Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

زرادشت: مراحل النبوءة وتأسيس الدولة الدينية

الكاتب

هيئة التحرير

زرادشت: مراحل النبوءة وتأسيس الدولة الدينية

تلقى زرادشت الوحي عبر المخاطبات السبع على مدى عشر سنوات، وفي سن الـ ٤٢، تحوّل جهاده بدعوة الملك كُشْتَاسْب الذي آمن بعد مُعجزة شفاء جواده والاصطفاء الملائكي، مما أدى إلى اعتماد الابْتِسَاق دينًا رسميًا للدولة.

زرادشت والمخاطبات السبع واكتمال الرسالة

لقد تميزت فترة تلقي زرادشت للوحي بنمطٍ مُتدرِّجٍ ومُحكَم، حيث نزل عليه الوحي سبع مرات، وهي ما عُرفت في المصادر الإسلامية بـ المخاطبات السبع  [History of Zoroastrianism Dhalla, p. ٢١.]، وفي المصادر الحديثة بـ الرؤى السبع  [ Avesta vol. ٢ Yasna, p. ٨٣ .]. تتابعت في هذه المخاطبات علوم ومعارف الدين، من الفرائض والسُنن إلى تفصيلات العقوبات وتقرير أمور يوم القيامة، بما في ذلك نعيم الجنة وعذاب النار. وبلغت الرسالة تمامها واكتمالها بـ المخاطبة الأخيرة، التي انقطع بعدها الوحي.

تلقى زرادشت كل هذه التعاليم المُوحى بها إليه في خلال الأعوام العشرة الأولى من عمر الدعوة، وكان يحملها له ملائكة الله [زرادشت الحكيم، حامد عبد القادر، ص ٥.]. اتسمت حياته خلال هذه الحقبة بجهادٍ مستمرٍ وعملٍ دؤوب؛ إذ كان يطوف فصول الصيف في الجنوب الغربي من إيران مُبشِّرًا بالرسالة، بينما كان يقضي فصول الشتاء في موطنه بين زوجته وأبنائه. وعلى الرغم من الجهود المتواصلة، لم يؤمن به أحد سوى القليل طوال هذه الأعوام العشرة. لم تظهر طلائع الهداية وبشائر قبول الدين إلا في السنة الحادية عشرة، وكان أول المؤمنين هو ابن عمه مِيْتْيُوَمَاه Metyomah)) [ الملل والنحل، ج ١، الشهرستاني، ص ٢٤١]، ورغم أن مِيْتْيُوَمَاه ظل المؤمن الوحيد برسالة زرادشت لعامين تاليين، إلا أن ذلك لم يُضعف إرادته ولا عزيمته في مواصلة جهاده وثباته.

زرادشت والتوجيه الإلهي في سن الثانية والأربعين

اقترن اكتمال الرسالة ببلوغ زرادشت سن الثانية والأربعين. وفي هذه السن، جاء الأمر الإلهي بالمسير إلى الملك كُشْتَاسْب، ملك إيران في عاصمته بَلْخ، ودعوته للدخول في دين الله [ Zoroaster-Jackson, p. Zoroaster-Jackson, p. ٤٨]

إن الحكمة من هذا التوجيه النوعي - بعد حقبة طويلة من الرفض من عامة الناس - تكمن في طبيعة التكليف الإلهي، الذي يتطلب نوعًا خاصًا من الناس يتمتع بـ كمال العقل وقوة الإدراك ليفهم أعماق الرسالة ومقاصدها. لم يكن هذا النوع من الناس في زمان زرادشت متوفرًا إلا في محيط الملك وحاشيته والمتعلمين حوله، فالفرضية هنا هي أن هؤلاء الصفوة إذا آمنوا وحملوا أنفسهم على مقتضى التكليف بشقيه الاعتقادي والسلوكي، فإن عامة الناس سيتبعونهم ويقتدون بهم، إما تعلمًا أو تقليدًا.

