بمجرد وصوله، عرض زرادشت على الملك
كُشْتَاسْب كتاب الابْتِسَاق، والابتساق هو الاسم العربي لكلمة أفستا Avesta، والكلمة فيما يبدو
مجهولة الأصل لا يُعرَف لها حقيقة ولا اشتقاق، وأغلب الظن أنها مأخوذة من الأصل الآري
فيد، أو بيذ بمعنى المعرفة أو العلم لما ليس بمعلوم، ويؤيد ذلك ما في الكتاب من
العلوم والأخبار الماضية والكائنة فيما بعد، ولم يكن للناس معرفة بها، ولم تُكشَف
لهم إلا بمبعث زرادشت. لم يبق من الابتساق الموحى به الزرادشتي إلا الـ Gatha الكاثا الذي يُعد اليوم من
أقدم وأقدس أسفاره، وله زيادة على ذلك مكانة خاصة عند المجوس، إذ يعتبرونه من كلام
زرادشت وبلغته الأصلية، ولكن الأبحاث الحديثة أثبتت استحالة صلته بزرادشت مثله في
ذلك مثل سائر أسفار الابتساق. كل ما يتميز به عن غيره هو قِدم نصوصه، بل هو من
أقدم النصوص الزرادشتية، ولأجل ذلك تُرَتَّل آياته في احتفالات المجوس الخاصة
وفقًا لطقوس معينة. أما الأسفار الباقية فقد انقرضت ولم يبقَ منها شيء. والابتساق
الموجود اليوم لا يوجد فيه إلا سفر واحد كامل من الأسفار التي تم جمعها وتدوينها
وترجمتها في العصر الساساني هو سفر الفنديداد، الذي بقي إلى حد كبير سليمًا منذ
تدوينه. والابتساق المتداول في وقتنا الحاضر بين أيدي المجوس في الهند وإيران، هو
جزء ناقص من النسخة التي جُمعَت أيام الساسانيين، وهو الجزء الوحيد الذي حمله معهم
الفرس الزرادشتيون في هجرتهم الأولى بعد الفتح الإسلامي إلى الهند. ومحتويات
الكتاب قُسِّمت من الناحية الموضوعية إلى خمسة أقسام هي:
●
الفنديداد Vendidad: ومعنى
الفنديداد الشريعة المضادة للشياطين. وهو السفر الوحيد الذي وصلنا تامًا من أصل
واحد وعشرين نَسْكًا كتابًا، ويحتوي على بيان الشرائع الخاصة بالزواج ونظم الأسرة
والحياة والموت والمشكلات الاجتماعية والنجاسة، وقواعد الطهارة وغسل الموتى،
وتطهير الملابس والصحة والمرض والقَسَم وحفظ العهود وغيرها. ومن نصوص الفنديداد
تتألف الشريعة والقوانين الأخلاقية ونظم الحياة الاجتماعية والاقتصادية للمجوس في
الهند وإيران.
●
الفسبرد Vispered: وهو يشتمل
على أدعية وترتيلات لمناسبات الحياة المختلفة في الأعياد، وفي مواسم السنة، ولا
يُعد الفسبرد قسمًا مُستقِلًا بنفسه، وإنما هو مُكَمِّل لما في اليسنا.
●
اليسنا Yasna: ومعنى اليسنا
العبادة والتسبيح، أو العبادة والحمد والصلاة. وهو عبارة عن أدعية وصلوات على شكل
مقطوعات منظومة وموزونة، يتجه بها الزرادشتي إلى الله تعالى وإلى الملائكة. ومن
بين فصول اليسنا مقطوعات موزونة هي التي تُعرَف بالـ Gatha الكاثا، أقدم
أجزاء الابتساق وأكثرها قداسة لدى المجوس.
●
اليَشْتا Yasht أو
اليَشْتَات: ومعنى كلمة يشت عند
الإسلاميين قديمًا هو العبادة والزَمْزَمَة على الطعام والتسبيح. أما اليوم
فاليشتا هي عبارة عن تراتيل وتَرَانِيم منظومة ومقسَّمة إلى أبيات في صورة
ابتهالات للملائكة التي تسيطر على جميع الظواهر الكونية والقوى الإنسانية، وفيها
حمد وثناء مُوَجَّه إلى كل مَلَك من ملائكة الله على حِدة.
●
خوردة أفستا Khorda Avesta: أي الابتساق الصغير، وقد
دُوِّن في زمن شابور الثاني ٣١٠-٣٧٩م، وهو جامع الشريعة الزرادشتية، ويتضمن أدعية
وصلوات خاصة بكل وقت في اليوم، أو الأيام المباركة من الشهر، والأعياد الدينية في
العام، وأوقات الصحة والمرض، ويشتمل أيضًا على أحكام العبادات والزواج والطلاق
وغيرها.[Avesta
"The Religious Books of the Parsees", p. ٦، قصة الحضارة، ج ٣، ول ديورانت، ص ٤٤٠، و الأسفار المقدسة، عبد
الواحد وافي، ص ١٤٠، و ١٤٢، و A history of Persia, vol. ١ Sykes, p. ١٣٥]، ملخصًا
رسالته في جوهرها: "إني
رسول الله إليك، وقد طلب منك رب العزة أن تقبل دينه وتعمل به، ولا يجمل بك أن تكون
بغير دين، ولا مُلكك من غير شريعة ربانية".
ورغم إعجاب الملك
بالرسالة، إلا أن خوف أصحاب المصالح من البلاط أدّى إلى حياكة المؤامرات ضده،
انتهت بالزج به في السجن مغضوبًا عليه.
المعجزة الكبرى وكسر القيد: ففي أثناء
سجن زرادشت، أصيب جواد الملك الأسود المُحبب إليه بمرضٍ غريب، حيث تقلصت قوائمه،
وعجز أطباء وحكماء البلاط عن علاجه، سمع زرادشت بالواقعة، فأرسل يُخبر الملك
بقدرته على الشفاء مشترطًا الإذعان لكلمة الحق والإيمان بما جاء به من عند الله [زرادشت الحكيم، حامد عبد القادر،
ص. ٥٢]، وافق الملك فاتجه زرادشت بالدعاء، فأجابه ربه، وخرجت قوائم الجواد
وعاد إلى حالته الطبيعية.
البُرهان والاصطفاء الملائكي: أذعن الملك لقوة
هذه الآية الربانية، ولكنه طلب بُرهانًا آخر على نبوءة زرادشت [تجديد
التاريخ، عمر فروخ، ص ٥٣]، وعندئذٍ، ظهرت
المعجزة الكبرى بمرأى من الجميع: نفرٌ من الملائكة على هيئة فرسان يلبسون الثياب
الخُضْر، وتحدثت ألسنة النيران تخاطب الملك مُبشِّرةً إياه بدوام المُلك وبقاء
دولته قوية عزيزة ما دام مُستمسكًا بدين الله، ومُحذِّرةً من أن ضلاله سيُؤذن
بزوال ملكه.
آمن الملك بالله وبـ زرادشت رسولًا
ونبيًا، وتبعته زوجته وحاشيته وعلى رأسهم أخوه إسفنديار ووزيره فراسسترا
والحكيم جامسب.
وبمجرد
انتشار الخبر، سارع الرعايا إلى اعتناق الدين الجديد تأَسِّيًا واقتداءً بملكهم.
[الملل والنحل، ج ١، الشهرستاني، ص ٢٤١].