Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الثنائية في العقيدة الزرادشتية

الكاتب

هيئة التحرير

الثنائية في العقيدة الزرادشتية

الأصل في العقيدة الزرادشتية هو التوحيد الخالص لـ أهُورَا مَزْدَا، لكن اختلاط النصوص ولَّد مفهوم الثنائية المزعومة؛ بينما يؤكد الإسلام على وحدانية الخالق وسيادته المطلقة، داعياً إلى التعايش والإحسان رغم التباين العقدي.

العقيدة الزرادشتية بين نقاء التوحيد ومغالطة الثنائية

التوحيد في مفهومه البسيط والنقي هو إفراد الله تعالى بالأُلوهِيَّة، ولا يفقد التوحيد بساطته ونقاءه إلا عندما يؤسس عليه المُوَحِّد اعتقاده في الله، حينها يتمايز التوحيد الصحيح والخالص عن التوحيد الذي اختلط بمفاهيم غريبة من صُنع المُعتقد، شوّهت بساطة الفكرة ونقاءها؛ ذلك لأن الاعتقاد المُنْبَثِق من التوحيد هو التسليم لله تعالى بالوحدانية، أي بـ الحالة التي هو عليها من حيث هو واحد وأحد ومُتَّوَحِّد.

الوحدة كأصل في الديانة الزرادشتية

الوحدانية بالمعنى السابق هي التي أُسِّس عليها الاعتقاد في الزرادشتية، غير أن أغلب المؤرخين والباحثين في أصول الدين قد أساؤوا فهم الأصل الذي أُسِّس عليه الاعتقاد، ويتمثل سوء فهمهم في نظرتهم إليه في ضوء فكرة الصراع الدائم والحرب الضروس بين قوتين تُجاهد كل منهما للسيطرة على الأخرى لتستقل بالوجود الدائم الأبدي، وهما قوتا النور والظلام، والخير والشر، والحق والباطل، والطُّهْر والدَّنَس، ومِنها انتهوا إلى القول بأن الأصل في الاعتقاد الزرادشتي قائم على الثنائية وليس على التوحيد.

وما كان لهؤلاء طَرْح ما انتهوا إليه بتلك الصورة البعيدة عن الحق لولا أن الزرادشتية التي بين أيديهم قد اختلط فيها الحق بالباطل، فوحّدت بين أُلوهِيَّة الله تعالى وبين قوى النور والخير توحيداً جعل منها قوة واحدة في الفاعلية وفي التأثير، ويصدر عنها كل ما في العالم من خير وطُهر وحق. وفي مقابل ذلك، وحّدت أيضاً بين فكرة الشيطان (أنغرامَيْنِيُوش - أهريمان) وبين قوى الظلام والشر كقوة واحدة مضادَّة ومُناوِثة للقوة الأولى، ويصدر عنها كل ما في العالم من شرور وآثام ومفاسد وويلات. [الأسفار المقدسة، علي عبد الواحد، ص ١٤٤].

وبالضرورة، فإن ذلك التوحيد المُفتعل بين تلك القوى يؤدي إلى تَصَوُّر قوتين مُتوازيتين في السيادة على مظاهر الوجود، ومُتشابهتين في الخلق والإيجاد والإعدام. فكان من الطبيعي إطلاق ذلك الحكم المشهور على فكرة التوحيد في الزرادشتية، وهو أنه مؤسس على مبدأين: النور والظلام، والخير والشر، ومِن ثَمَّ فالاعتقاد كله وما يتفرع عنه من إيمان وتصديق قائم على الثنائية.

أدلة دحض الثنائية في الديانة الزرادشتية

هناك حقيقتان غابتا عن أغلب المؤرخين والباحثين، وتؤيد كل منهما وحدانية الله وتفرده، وتَدحضان في الوقت نفسه تلك الثنائية المزعومة كأساس للاعتقاد، وهما:

١. سيطرة الله تعالى على القوتين المؤثرتين في الوجود، وهما طَوْع إرادته رغم ما بينهما من صراع وحرب، فالقوى الخيرة النافعة، والقوى الشريرة الضارة، تُنفِّذ أوامر الإله، ولا تخرج مُطلقاً عن سلطانه وقهره، وليس لذلك إلا معنى واحد، وهو أن أهُورَا مَزْدَا وحده هو المُؤثِّر في القوتين وبلا مشاركة في التأثير من أحد.

