تُعد الشرائع الطاوية مزيجًا معقدًا بين الفلسفة الروحية والممارسات الشعبية القائمة على السحر والعرافة؛ حيث يبرز "الفينغ شوي" كأداة تطبيقية تهدف لموازنة الطاقة الكونية (تشي) والانسجام مع الطبيعة عبر طقوس تضرب جذورها في اعتقادات كهنوتية قديمة.
تُعد الشرائع الطاوية مزيجًا معقدًا بين الفلسفة الروحية والممارسات الشعبية القائمة على السحر والعرافة؛ حيث يبرز "الفينغ شوي" كأداة تطبيقية تهدف لموازنة الطاقة الكونية (تشي) والانسجام مع الطبيعة عبر طقوس تضرب جذورها في اعتقادات كهنوتية قديمة.
بينما يمثل التصوف والطاقة الجانب الروحي الرفيع للطاوية، فإن السحر والفينغ شوي يمثلان جانبها الشعبي والعملي المباشر، الذي يلامس حاجات الناس اليومية مثل: الصحة، وطول العمر، والحظ، والنجاح، فالسحر من التراث الصيني التقليدي القديم، ولهذا صار الطاويون يوصون به إيمانًا منهم بتأثير هذه الطقوس على إطالة العمر، أما الفينغ شوي، فهو فن صيني قديم... يحدد الأماكن الـمَيمونة للمباني وفقًا لقوى الطبيعة [انظر: هينليس، جون: معجم الأديان، (ص ٢٤١)]، فكلا الممارستين ترتكز على الرجم بالغيب، وعلى التمسك باعتقاد الخوارق الطبيعية والطاقة العليا [انظر: طومسون: السحر طقوسه وأسراره، (ص ٩٧-٩٨)]، وهكذا تتحول الفلسفة المعقدة إلى وصفات سحرية وتصميمات ديكور، بزعم أنها تحقق ما عجزت عنه الفلسفة وحدها.
بدأ السحر الطاوي بشكل فردي ثم أصبح مؤسسيًا، ففي أول الأمر بدأ الطاويون بتأسيس مذاهب خاصة يمارس أتباعها طقوسهم السحرية بشكل انفرادي، ثم أخذت بعدها شكلًا جماعيًا؛ حيث يجتمع أتباعهم بشكل حلقات يشرحون فيها قوة اليوغا والسحر واستعمال الإبر السحرية وغيرها من الأساليب في إطالة العمر، وارتبطت بمؤسس فرقة طاوو وتومي المسمى تشانغ طاو لينغ، الذي يؤمن أتباعه بخلود مؤسسيها وصعودهم إلى السماء، وتطور الأمر ليصبح هناك سحرة عرافين، والـمُشعوذين الذين يدعون ممارسة طرد الأرواح، ويستخدمون السحر بزعمهم لمعالجة الأمراض، ودفع الشرور عن الناس، بهدف تسخير الطاقة الكونية العليا لخدمة الإنسان [انظر: سميث: أديان العالم، (ص ٣١٥)]، وكان من أدواتهم الاعتقاد في خصائص نباتية خارقة كاستخدام الصفصاف كتعويذة للمطر أو عصا الخوخ في تحضير الأرواح.
كلمة فينغ شوي مركبة من فينغ (الريح/ الهواء) وشوي (الماء) [انظر: السيد: الاستشفاء بالطاقة الحيوية والريكي والفونغ شوي، (ص ٩٣)]، في إشارة إلى موازنة القوى، ويُعرّف بأنه: فن يهدف إلى ترتيب المساكن وفق نظام معين تُحدد فيه أماكن وجود الطاقة، وتسمح للطاقة (تشي) الإيجابية بالتدفق في المكان... بهدف تحسين ورفع مستوى الطاقة الكونية فيه؛ ليعيش الإنسان بطريقة منسجمة مع الطبيعة [السيد: الاستشفاء بالطاقة الحيوية الريكي والفينغ شوي، (ص ٩٣)].
أما جذوره فخرافية بوضوح: فارتبط الـ (فونغ شوي) منذ بداياته المبكرة بالكهانة والاعتقادات الخرافية، حيث ابتدأ كطريقة بدائية يسيرة لضرب الرمل تُحدد بناءً عليها أماكن واتجاهات القبور [Julia Ching: Chinese religion, p. ٢٠٩] فهو منبعث من العرافة والتنجيم.
لا يستقيم الفينغ شوي دون العقائد الطاوية الأربع الرئيسة:
١- الطاو: حيث يعد فينغ شوي أحد الطرق الـمُوصلة للتناغم مع طريق الطبيعة الـ (طاو) ومن ثم الاتحاد به [انظر: الرشيد: التطبيقات المعاصرة لفلسفة الاستشفاء الشرقية، (ص ٣٥٢)].
٢- الطاقة الكونية (تشي): وهي من العناصر الأساسية التي ترتكز عليها فلسفة (الفينغ شوي)، والهدف هو موازنتها وإدخال الإيجابية (تشنغ تشي) وإخراج السلبية [انظر: السيد: الوجوه الأربعة للطاقة، (ص ٩٠)].
٣- الين واليانغ: تصنف جميع مكونات البيئة الخاصة وفقًا لهذه الفلسفة، ومن ثم يكون التصميم... على وجه يراعي توازن الـ (ين) والـ (يانغ) في المحيط الشخصي والانسجام مع الكون لجلب الحظ الحسن [انظر: السيد: الوجوه الأربعة للطاقة، (ص ٦١-٦٦)].