زرادشت في البلاط الملكي والتمكين للدين

بمجرد وصوله، عرض زرادشت على الملك كُشْتَاسْب كتاب الابْتِسَاق، والابتساق هو الاسم العربي لكلمة أفستا Avesta، والكلمة فيما يبدو مجهولة الأصل لا يُعرَف لها حقيقة ولا اشتقاق، وأغلب الظن أنها مأخوذة من الأصل الآري فيد، أو بيذ بمعنى المعرفة أو العلم لما ليس بمعلوم، ويؤيد ذلك ما في الكتاب من العلوم والأخبار الماضية والكائنة فيما بعد، ولم يكن للناس معرفة بها، ولم تُكشَف لهم إلا بمبعث زرادشت. لم يبق من الابتساق الموحى به الزرادشتي إلا الـ Gatha  الكاثا الذي يُعد اليوم من أقدم وأقدس أسفاره، وله زيادة على ذلك مكانة خاصة عند المجوس، إذ يعتبرونه من كلام زرادشت وبلغته الأصلية، ولكن الأبحاث الحديثة أثبتت استحالة صلته بزرادشت مثله في ذلك مثل سائر أسفار الابتساق. كل ما يتميز به عن غيره هو قِدم نصوصه، بل هو من أقدم النصوص الزرادشتية، ولأجل ذلك تُرَتَّل آياته في احتفالات المجوس الخاصة وفقًا لطقوس معينة. أما الأسفار الباقية فقد انقرضت ولم يبقَ منها شيء. والابتساق الموجود اليوم لا يوجد فيه إلا سفر واحد كامل من الأسفار التي تم جمعها وتدوينها وترجمتها في العصر الساساني هو سفر الفنديداد، الذي بقي إلى حد كبير سليمًا منذ تدوينه. والابتساق المتداول في وقتنا الحاضر بين أيدي المجوس في الهند وإيران، هو جزء ناقص من النسخة التي جُمعَت أيام الساسانيين، وهو الجزء الوحيد الذي حمله معهم الفرس الزرادشتيون في هجرتهم الأولى بعد الفتح الإسلامي إلى الهند. ومحتويات الكتاب قُسِّمت من الناحية الموضوعية إلى خمسة أقسام هي:

●      الفنديداد Vendidad: ومعنى الفنديداد الشريعة المضادة للشياطين. وهو السفر الوحيد الذي وصلنا تامًا من أصل واحد وعشرين نَسْكًا كتابًا، ويحتوي على بيان الشرائع الخاصة بالزواج ونظم الأسرة والحياة والموت والمشكلات الاجتماعية والنجاسة، وقواعد الطهارة وغسل الموتى، وتطهير الملابس والصحة والمرض والقَسَم وحفظ العهود وغيرها. ومن نصوص الفنديداد تتألف الشريعة والقوانين الأخلاقية ونظم الحياة الاجتماعية والاقتصادية للمجوس في الهند وإيران.

●      الفسبرد Vispered: وهو يشتمل على أدعية وترتيلات لمناسبات الحياة المختلفة في الأعياد، وفي مواسم السنة، ولا يُعد الفسبرد قسمًا مُستقِلًا بنفسه، وإنما هو مُكَمِّل لما في اليسنا.

●      اليسنا Yasna: ومعنى اليسنا العبادة والتسبيح، أو العبادة والحمد والصلاة. وهو عبارة عن أدعية وصلوات على شكل مقطوعات منظومة وموزونة، يتجه بها الزرادشتي إلى الله تعالى وإلى الملائكة. ومن بين فصول اليسنا مقطوعات موزونة هي التي تُعرَف بالـ Gatha  الكاثا، أقدم أجزاء الابتساق وأكثرها قداسة لدى المجوس.

●      اليَشْتا Yasht أو اليَشْتَات: ومعنى كلمة يشت عند الإسلاميين قديمًا هو العبادة والزَمْزَمَة على الطعام والتسبيح. أما اليوم فاليشتا هي عبارة عن تراتيل وتَرَانِيم منظومة ومقسَّمة إلى أبيات في صورة ابتهالات للملائكة التي تسيطر على جميع الظواهر الكونية والقوى الإنسانية، وفيها حمد وثناء مُوَجَّه إلى كل مَلَك من ملائكة الله على حِدة.