٢. الصراع الدائم بين القوى المُتنازعة سيُحسَم في النهاية بـ النصر والغَلَبة لصالح قوى الخير والنور، وستُدحَر قوى الظلام والشر إلى هاوية لا قرار لها. وقد قُدِّرت مدة الصراع في المصادر الزرادشتية باثني عشر ألف سنة، هي الأجل المضروب للدنيا، يدخل بعدها الخيرون الجنة، ويهوي الأشرار في النار، وينفرد الإله وحده بالبقاء.

فكرة التوحيد إذن فكرة قوية في الدين لا تكاد تخفى على أحد، والثنائية التي خُدِع بها الكثير ليست مُنْبَثِقَة في الأصل من التوحيد، وإنما من فكرة الصراع والتنافس بين قوى مُتوهَّمة. ولعل هذا ما قاد بعض الباحثين إلى التحفُّظ تارة والاستدراك تارة أخرى في أصل الاعتقاد الزرادشتي، فقال جماعة منهم إن الثنائية في الدين نظرية، ومال آخرون إلى تأكيد أن الثنائية هي ثنائية في الظاهر [حكمة الأديان الحية، جوزيف كاير، ص ٢٥٨].

التضاد الوجودي والغاية التكليفية في الديانة الزرادشتية

على أية حال، فالعقيدة الزرادشتية - كما بيّنها زرادشت لقومه - لم تُصرِّح بوجود إلهين اثنين، مُتكافئين في القوة، ومُتصارعين في الوجود، وإنما صرَّحت فقط بوجود إله واحد مُتفرِّد بالخلق والتأثير، لا يُنازعه أحد في مُلكه، ولا شريك له في أُلوهِيَّته. أما وجود قوى كالنور والظلام، والخير والشر، والحق والباطل، مُتضادَّة في أصل خِلقتها، ومُتنازعة في حركتها، ومُمتزجة في الوجود، فهي مبدأ موجودات العالم. [ Avesta Vendidad, vol.١, p, ١٣١].

ومِن امتزاجها وتنازعها خُلق العالم، ولما كان للموجودات معنى عليه. ولو لم تكن هكذا مُمتزجة ومُتصارعة لما كان للعالم بالفعل والحركة، لـ حكمة وغاية رآها، والله هو الذي أوجدها قوى مُستقلة في الوجود، في اختلاطها وفي تركيبها وفي تنازعها.

وبرغم ذلك، فلم يُغفل زرادشت عن أن الوجود الحقيقي هو لـ قوى الخير والنور والحق، أما الظلام والشر وما يماثلهما في الفعل فـ توابع لازمة لهما، وليس لهما وجود حقيقي. وشبَّه تبعية الظلام والشر للنور والخير بالظل للإنسان؛ فعادة ما يُرى الظلام والشر موجوداً وهو ليس بموجود، فخلق الله النور والخير، وخلق تبعاً لهما الظلام والشر، إذ رأى أنه لا قوام للوجود إلا في التضاد، وبالتضاد تنسجم الحركة في الوجود وتتكامل عناصر الحياة. [زرادشت الحكيم، حامد عبد القادر، ص ٨٩].

وإذا كانت الضرورة الحياتية والوجودية قد اقتضت التضاد، فإن الضرورة التكليفية أيضاً قد اقتضت وجوده بالذات لا بالتبع، لتقف بإزائه قوة هائلة أودعها الله تعالى في الإنسان، هي - كما يقول زرادشت- قوة الإرادة الحرة ، والتي جمع الله فيها كل المعاني التي صار بموجبها الإنسان إنساناً، كـ العقل والمعرفة والوعي والشهوة والرويَّة والتمييز والحكم والحاجة والأمل وغيرها، ليكون الإنسان كامل الحرية في الاختيار وفي الحركة، ولتكون كل حركة يتحركها فيها التعبير الحقيقي عن ذاته، وتُنسب إليه نسبة تامة لا يَقْدَح فيها شيء. [الملل والنحل، ج ١، الشهرستاني، ص ١٥١].

