوفى المعلم الثالث، اختار صهره رَام دَاس (١٥٣٤م-١٥٨١م) ليكون المعلم الرابع. باشر هذا المعلم عملية البناء على قطعة الأرض التي مُنحت للسيخ في عهد المعلم الثالث، حيث أقام فيها مدينة خُصِّصَت لأبناء الطائفة السيخية، واستقر اسمها على أمريتسار، وفيها بدأ السيخ بتشييد معبدهم الذهبي سنة ١٥٧٥م [ السيخ عقائدهم وتاريخهم، ص ٢٠].

المعلم الخامس: خَلَفَ رَام دَاس ابنه أَرْجُون (١٥٦٣م-١٦٠٦م) كمعلم خامس. وضع أَرْجُون حجر الأساس للمعبد المعروف باسم هاريماندير (Harimandir) أي معبد الإله، واتخذ خطوات هدفت إلى ترسيخ قناعة لدى السيخ بأنهم جماعة مُستقلة ومُغايرة للمسلمين والهندوس. كما قام بجمع كل الكتابات السابقة للمعلمين في مُجلَّد واحد، عُرِفَ بـ الكَرَنْث صَاحِب، الذي أصبح الكتاب المقدس الأساسي للسيخ، ويحتوي على حوالي سبعة آلاف ترنيمة يتلوها أتباع المذهب. يشتمل هذا الكتاب على تعاليم الغورو الأول نانَك، ويتضمن أيضًا بعض النصوص من الديانة الإسلامية والهندوسية. وُضِعَ هذا الكتاب داخل المعبد الذهبي الذي شُيِّدَ في وَسَطِ بركة كبيرة بمدينة أمريتسار. نُسِجَت أساطير حول هذا الموقع، منها أن رَام دَاس شاهد بركة ذات رائحة عَطِرَة، حَطَّ عليها عصفور مكسور الجناح فما لبث أن طار. ويُقال إن الغربان تتحول فيها إلى بَجَعَات بيضاء، وإن ماءها يشفي من البَرَص. ويُعَدُّ ماء هذه البركة مُقدَّسًا لدى السيخ، حيث يتطهرون ويتباركون به [انظر: معتقدات آسيوية، ص ٢٣٨.] ، وأعلن أن الاغتسال في حوض رَام دَاس يَمْحُو الذنوب جميعًا، وبهذا بدأ السيخ يُعظِّمُون المعبد ومياهه المقدسة حتى تحوَّلَ إلى سِمة عبادية خاصة بهم ومركز حقيقي لحياتهم اليومية) (السيخ عقائدهم وتاريخهم، ص ٢١). تُعَدُّ مشاركة أَرْجُون الكبرى في تاريخ الطائفة هي وفاته في مايو عام ١٦٠٦م؛ إذ قُتِلَ تعذيبًا على أيدي سَجَّانِيه أثناء حكم الإمبراطور جَهَانكِير (الذي حكم ١٦٠٥م– ١٦٢٦م)، بسبب دعمه وتحالفه مع ابن الإمبراطور خُسْرُو الذي كان يسعى لإزاحة والده عن السلطة. كان أَرْجُون يُظهِرُ عداءً شديدًا للمسلمين والهندوس، ولذلك ذكر العديد من الكُتَّاب أن أفعاله كانت سببًا في تحوُّل السيخ من جماعة مُسَالِمَة إلى طائفة مُحاربة ومُتَطَرِّفة [أصول الفِرَق والأديان، ص ١١٢].

المعلم السادس: اختار أَرْجُون ابنه هَارْكُوبِنْد ليخلفه، مُخالفًا بذلك تقاليد أسلافه في الاختيار [انظر: السيخ في الهند، ص ٤٧]. لقد أيقظت نهاية أبيه المُفجعة في قلبه وقلوب أتباعه رغبة الانتقام من السلطة المغولية، فاتخذ لنفسه لقب "ساجا باد شاه"، أي الملك الحَقّ. وقام بتجنيد الساخطين والمُعادين للسلطة المغولية، مُرتكبًا أعمال نَهْب وسَلْب في السهول. عندما وصل خبره إلى الإمبراطور جَهَانكِير، استدعاه الإمبراطور وحاول استمالته، ثم قام باعتقاله قبل أن يُطلق سراحه. لكن هَارْكُوبِنْد عاد لسلوكه السابق. خَلَفَ جَهَانكِير "جَهَان شَاه"، ودارت معارك عدة بينهما. في نهاية المطاف، خَشِيَ المعلم على حياته، فلجأ إلى الجبال واعتصم بها حتى توفي سنة ١٦٤٥م [انظر: السيخ عقائدهم وتاريخهم، ص ٢٣].