●      خوردة أفستا Khorda Avesta: أي الابتساق الصغير، وقد دُوِّن في زمن شابور الثاني ٣١٠-٣٧٩م، وهو جامع الشريعة الزرادشتية، ويتضمن أدعية وصلوات خاصة بكل وقت في اليوم، أو الأيام المباركة من الشهر، والأعياد الدينية في العام، وأوقات الصحة والمرض، ويشتمل أيضًا على أحكام العبادات والزواج والطلاق وغيرها.[Avesta "The Religious Books of the Parsees", p. ٦، قصة الحضارة، ج ٣، ول ديورانت، ص ٤٤٠، و الأسفار المقدسة، عبد الواحد وافي، ص ١٤٠، و ١٤٢، و A history of Persia, vol. ١ Sykes, p. ١٣٥]، ملخصًا رسالته في جوهرها: "إني رسول الله إليك، وقد طلب منك رب العزة أن تقبل دينه وتعمل به، ولا يجمل بك أن تكون بغير دين، ولا مُلكك من غير شريعة ربانية".

ورغم إعجاب الملك بالرسالة، إلا أن خوف أصحاب المصالح من البلاط أدّى إلى حياكة المؤامرات ضده، انتهت بالزج به في السجن مغضوبًا عليه.

المعجزة الكبرى وكسر القيد: ففي أثناء سجن زرادشت، أصيب جواد الملك الأسود المُحبب إليه بمرضٍ غريب، حيث تقلصت قوائمه، وعجز أطباء وحكماء البلاط عن علاجه، سمع زرادشت بالواقعة، فأرسل يُخبر الملك بقدرته على الشفاء مشترطًا الإذعان لكلمة الحق والإيمان بما جاء به من عند الله [زرادشت الحكيم، حامد عبد القادر، ص. ٥٢]، وافق الملك فاتجه زرادشت بالدعاء، فأجابه ربه، وخرجت قوائم الجواد وعاد إلى حالته الطبيعية.

البُرهان والاصطفاء الملائكي: أذعن الملك لقوة هذه الآية الربانية، ولكنه طلب بُرهانًا آخر على نبوءة زرادشت [تجديد التاريخ، عمر فروخ، ص ٥٣]، وعندئذٍ، ظهرت المعجزة الكبرى بمرأى من الجميع: نفرٌ من الملائكة على هيئة فرسان يلبسون الثياب الخُضْر، وتحدثت ألسنة النيران تخاطب الملك مُبشِّرةً إياه بدوام المُلك وبقاء دولته قوية عزيزة ما دام مُستمسكًا بدين الله، ومُحذِّرةً من أن ضلاله سيُؤذن بزوال ملكه.

آمن الملك بالله وبـ زرادشت رسولًا ونبيًا، وتبعته زوجته وحاشيته وعلى رأسهم أخوه إسفنديار ووزيره فراسسترا والحكيم جامسب.

وبمجرد انتشار الخبر، سارع الرعايا إلى اعتناق الدين الجديد تأَسِّيًا واقتداءً بملكهم. [الملل والنحل، ج ١، الشهرستاني، ص ٢٤١].

زرادشت والتمكين المؤسسي للزرادشتية رسميًا

شهدت هذه المرحلة التمكين الحقيقي للديانة الزرادشتية. وقد تحدث كتاب الابْتِسَاق عن دور الملك كُشْتَاسْب في هذا التحول، واصفًا إياه بـ دِعامة شريعة الله أو المساعد الكبير، والرفيق الطيب، والساعد الأيمن، والنصير الطاهر [ Avesta Yasna, vol. ٢ , p. ٨٦-٩٤ ].. وجاء في اليَسْنَا مدحٌ جليل للملك: "لقد كان هذا الملك هو الذي صار لِدِين زرادشت يَدُ الله اليُمنى، لقد كان هذا الملك هو الذي أنقذ الدين من السلاسل والقيود... فرفع من شأنه وجعل له منزلة سامية، ومكانة كبيرة" [ Avesta Yasna, vol. ٢ , p. ١٠١ ].

تم الاعتراف بالدين دينًا رسميًا للدولة، وعُدَّ كتاب الابْتِسَاق وحده المصدر الأساسي للشريعة والتشريع في المجتمع كله. ونهض أولو العلم بعبء التدريس والشرح، ووُكِّلَت مهمة المحافظة على الكتاب من التحريف لـ طائفة من المُتفقهين في الدين، اتخذوا من معبدٍ في مدينة إصطخر مقرًا لهم، ليكونوا حُماة النص والعقيدة. [غرر أخبار ملوك الفرس وسِيَرِهم، الثعالبي، ص ٢٦٢].