وبالإرادة وحدها يكتمل الإنسان المُكلَّف، وبحرية الإرادة في الاختيار تبرز في المُجتمع ذاتية خاصة هي التي اكتسب بها السيادة في الوجود وسمت به تلك المعاني فوق التضاد وفوق الصراع والتنازع؛ إذ أن الغاية التي من أجلها خُلق وكُلِّف الإنسان أجل وأكبر من تقييدها وحصرها - كما تذهب الزرادشتية في مراحل تدهورها وانحرافها - في وقوف الإنسان إلى جانب إحدى القوتين المُتنازعتين، وفي وقوفه إلى جانب إحداهما نزول به من مقام المُكَلَّف الرفيع إلى ما دونه في المقامات، فيتساوى في القَدْر والأهمية مع القوى المقهورة لله تعالى والمُسيَّرة بلا إرادة ولا تمييز [إيران في عهد الساسانيين، كريستنسن، ص ٢٠].

موقف الإسلام من مفهوم الثنائية في العقيدة الزرادشتية

إن الأصول التوحيدية التي تُبْرِزها الزرادشتية تتفق جوهرياً مع مفهوم التوحيد في الإسلام (وحدانية الخالق المطلقة والسيادة الإلهية على الخير والشر). لكن الإسلام يرى أن التسليم لله يتجنب الوقوع في فخ الثنائية المفتعلة التي نتجت عن سوء فهم مصدر الشر، ويُصَحِّح أن الخير والشر كلاهما خلق الله، لكن الشر لا يُحَبُّ ولا يُراد لذاته شرعًا.

وعلى الرغم من التباين العقدي، فإن الإسلام يُرسخ مبادئ التعايش السلمي والإنساني:

١. الاحترام والحقوق: يوجب الإسلام العدل والإحسان والبر في التعامل مع المخالفين في العقيدة، وحفظ حقوقهم وكرامتهم، قال تعالى: {لا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَلَمۡ يُخۡرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ أَن تَبَرُّوهُمۡ وَتُقۡسِطُوٓاْ إِلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ} [الممتحنة: ٨].

٢. لا إكراه في الدين: يُرسخ القرآن مبدأ حرية الاعتقاد، قال تعالى: {لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَيِّۚ} [البقرة: ٢٥٦] 

الحوار والتفاهم: يأمر الإسلام باللجوء إلى الحوار بالتي هي أحسن كوسيلة للتعامل مع الآخرين، مؤكداً أن الاختلاف العقدي لا يُبيح التصادم أو الصراع الحضاري، قال تعالى: {وَلَا تُجَٰدِلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡۖ وَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱلَّذِيٓ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَأُنزِلَ إِلَيۡكُمۡ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمۡ وَٰحِدٞ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ} [العنكبوت: ٤٦].

الخلاصة

التوحيد الخالص هو الأصل الذي بُنيت عليه العقيدة الزرادشتية، إلا أن الثنائية بسبب الظاهر المُتَمثل في الصراع بين قوى النور والظلام (أهُورَا مَزْدَا وأنغرامَيْنِيُوش)، غير أن هاتين القوتين المتصارعتين هما تحت السيطرة المطلقة للإله الواحد، وسينتهي الصراع بانتصار الخير وانفراد الخالق بالبقاء، وتُعتبر الثنائية مجرد فكرة متوهمة نتجت عن التوحيد المُفتعل في مراحل تدهور الدين، وقد خلق الله هذا التضاد لغاية حكيمة، منها إبراز قوة الإرادة الحرة التي تُميز الإنسان وتُعظّم مقام التكليف.

موضوعات ذات صلة

تؤكد الديانة الزرادشتية على التوحيد الخالص لـ أهُورَا مَزْدَا وكماله المطلق.

تحوَّل اسم زرادشت من "زاراثُشترا" إلى "زراسترو" عبر المراحل اللغوية المختلفة.

زرادشت نشأ في قلب آذربيجان الآرية، ليقضي ثلاثين عامًا بين التكوين العلمي ومقاومة فساد عصره، لينتهي به المطاف في عزلة جبل سابلان.

موضوعات مختارة