Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

كهانة إيفا (Ifá) عند قبائل اليوروبا وأثرها في تشكيل الوعي الاجتماعي

الكاتب

هيئة التحرير

كهانة إيفا (Ifá) عند قبائل اليوروبا وأثرها في تشكيل الوعي الاجتماعي

نظام إيفا العرافي عند شعب اليوروبا، له فلسفته في تفسير الغيب والتنبؤ، كما له تأثيره في تشكيل الوعي الاجتماعي.

الأسس الفلسفية والمنطلقات العقدية لنظام إيفا

تنبني فلسفة نظام إيفا العرافي على تصوّر كوني معقّد يزعم إمكانية النفاذ إلى عالم الغيب وفك شفراته عبر طقوس وأدوات خاصة، حيث لا تعتبر الكهانة مجرد وسيلة للتنبؤ بالمستقبل، بل هي علم دقيق -بحسب زعم أتباعها- يؤسس لجسر بين العالمين المرئي والغيبي، ويمكّن من فهم إرادة القوى الكونية العليا والتأثير في مسارات الأحداث [Wande Abimbola, "Ifa: An Exposition of Ifa Literary Corpus", Oxford University Press, ١٩٧٦, pp. ٣٤-٤٢].

يتأسس هذا المنظور على مفهوم "أشبو" (Aṣẹ) الذي يمثل القوة الكونية النافذة المتدفقة عبر جميع الموجودات، والتي يعتقد كهنة إيفا أنهم مؤهلون لفهم لغتها وتحويل مجرياتها لخدمة المجتمع والفرادى، ويستند النظام في شرعيته -لدى معتنقيه- إلى أسطورة تأسيسية تزعم أن الإله "أورونميلا" هو من منح البشرية هذه المنظومة المعرفية كهدية إلهية لفك ألغاء القدر وإعادة تشكيل المصير [E. Bolaji Idowu, "Olodumare: God in Yoruba Belief", Longmans, ١٩٦٢, pp. ١٧٨-١٨٥].

المنهجية الإجرائية وآليات التنبؤ في الممارسة الكهانية

تتوخى ممارسة كهانة إيفا دقة منهجية عالية في إجراءاتها، حيث تعتمد على منظومة رمزية معقدة تحكمها قواعد صارمة، وتتمثل الآلية الأساسية في استخدام أداة "أوبيلي" المكونة من سلسلة تحتوي ثمانية أنصاف لقواقع، وأداة "إيكين" التي تضم ست عشرة ثمرة نخيل، حيث يتم رمي هذه الأدوات وقراءة الأنماط المتشكلة منها، ثم يتم استحضار النصوص الشعرية المقدسة المسماة "أودو" والتي يبلغ عددها مئتين وستة وخمسين نصًا أساسيًا لتفسير تلك الأنماط واستنباط الدلالات [William Bascom, "Ifa Divination: Communication Between Gods and Men in West Africa", Indiana University Press, ١٩٦٩, pp. ١١٢-١١٩].

وتتطلب هذه الممارسة إعدادًا طويلًا للكهنة "بابالاوو" الذين يخضعون لتدريب متواصل قد يمتد لعقود من الزمن لحفظ النصوص المقدسة وإتقان فنون تفسيرها وربطها بالوقائع المستجدة، وهذا البناء المعقد يعطي النظام هالة من العلمية والجدية في الوعي الجمعي، حيث تتحول الممارسة الكهانية من مجرد طقوس عابرة إلى منظومة معرفية شبه مؤسسية ذات قواعدها وأصولها [John Pemberton III, "The Yoruba Artist: New Theoretical Perspectives on African Arts", Smithsonian Institution Press, ١٩٩٤, pp. ٦٧-٧٤].

الأبعاد الاجتماعية والثقافية للنظام العرافي عند اليوربا

يضطلع نظام إيفا بدور محوري في تشكيل البنية الاجتماعية والثقافية لشعب اليوروبا، حيث يتجاوز دوره التنبؤ بالمستقبل ليمس جوانب عميقة من حياة الفرد والجماعة، فهو يشكل أداة للضبط الاجتماعي من خلال تقديم التفسيرات المقنعة للأحداث والمصائب، مما يسهم في حفظ الاستقرار المجتمعي وامتصاص الصدمات الجماعية، كما يلعب دورًا مركزيًا في عمليات صناعة القرار على مختلف المستويات، حيث تُستشار الكهانة في شؤون الزواج والتجارة والسياسة والحكم، مما يجعلها سلطة موازية للسلطات الرسمية [Karín Barber, "I Could Speak Until Tomorrow: Oriki, Women and the Past in a Yoruba Town", Edinburgh University Press, ١٩٩١, pp. ١٥٦-١٦٣].