نهاية زرادشت وخلافة الرسالة

قضى زرادشت السنوات التالية لاعتراف الدولة بدينه في الطواف والتعليم. ومع تجدد الحروب مع الطورانيين، انقطع للعبادة في المعبد الرئيسي بـ بَلْخ.

اندلعت حرب كبرى بقيادة أرجاسْب، تمكن فيها الطورانيون من احتلال العاصمة. وخلال اندفاع الغزاة، بينما كان زرادشت يصلي في المعبد، اقتحم ثلاثة جنود صومعته. لم يفزع، بل رَحَّب باستشهاده. فقام الطوراني توري براتْرَارِيش بطعنه طعنة مُباغِتَة أودت بحياته فورًا قُتل زرادشت في الأول من شهر مايو سنة ٥٨٣ ق.م، عن عمر قُدِّر بـ سبعة وسبعين عامًا وأربعين يومًا وذلك في السنة الثامنة والأربعين لدعوته.. [ History of Zoroastrianism Dhalla, p. ٥٤٦.]

عند وصول نبأ الاستشهاد إلى الملك كُشْتَاسْب - الذي كان في سِيْسْتَان حزِن وأقسم على نصرة الدين. ثم ولَّى الملك الحكيم جَامَاسْب، حَوَارِيَّ زرادشت والمُتفقِّه في الدين، خلافة القيادة الروحية للبلاد، وفوَّض إليه مسؤولية تفسير وحفظ الابْتِسَاق. [العالم بين يديك، د. جوزيف رعد، ص ٧٧٣].

الموقف العقدي الإسلامي من الزرادشتية

يتفق الإسلام في المنهجية العامة لتلقي الرسالات، حيث يقر بوجود تدرج في الوحي عبر مخاطبات ورؤى (المخاطبات السبع)، وكون الاصطفاء يقترن بـ الإعداد العقلي والعمري (سن الثانية والأربعين)، كما يؤيد الإسلام فكرة أن التمكين للرسالة غالباً ما يتم عبر إيمان ذوي السلطة (الملك كُشْتَاسْب)، إذ ينتقل الدين من الدعوة الفردية إلى التأسيس المؤسسي الذي يشمل الشريعة والتشريع.

لكن الموقف الإسلامي يظل راسخًا في عقيدة الختامية؛ فالإسلام هو الرسالة الأتم والأكمل والناسخة لكل الشرائع السابقة، ولا يُعتبر كتاب الابتساق (الأفستا) مصدرًا للتشريع بعد نزول القرآن الكريم، كما أن سيدنا محمدًا صلى الله عليه وسلم هو خاتم الأنبياء والمرسلين ولا نبي بعده.

ومع ذلك، يؤكد الإسلام على التعايش السلمي والإنساني مع أتباع الديانات الأخرى، ويوجب العدل والإحسان والبر في التعامل، ويرفض الإكراه في الدين، ويدعو إلى الحوار البنّاء لقوله تعالى: {وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ} [النحل: ١٢٥].

الخلاصة

تلقى زرادشت الوحي في "المخاطبات السبع" على مدار عشر سنوات، وتكللت بعثته ببلوغه سن الثانية والأربعين حين أُمر بدعوة الملك كُشْتَاسْب في بَلْخ. ورغم المؤامرات، تم إيمان الملك بعد مُعجزة شفاء جواده والبرهان الملائكي. هذا الإيمان أدى إلى التمكين السياسي للديانة الزرادشتية، حيث أصبح الابْتِسَاق المصدر التشريعي للدولة، ووُصف الملك في اليَسْنَا بـ "يَدُ الله اليُمنى" لدوره في تأسيس الدين.

موضوعات ذات صلة

تحوَّل اسم زرادشت من "زاراثُشترا" إلى "زراسترو" عبر المراحل اللغوية المختلفة.

زرادشت نشأ في قلب آذربيجان الآرية، ليقضي ثلاثين عامًا بين التكوين العلمي ومقاومة فساد عصره.

نشأت البوذية في آسيا نسبةً إلى مؤسسها بوذا، الذي يعني اسمه المستنير أو العالم.

موضوعات مختارة