المعلم السابع: هَار رَاي. بعد وفاة المعلم السادس، تولى حفيدُه هَار رَاي قيادة الطائفة. كان فيلسوفًا ومُفكِّرًا يميل إلى التوحيد بين المسلمين والهندوس، وقد عبَّر عن أفكاره في كتابه مَجْمَع البحرين، الذي حاول فيه المزاوجة بين الفيدانتا الهندوكية والصوفية الإسلامية. توفي سنة ١٦٦١م، ودُفِنَ في قرية كِيرَاتْ بُور صَاحِب [أصول الفِرَق والأديان، ص ١١٤]

المعلم الثامن: هَار كِيشَان. هو ابن المعلم السابع، وقد نازعه شقيقه الأكبر على الزعامة، مما استدعى استدعاءه إلى دلهي لحل الخلاف بينهما. توفي هناك سنة ١٦٦٤م، وكان قد وُلِدَ سنة ١٦٥٦م، واستمرت رئاسته للسيخ ثماني سنوات [انظر: السيخ في الهند، ص ٤٨]، لَمْ تشهد فترة زعامة المعلم السابع والثامن للطائفة السيخية الكثير من التغييرات أو الإنجازات ذات الأهمية التاريخية البارزة [انظر: معتقدات آسيوية، ص ٢٤٠.] .

المعلم التاسع: هو تِيغ بَهَادُور. من الوقائع المشهورة عنه أنه استُدعي من قِبَل إمبراطور المغول الحاكم في تلك الآونة، وعند وصوله إليه، خَيَّرَه الإمبراطور بين إشهار إسلامه أو الموت. يُحكى أنه قال للإمبراطور إنه قادر على إظهار مُعجزة تحول دون قطع أي سيف لرقبته. وقيل إنه كتب ورقة صغيرة وطَوَاها حول عنقه، وعندما قُطِعَت رقبته، فُتِحَت الورقة التي كُتِبَ فيها: "لقد سلَّمْتُكم رأسي ولم أُسلِّمْكم أسراري"، وقد حدث ذلك سنة ١٦٧٥م [انظر: السيخ في الهند، ص ٤٨ بمرجعه. وانظر: السيخ عقائدهم وتاريخهم، ص ٢٦].

المعلم العاشر: هو غُوبِنْد سِنْغ. تولى الإمامة وعمره تسع سنوات. تعلَّم فنون الحرب وبدأ بتنظيم مُحاربين سيخ في مدينة أَنَانْدْبُور، الواقعة على سفوح جبال الهملايا. أدرك أن تحويل السيخ من طائفة مُسَالِمَة إلى محاربين أشداء يتطلب جهدًا كبيرًا، فبدأ بتعليمهم أن السيف هو الخيار الأخير للحصول على الحق إذا أخفقت كل الوسائل الأخرى [ اليهودية والمسيحية وأديان الهند، ص ٦٩٩. فصول في أديان الهند، ص ١٩١]. وفي عام ١٦٩٩م، جمع المعلم العاشر أعوانه في مدينة أَنَانْدْبُور، واختار منهم خمسة أتباع سُمُّوا الأحبة الخمسة، ليكونوا النواة لحركة المحاربين التي أسماها خَالْصَة (Khalsa) أي الأتقياء. وأطلق على الرجال المنضمين لهذه الجماعة اسم سِنْغ أي الأسد، وعلى النساء اسم كَوْر. أما السيخ الذين انضموا إلى الخالصة بالتطهُّر ثم هجروا طقوسها، فتُطلِق عليهم الجماعة اسم باتِت (Patit) أي الساقطين. ويُسمَّى الذين لم يتطهروا إطلاقًا، بالرغم من إعلانهم اتباع المعلم، بـ السيخ بُطْء التبني. ألزمهم بعهد يحافظون فيه على الخمس المسائل، وطلب منهم الالتزام بأربعة ضوابط أساسية:

  • عدم قص أي شَعْر في أجسامهم.
  • الامتناع عن تناول أي لحم ذُبِحَ بالطريقة الإسلامية، وهو ما يُعرف بـ حلال في الهند.
  • الامتناع عن التدخين أو عَلْكِ التبغ، والابتعاد عن شُرب الكحول.
  • ضبط الشهوات الجنسية وتحريم هَتْك الأعراض أو أي اعتداء جنسي.