٤- العناصر الخمسة: وهي (الماء والتراب، والنار، والهواء، والمعدن)، يرتبط كل عنصر... بأشكال وألوان معينة، وتحصل المشاكل والأمراض عند اختلال التوازن بين العناصر [انظر: الرشيد: التطبيقات المعاصرة لفلسفة الاستشفاء الشرقية، (ص ٣٥٥)].
يعمل ممارسو الفينغ شوي على تصنيف دقيق للطاقات في المكان إلى ثلاثة أنواع:
أكثر تعليمات الـ (فينغ شوي) مبنية على خرافات واعتقادات باطلة، فالـ (فونغ شوي) يجمع بين عناصر مختلفة منها: الفلسفة، الكهانة، التنجيم، التصميم الداخلي والخارجي، والمنطق [انظر: الرشيد: التطبيقات المعاصرة لفلسفة الاستشفاء الشرقية، (ص ٣٥١)]، ومع ذلك، نجح في الانتشار العالمي كـ فن تنظيم المساحات أو علم تحسين الطاقة، متخفيًا وراء شعارات الجمال والانسجام، ومتجاهلًا جذوره العرافية وعقيدته الوثنية، لقد تحول من طقوس تحديد القبور إلى نصائح ديكور لربات المنازل ورواد الأعمال على حد سواء.
يقرر الإسلام حكمًا واضحًا وحاسمًا على هذه الممارسات:
أولًا: تحريم السحر بجميع أنواعه: فالسحر محرم في الشريعة الإسلامية سواء كان لنفع أو ضر، قال تعالى: {وَلَٰكِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحۡرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلۡمَلَكَيۡنِ بِبَابِلَ هَٰرُوتَ وَمَٰرُوتَۚ } [البقرة: ١٠٢]، واستخدامه لإطالة العمر أو العلاج لا يخرجه من حقيقته الكفرية.
ثانيًا: تحريم العرافة والكهانة والطيرة: الفينغ شوي في أصله عرافة (تحديد الميمون من المكان)، والعرافة من أعمال الكفر؛ لأنها ادعاء لعلم الغيب عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أربعين ليلة» [صحيح مسلم:٢٢٣٠].
ثالثًا: تحريم التسبب بتسخير الجن: كثير من هذه الممارسات (كاستدعاء الأرواح، تحضير الجن) هي في الحقيقة تعامل مع الجن الكفرة، وهو محرم ويوقع في الشرك.
رابعًا: التوكل على الله ضد التطير: الإسلام يأمر بالتوكل على الله والأخذ بالأسباب المشروعة، وينهى عن الطِّيَرة (التشاؤم) بالأماكن أو الألوان أو الاتجاهات، الاعتقاد أن اتجاه الباب أو لون الجدار يجلب الرزق أو يدفعه هو شرك في التوكل وتشاؤم محرم.
خامسًا: تنقية المباح من الخرافة: يجوز للإنسان أن يرتب بيته بشكل جميل ومريح، ولكن يجب أن ينقي نيته وفعله من أي اعتقاد خرافي بأن هذا الترتيب سيجلب الحظ أو يدفع الضر، فالجمال والترتيب مطلوبان لذاتهما وللراحة النفسية الحقيقية، لا كطقوس سحرية.
سادسًا: التحذير من الخداع المعاصر: يحذر الإسلام من انخداع المسلمين بهذه الممارسات عندما تقدم في قالب فن الديكور أو علم الطاقة، والواجب كشف حقيقتها العقدية الباطلة، وأنها أعمال منافية للإسلام.
يكشف السحر والفينغ شوي عن الوجه العميق للطاوية كديانة وثنية شاملة، تتدخل في كل تفاصيل الحياة عبر طقوس سحرية وخرافات عرافية، فمن ادعاء التحكم في العمر عبر السحر، إلى ادعاء التحكم في الحظ عبر ترتيب الأثاث، وتمارس الطاوية نوعًا من الديكتاتورية الروحية على أتباعها، وعدوًا من الأوهام، فالانتشار الحديث للفينغ شوي يمثل انتصارًا للتسويق الذكي على العقل، حيث تُباع الخرافة كرفاهية وحكمة قديمة، أما في نظر الإسلام، فهذه الممارسات ليست مجرد جهل، بل هي ضرب من الكبائر الموبقات (إن لم تصل إلى درجة عبادة غير الله) الذي يخرج صاحبه من الإسلام، فالسعادة والرزق والصحة بيد الله تعالى وحده، والوسيلة الحقيقية لتحصيلها هي الإيمان والتقوى، والأخذ بالأسباب المشروعة، مع اليقين بأن النتائج بيد مسبب الأسباب.
تمثل الطاوية إحدى أعرق الفلسفات والديانات الوضعية في التاريخ الصيني، التي تشكلت عبر مراحل زمنية مطولة.
تحتل الطاقة الكونية (تشي) مكانة مركزية في الشرائع الطاوية، فهي الـواحد المتولد عن الطاو، وأصل كل مظاهر الحياة.
يعتبر التصوف في الديانة الطاوية الوسيلة المعرفية العليا لبلوغ الحقائق المطلقة.