تُصوِّر العقيدة الزرادشتية الملائكة كأجسام نورانية خالدة ذات عقل ووعي، تتميز بتنوع وظائفها التكليفية بين حمل الوحي وتسجيل الأعمال ورعاية المخلوقات، لكن العقيدة شهدت تدهورًا خلط وظائف الملائكة بصفات الله الذاتية.
تُصوِّر العقيدة الزرادشتية الملائكة كأجسام نورانية خالدة ذات عقل ووعي، تتميز بتنوع وظائفها التكليفية بين حمل الوحي وتسجيل الأعمال ورعاية المخلوقات، لكن العقيدة شهدت تدهورًا خلط وظائف الملائكة بصفات الله الذاتية.
تُصوِّر العقيدة الزرادشتية الملائكة كما في الإسلام على أنهم أجسام نورانية، لا يُرَوْن إلا وهم على هيئة مألوفة، وهم أخيار ذوو حياة وعقل ووعي وحكمة، وخالدون لا يعتريهم فناء، ولا يطرأ عليهم تحول أو تغيير، ولا يأكلون ولا يشربون ولا يتناسلون، وموطنهم السماء في مَعِيَّة الله تعالى. [Avesta Yasna, vol.٢, p. ٤٩, ٥٥, ٥٦, ٥٨, ٨٦].
تنوعت وظائف الملائكة التكليفية؛ فمنهم الذين يتوسطون بين الله وبين الناس، وهؤلاء هم رُسُلُه الذين يحملون وحيه للمصطفين الأخيار من رُسُله، وقد اشتهر منهم: بَهْمَن، واِرْدِ بِيِهِشْت، وإِسْفَنْدَارْمَز، وخُرْدَاد، ومُرْدَاد، وشَهْرَبُور، وجميعهم رآهم زرادشت وعنهم تلقَّى وحي الله وعلوم الدين.
ومنهم الكَتَبَة الحافظون لأعمال العباد، ومهمتهم تَنحصر في تسجيل الأعمال الحَسَنَة كالصلاة وتَقَدُّمَات الأتقياء والزكاة والصدقات، والأعمال السيئة كالسرقة والزنا وغيرها.
ومنهم من يتولى مُراقبة المؤمن، فإذا رأوه مُقْبِلًا على الطاعة زادوه رغبة ومحبة لها، وإذا رأوه مُعْرِضًَا عنها، مُرْتَكِبًا لنواهيه، لامُوه على فِعله وحذروه من الوقوع في المعصية، وحَثُّوه على العودة إلى طاعة أوامر الله تعالى.
ومنهم من أوكل الله إليهم حفظ وحراسة ورعاية مخلوقاته غير المُكَلَّفة، كالحيوانات والنباتات والجمادات والمياه والمعادن والشمس والقمر والنجوم والرياح والسحاب وغيرها [ History of Zoroastrianism Dhalla, p.٣٥٧].
ومنهم الملائكة المُحبّون للإنسان، وهؤلاء تَقتصر وظيفتهم على الاستغفار للعاصين من المؤمنين، وطَلَب العفو لهم من الله، ومنهم الذين يَرْعَوْنَ المؤمنين المُتردِّدين على أماكن العبادة، ويُشاركونهم أيضًا في الصلاة وفي الذكر والدعاء، كما يُشاركونهم في مُناسبات الأعياد، وفي حالات تقديم الزكاة والصدقات [الملل والنحل، ج ١، الشهرستاني، ص ٢٣٩].
ليس للملائكة عدد معروف، فهم كُثُر يُعَدُّون بالمئات والألوف، أما الذين تَكرر ذِكرهم في الابتساق وخُصُّوا بمهام جليلة لم يُكَلِّف الله بها سوادهم، فعَدَدُهم ستة هم: فَاهُو مَانُو، وإِسْتَاوِهِسْتِيَا، وإِسْفَاهِشْتَا، وهُوخَشْتَرَا كِشْتَرَانَايرِيَا، وسِبِيتا أُوهِيْتِي آرْمَايْتِي، وهُوْرْتَات (أهُوْرَانَاتَات)، وأَمِيْرْتَات (أَمِيرْتِيَات).