وبعد إبرام هذا العهد والاحتفال، أعلن الستة شِعارًا جديدًا: "الخالصة هو اختيار الإله، ونصرهم هو نصر الله"، هذه الجماعة هي نظام من الإخوة يدمج الواجبات الدينية والعسكرية والاجتماعية في إطار واحد، وأصبحت مركزًا لتطلعات ومُثُل الطائفة التي نمت وتطورت خلال ذلك القرن [انظر: المعتقدات الدينية لدى الشعوب، ص ١٦٩-١٧٠]. بعد تأسيس الخالصة، أعلن المعلم العاشر انتهاء فترة المعلمين البشريين التي لم يشغلها سوى عشرة أشخاص. ولم تُضَمَّن أقوال المعلم العاشر في كتاب "كَرَنْث صَاحِب" المُتَعَارَف عليه، بل جمعها في كتاب آخر أسماه كتاب المعلم العاشر [انظر: السيخ عقائدهم وتاريخهم، ص ٢٧].

تجدر الإشارة إلى أن جميع أتباع الطائفة السيخية لم يكونوا متفقين مع آراء المعلم العاشر المُتطرِّفة التي اعتمدت على الحرب والقتال، بل فضل الكثير منهم البقاء على آراء المعلم الأول الداعية إلى السِلم وتجنب الصراع. بالرغم من ذلك، استمر المعلم العاشر في آرائه وإعداد مجموعات مُقاتلة من أتباعه، وخاض حروبًا عديدة، مما اضطره للهروب أكثر من مرة، وقُتِلَ أولاده الأربعة في أوقات متفرقة. استقر به الحال في النهاية في دِيكان بصحبة الإمبراطور بَهَادُور شَاه، وفي مدينة نَانْدِيد، قُتل المعلم العاشر سنة ١٧٠٨م، بعد أن رسَّخَ في نفوس أتباع العقيدة السيخية أن الموت في ساحة المعركة هو أسمى هدف [السيخ في الهند: ص٥٥].


نهاية عصر المعلمين الانتقال إلى المعلم الأبدي

وإكمالًا لما سبق، فإنه بعد رحيل المعلم العاشر، الغورو غُوبِنْد سِنْغ (١٦٦٦-١٧٠٨م)، انتقلت روح الغورو الخالدة لتستقر في الكتاب المقدس للسيخية، وهو غورو غَرَنْث صَاحِب المُلقَّب بـ "الغَرَنْث كَمُعَلِّم"، والمعروف أيضًا باسم آدِي غَرَنْث ("المجلد الأول")، والذي اعتُبِرَ لاحقًا المعلم الأوحد للطائفة [السيخ في الهند: ص٢٠].

وفي مطلع القرن الحادي والعشرين، كان التعداد التقريبي للسيخ يبلغ حوالي ٢٥ مليون شخص حول العالم، ويعيش العدد الأكبر منهم في ولاية البنجاب الهندية.

موقف الإسلام من سيرة المعلمين وعقائد السيخية

يتناول هذا الجزء سيرة المعلم الأول (نانَك) ورحلته التأسيسية، وتطور العقيدة السيخية عبر المعلمين العشرة، وتحول الطائفة من مجموعة مسالمة إلى قوة عسكرية وسياسية، كان نانَك صاحب نشأة هندوسية ورفض طقوسها (مثل الزُنّار)، ثم اتصل بالمسلمين وتأثر بالإسلام والصوفية، ثم أسس نِحْلَتَه (السيخية) التي هدفت إلى التقريب بين الهندوس والمسلمين، مع الإيمان بـ الله الواحد الأحد، ورفض الآلهة الهندوسية ونظام الطبقات، لكنه أقر بعقيدة التناسخ.

  • نقاط التوافق والافتراق:

التوحيد الخالص: يتفق الإسلام تمامًا مع الدعوة إلى الله الواحد الأحد والكُفر بالآلهة الهندوسية جميعًا، وهذا هو الأصل الأساسي في الإسلام.

محاربة الوثنية والخرافات: تتفق جهود نانَك في محاربة الوثنية (كعبادة الشمس في نهر الكانج) مع جوهر رسالة الإسلام الذي جاء لإنهاء الوثنية.

المساواة الاجتماعية: يتفق الإسلام مع رفض نانَك لـ نظام الطبقات الهندوسي؛ حيث إن الإسلام يقوم على المساواة بين البشر، والتفاضل فقط بالتقوى والعمل الصالح.

  • نقاط الافتراق الجوهرية:

عقيدة التناسخ: يرفض الإسلام عقيدة التناسخ رفضًا قاطعًا، ويؤكد أن الروح تنتقل إلى عالم البرزخ ثم إلى القيامة، ولا تحل في جسد آخر.