كذلك يحفظ النظام التراث الشفوي والقيم الأخلاقية عبر نصوصه الشعرية المقدسة التي تنتقل عبر الأجيال، مما يجعله أرشيفًا حيًا للذاكرة الجمعية، ولا يقتصر دوره على الجانب التنظيمي، بل يتعداه إلى الجانب العلاجي النفسي، حيث يوفر للناس تفسيرات مقنعة لمحنهم الشخصية، ويخفف عنهم أعباء القلق الوجودي، ويمنحهم شعورًا بالسيطرة على مصائرهم في عالم يبدو فوضويًا وغير مفهوم.

الموقف الإسلامي من قضية الغيب والكهانة

يقدم الإسلام رؤية واضحة وحاسمة لقضية الغيب والكهانة، تقوم على أسس عقدية راسخة تنطلق من حقيقة مركزية هي استئثار الله تعالى بعلم الغيب. يقول تعالى في محكم كتابه: ﴿وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلۡغَیۡبِ لَا یَعۡلَمُهَاۤ إِلَّا هُوَۚ ﴾ [الأنعام: ٥٩] ، وهذه الحقيقة تناقض جذريًا المنطلقات الفلسفية لنظام إيفا الذي يزعم إمكانية الوصول إلى علم الغيب عبر الطقوس والأدوات البشرية.

ويؤسس الإسلام لرفض الكهانة على جملة من المبادئ العقدية، أولها حفظ التوحيد من خلال منع أي ادعاء بمشاركة الله في علم الغيب، فسيدنا النبي صلى الله عليه وسلم حذر تحذيرًا شديدًا من الاقتراب من الكهانة، عَنْ سيدنا أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - ، وَسيدنا الْحَسَنِ - رضي الله عنه - ، عَنِ سيدنا النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَتَى كَاهِنًا، أَوْ عَرَّافًا، فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ» [مسند أحمد: ٩٥٣٦]، وهذا التحذير الشديد ينبع من خطورة الكهانة على العقيدة، حيث تفتح الباب للشرك بالله في صفاته الخاصة.

كما يتناقض مفهوم "تغيير المصير" عبر الكهانة مع عقيدة القضاء والقدر في الإسلام، التي تجمع بين الإيمان بالقدر السابق والاختيار الإنساني ضمن المشيئة الإلهية، فالمسلم يؤمن بأن الأقدار مكتوبة في اللوح المحفوظ، وأن التدبير النهائي بيد الله تعالى وحده، ولا يمكن تغييره بكهانة أو طقوس سحرية.

ويقصر الإسلام وسائل معرفة المستقبل المشروعة على ثلاثة طرق فقط: الوحي الذي يختص به الأنبياء، والرؤيا الصالحة التي تكون بشرى للمؤمنين، والعلامات الشرعية التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة، وكل ادعاء خارج هذه الدوائر يعتبر بدعة وضلالة تتناقض مع أصول العقيدة الإسلامية.

الخلاصة

يُمثل نظام إيفا العرافي تجسيدًا عمليًا للرغبة الإنسانية الدائمة في اختراق حجب الغيب والتحكم في مسارات المصير، عبر منظومة طقسية معقدة تتداخل فيها الفلسفة بالدين والأساطير بالممارسات اليومية. ورغم ما يلعبه هذا النظام من دور في تشكيل الوعي الاجتماعي والثقافي لشعب اليوروبا، إلا أنه يصطدم بالحدود العقدية التي يرسمها الإسلام بوضوح لا لبس فيه.

فالغيب -في التصور الإسلامي- حرمة لا تُنتهك، وسر لا يُكشف، وهو من خصوصيات الذات الإلهية التي لا يشاركها فيها أحد من الخلق، ويظل الموقف الإسلامي صارمًا تجاه الكهانة والعرافة، حفاظًا على صفاء التوحيد وسلامة العقيدة، وتأكيدًا على أن المستقبل المجهول مجال للإيمان والتوكل والتسليم لمشيئة الله، لا للتنجيم والكهانة وادعاء معرفة ما استأثر الله بعلمه.

موضوعات ذات صلة

نظام الأوريشا هو كائنات وسيطة بين الإله الأسمى والبشر في الديانة اليوروبية، مع بيان موقف الإسلام الرافض لمبدأ الوساطة.

نتناول المظاهر التعبدية وطقوس تقديم القرابين في الديانة اليوروبية، مع تحليل أبعادها الوثنية وتقييمها في ميزان الشريعة الإسلامية.

لدراسة النظام العقدي لشعب اليوروبا في غرب أفريقيا، لابد من تركيز خاص على مفهوم الإله الأعلى "أولودوماري"

موضوعات مختارة