في مراحل تدهور الدين واختلاطه بالوثنيات والمجوسية القديمة عُدَّت وظائف الملائكة والتي بَيَّنَّا جانبًا منها قبل قليل، مظاهر ومُميزات مُتعددة لله تعالى، يَظْهَر بواسطتها للناس لِيَعْرِفُوه بها، ولأنها مُستقلة عنه في الوجود، فقد أُعطيت لها أسماء الذوات المُنفرِدة بالفعل والحركة، ولكنها في كُل الأحوال ليست شخصيات حقيقية تُشارِك الله في الخلق والتأثير، ومِن ثَمَّ فهي لا تَظْهَر في الوجود إلا بمُقتضياتها، تمامًا مِثل الصفات الإلهية، وعلى هذا، فالحق عز وجل يَظْهَر ذاته العَلِيَّة في ست صفات إلهية عُلوية أسماؤها ومُقتضياتها ورَدَت في التصور المُنحرف للملائكة على النحو التالي:
أَمِيْرْتَات: يَظْهَر فيه الخُلُود الإلهي، أو هو يُمثل أزلية الله وأبديته History of Zoroastrianism Dhalla, p.١٧٣]
في واقع الأمر، فإن ذلك الخلط الشنيع بين مُقتضيات الصفات الإلهية وبين وظائف الملائكة تَدحَضُه وتُكَذِّبه نصوص الابتساق نفسها، والتي نَصَّت على الملائكة بالاسم والصفة، بَلْ مَيَّزَت في تخصيصها لهم بين صِنفين منهم:
١. صنف هم الملائكة المُقَرَّبون من الله: فوَصَفَتْهم بـ مُساعديه السماويين والمُقَدَّسين الخالدين والقوى الخالدة، وهؤلاء أُطلِقَت عليهم اسم اَمْشْ سَبَنْد بمعنى الملائكة الرئيسيين، أي المُقرَّبين. [Avesta Yansa vol.٢, p, ٥١ ]
٢. والصنف الآخر هم ما دُونهم في المرتبة وفي الوظيفة التكليفية: فسُمُّوا بـ يَزَتَا Yazata، وسُمُّوا في المصادر الإسلامية بـ (يَزْتَا)، أي الملائكة الذين خَصَّهم الله بتكاليف غير تلك التي خَصَّ بها المُقَرَّبين. [ Avesta Yansa vol. ٢, p٥٨].
في واقع الأمر، فإن ذلك الخلط الشنيع بين مُقتضيات الصفات الإلهية وبين وظائف الملائكة تَدحَضُه وتُكَذِّبه نصوص الابتساق نفسها، والتي نَصَّت على الملائكة بالاسم والصفة، بَلْ مَيَّزَت في تخصيصها لهم بين صِنفين منهم:
١. صنف هم الملائكة المُقَرَّبون من الله: فوَصَفَتْهم بـ مُساعديه السماويين والمُقَدَّسين الخالدين والقوى الخالدة، وهؤلاء أُطلِقَت عليهم اسم اَمْشْ سَبَنْد بمعنى الملائكة الرئيسيين، أي المُقرَّبين. [Avesta Yansa vol.٢, p, ٥١ ]
٢. والصنف الآخر هم ما دُونهم في المرتبة وفي الوظيفة التكليفية: فسُمُّوا بـ يَزَتَا Yazata، وسُمُّوا في المصادر الإسلامية بـ (يَزْتَا)، أي الملائكة الذين خَصَّهم الله بتكاليف غير تلك التي خَصَّ بها المُقَرَّبين. [ Avesta Yansa vol. ٢, p٥٨].