التقريب بين الأديان: الإسلام دينٌ شاملٌ كاملٌ، ويؤمن بضرورة اتباع شريعته المنزلة من الله، ولا يقر بمبدأ "التقريب" بين العقائد الأساسية المختلفة (كالتوحيد المطلق ورفض التناسخ) وبين الأديان الأخرى، بل يدعو إلى الدخول في الإسلام. قال تعالى: {وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ} [آل عمران: ٨٥].

o المآل بعد الموت: الخلاف حول دفن نانَك أو حرقه يوضح الاختلاف الجوهري بين حكم الإسلام (الدفن) وبين تقاليد الهندوس والسيخ المتأخرين (الحرق)؛ مما يدل على أن الإسلام لم يكن يُقر هذه النِحلة كجزء منه.

o المرجعية الدينية: المرجعية الدينية في الإسلام هي الوحي الإلهي (القرآن الكريم والسنة النبوية).

النبوة والرسالة: يؤمن الإسلام بالنبوة والرسالة، وأنها مختومة برسول الله سيدنا محمد  -صلى الله عليه وسلم- قال: «لَا نَبِيَّ بَعْدِي».

مكانة البشر: يتفق الإسلام مع أن المعلمين العشرة أفراد عاديون، لكنه يرفض أن يكون هناك معلم بشري موحى إليه يشرع دينًا بعد ختم النبوة، فكل إنسان بعد الأنبياء قد يُخطئ.

الجهاد: الإسلام يقر مبدأ الجهاد (القتال) ولكنه يضع له ضوابط وأهدافًا شرعية (كالدفاع عن النفس والدين ونصرة المظلومين)، فإقرار المعلم العاشر بأن السيف هو الخيار الأخير للحصول على الحق يتفق مبدئيًّا مع شروط الجهاد الدفاعي في الإسلام، لكن قتال السيخ للسلطة الإسلامية (المغول) هو عمل سياسي وعسكري يتعلق بالصراع على السلطة، ولا يمثل صراعًا دينيًّا يخص المسلمين كأتباع للعقيدة.

الامتناع عن الذبح الإسلامي: إلزام المعلم العاشر أتباعه "الامتناع عن تناول أي لحم ذُبِحَ بالطريقة الإسلامية" (الحلال) يُعد تباعدًا صريحًا عن الشريعة الإسلامية، التي تُلزم بالذبح الشرعي الحلال.

قدسية الكتاب: يؤمن الإسلام بقدسية الكتب السماوية المنزلة من عند الله (كالقرآن الكريم)، لكنه لا يقر بـ "استقرار الروح الخالدة" في الكتاب ليصبح هو المعلم الأبدي أو (الجورو) في حد ذاته.

o المرجعية الدائمة: المرجعية الدائمة في الإسلام هي القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وهي مصادر تشريعية ثابتة، وليست كيانًا حيًّا يحمل صفة "المعلم الروحي".

الخلاصة

تأسست الديانة السيخية على يد نانَك بن مِهتا كالو (م ١٤٦٩م)، الذي نشأ هندوسيًا ولكنه مال إلى الزهد والتوحيد، رافضًا الطقوس مثل لُبس الزُنّار. أظهر نانَك نُبلًا مبكرًا بإنفاق أموال التجارة على الفقراء، ثم عُرِفَ كساقي غلال أمين في سُلطان بور لودهي. لاحقًا، جاب نانَك الهند بصحبة صديقه المسلم مَرْدانَا، مُحاربًا الوثنية ونظام الطبقات، ومُؤصِّلًا لعقيدة التوحيد والكُفران بآلهة الهندوس. وضع نانَك أُسُس نِحْلَتِهِ الجديدة التي سَمَّاها السيخ (التلميذ)، مسجلًا تعاليمه الصوفية في كتاب "كَرَنْث صَاحِب"، وهدف لتقريب المسلمين والهندوس قبل أن تتطور لاحقًا لتشكل دينًا مستقلًا.

موضوعات ذات صلة

السيخية، كديانة نشأت في البنجاب، انتقلت من الفلسفة الروحية للمؤسس نانَك إلى العسكرة على يد الغورو جوبيند سينغ بتأسيس الخالصة.

يتكون المجتمع السيخي من طوائف متعددة مثل النيرانكاريين والنام داريس ودارما السيخ.

الـ جَبْ جِي هو أساس العقيدة السيخية، ويُرَسِّخُ وحدانية الله وضرورة ذكره.

موضوعات مختارة