يتفق الإسلام مع المقال في الأصول العامة لمفهوم الملائكة، حيث يؤكد على أنهم أجسام نورانية، مُكَلَّفون بمهام إلهية محددة (رسل، وكتبة، وحفظة)، وأنهم لا يأكلون ولا يشربون، وأن التدرج في مراتبهم (المقربون وغيرهم) أمر ثابت، هذه النقاط تُعَدّ من المسلَّمات العقدية في الإسلام.
إلا أن الإسلام يرى أن المراحل المتأخرة من العقيدة الزرادشتية قد وقعت في خطأ عقدي جسيم (مخالفة)؛ وهو الخلط بين الملائكة والصفات الإلهية، إذ يرى الإسلام أن صفات الله (كالكمال والخلود) هي ذاتية لله عز وجل ولا يمكن أن تتجسد في ذوات مستقلة كالـ "أَمِيشْ سَبَنْدْ"، فهذا الخلط يمس جوهر التوحيد المطلق.
ومع التأكيد على أن الإسلام هو الدين الخاتم والناسخ لكل ما سبقه، وعلى الرغم من التباين العقدي، فإن الإسلام يُرسخ مبادئ التعايش السلمي والإنساني:
١. الاحترام والحقوق: يوجب الإسلام العدل والإحسان والبر في التعامل مع المخالفين في العقيدة، وحفظ حقوقهم وكرامتهم، قال تعالى: {لا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَلَمۡ يُخۡرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ أَن تَبَرُّوهُمۡ وَتُقۡسِطُوٓاْ إِلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ} [الممتحنة: ٨]
٢. لا إكراه في الدين: يُرسخ القرآن مبدأ حرية الاعتقاد، قال تعالى: {لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَيِّۚ } [البقرة: ٢٥٦].
٣. الحوار والتفاهم: يأمر الإسلام باللجوء إلى الحوار بالتي هي أحسن كوسيلة للتعامل مع الآخرين، مؤكداً أن الاختلاف العقدي لا يُبيح التصادم أو الصراع الحضاري، قال تعالى: {وَلَا تُجَٰدِلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡۖ وَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱلَّذِيٓ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَأُنزِلَ إِلَيۡكُمۡ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمۡ وَٰحِدٞ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ} [العنكبوت: ٤٦].
تَنظُر الزرادشتية إلى الملائكة كأجسام نورانية خالدة مُكَلَّفة، ومُقَسَّمة وظيفيًا بين حَمَلَة الوحي (كـ بَهْمَ)، والكَتَبَة الحافظين للأعمال، ورُعَاة المخلوقات غير المُكَلَّفة، والمُستغفرين للعاصين من المؤمنين، وقد كان أشهرهم ستة من الملائكة الرؤساء، ظهروا لزرادشت حاملين رسالته، ومع تدهور الدين واختلاطه بالوثنيات، حَدَثَ خلط عقدي خطير جَعَلَ من وظائف الملائكة مظاهر وُجودية وصفات إلهية مُستقلة، مثل تَجَلِّي ذات أَهُورَا مَزْدَا في فاهُو مَانُو (الفكر الطيب) وتَجَلِّي الخلود في أَمِيْرْتَات، وعلى الرغم من ذلك التدهور، تظل نصوص الابتساق (الأفستا) تُبقي على التمييز الواضح بين اَمْشْ سَبَنْد (المُقرَّبين) ويَزَتَا (ما دُونهم).
زرادشت نشأ في قلب آذربيجان الآرية، ليقضي ثلاثين عامًا بين التكوين العلمي ومقاومة فساد عصره، لينتهي به المطاف في عزلة جبل سابلان.
تؤكد الديانة الزرادشتية على التوحيد الخالص لـ أهُورَا مَزْدَا وكماله المطلق.
الأصل في العقيدة الزرادشتية هو التوحيد الخالص لـ أهُورَا مَزْدَا، لكن اختلاط النصوص ولَّد مفهوم الثنائية المزعومة.