Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

المسار التاريخي لطائفة اليزيدية من الإسلام إلى الاستقلال العقدي

الكاتب

هيئة التحرير

المسار التاريخي لطائفة اليزيدية من الإسلام إلى الاستقلال العقدي

يُمثل تاريخ اليزيدية نموذجًا حيًّا لكيفية تحول الغلو السياسي والتعلق بالأشخاص إلى انحراف عقدي يُخرج الطائفة عن جادة الإسلام القطعية، ويكشف هذا المسار عن خطورة مزج الموروثات الجاهلية بخرقة التصوف، مما أدى في النهاية إلى استبدال الوحي بالأسطورة والتوحيد بالشرك والتقديس المذموم.

المرحلة الانتقالية ودور الشيخ عدي بن مسافر

تمثل فترة ظهور الشيخ عدي بن مسافر الأموي منعطفًا حاسمًا في تاريخ اليزيدية، حيث ظهر كصوفي زاهد انقطع في الأماكن المنعزلة، واعتقَد الناس بصلاحه وانقادوا لآرائه ومعتقداته، وقد غالى أتباعه فيه غلوًا تجاوز الحد، مما أدى إلى قولهم فيه بما لا يوافق شرعًا ولا عقلًا، وبعد وفاة الشيخ عدي، ورثه رجل من آل عدي من مسافر أقل منه علمًا، فدب في زمانه الزيغ والفساد، وظهرت بذور وجذور المعتقد القديم المجوسي.

ترى هذه الرواية أن اليزيدية الذين ينتمون إلى الشيخ عدي يرجعون إلى أصل مجوسي، وبعد أن أسلموا أخذوا يعتقدون لا بإمامة يزيد بن معاوية فحسب، بل بألوهيته، وأضافوا إليه آلهة آخرين وعكفوا على عبادتهم [عبد الرازق الحسيني، اليزيديون في حاضرهم وماضيهم، ص ١٢-١٣].

وتظهر هذه الرواية بوضوح بداية أمرهم، وأن هؤلاء كانوا من المجوس الذين اعتنقوا الإسلام كغيرهم من طوائف أخرى، وأنه عندما حل الشيخ عدي بن مسافر بين ظهرانيهم وأسس طريقته العدوية اعتنقها هؤلاء، لكن سرعان ما غالوا في الشيخ ثم ظهر من بعده من خلفائه من أضل هؤلاء وأبعدهم عن التعاليم الصحيحة، فظهرت فيهم البدع ثم نكثوا على أدبارهم إلى معتقداتهم التي توارثوها [صديق الدملوجي، اليزيدية، ص ١٦٣].

اليزيدية في المصادر الإسلامية المبكرة

تشير بعض الروايات إلى نشأة وظهور هذه الطائفة قبل القرن السادس الهجري، حيث يأتي الخبر عن طريق السمعاني (ت ٥٦٢هـ) في كتابه الأنساب، من خلال حديثه عن هؤلاء وبأن جماعة كثيرة لقيهم بالعراق في جبال حلوان ونواحيها من اليزيدية، وهم يتزهدون في القرى في تلك الجبال، ويأكلون الحلال أو الحال (الطين)، وقلما يخالطون الناس، ويعتقدون في يزيد بن معاوية الأمانة وكونه على الحق [السمعاني، الأنساب، ٧/٦٩٣].

ويضيف السمعاني قائلًا إن الأديب الحسن بن بندار البروجردي كان فاضلًا مسفارًا نزل عليهم بسنجار ودخل مسجدًا، فسأله واحد من اليزيدية: ما قولك في يزيد؟ فقال: أيش أقول فيمن ذكره الله في كتابه في عدة مواضع حيث قال تعالى: ﴿یَزِیدُ فِی ٱلۡخَلۡقِ مَا یَشَاۤءُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَیۡءࣲ قَدِیرࣱ﴾ [فاطر: ١]، قال فأكرموني وقدموا لي الطعام [الأنساب: ٦٩٣/٧، مع التحفظ بالطبع عن هذا التأويل الباطني لآيات القرآن الكريم]. وهذه الرواية ربما تزيد من قوة الرأي القائل بإرجاع نسبة هؤلاء إلى يزيد بن معاوية، وربما كان هذا النوع من التساؤل المشوب بالحذر سببه مجاورة القوم لمن يعاديهم وخاصة الشيعة، ومعروف ما يكنه الشيعة ليزيد لمواقفه من آل البيت [عبد الله الأمين، دراسات في الفرق والمذاهب القديمة والمعاصرة، ص ٢٦٩].

ظهور الطائفة اليزيدية في القرن السادس الهجري

تقدم رواية الأستاذ أحمد تيمور باشا تحليلًا آخر لنشأة اليزيدية، حيث يورد في كتابه اليزيدية ومنشأ نحلتهم قائلًا: ولم تكن لهذه الطائفة - اليزيدية - وجود ولا ذكر في التاريخ قبل القرن السادس حتى اشتهر الشيخ عدي بن مسافر بالزهد والورع وكثرة المجاهدة، وتسامع به الناس فقصدوه من الأطراف للاسترشاد ثم انتقل إلى جبال هكار موطن الأكراد، فتبعه منهم خلق كثير اتخذ منهم المريدين، وأحدث الطريقة العدوية [أحمد تيمور باشا، اليزيدية ومنشأ نحلتهم، ص ٥٧].

يتضح من هذا التحليل أن أصل منشأ هذه الطائفة يعود إلى القرن السادس الهجري، وأنها كانت تسمى أول الأمر بالعدوية نسبة إلى شيخها عدي بن مسافر.

وهذا الرأي يعطي أهمية مركزية للشيخ عدي في تشكيل الهوية الدينية لليزيدية، حيث تحولت من مجموعة قبلية إلى طائفة دينية منظمة لها شيخها وطريقتها الخاصة.

الأساطير المؤسسة للطائفة اليزيدية والأصول الميثولوجية

تمتزج بعض الروايات بكثير من الخرافات والأساطير سواء فيما يتعلق بالأصل الذي ترجع إليه أو حتى فيما يتعلق بميلاد يزيد الذي يدعونه مسيح اليزيدية، ففيما يتعلق بالأصل الذي ترجع إليه الطائفة، يصرح كتابهم المقدس المسمى مصحف رش بأنهم من نسل آدم فقط لا نتيجة لاجتماعه مع حواء، حيث يقول النص: وبعد مدة من الزمان لما رأى آدم وحواء أن التناسل يصير بمشاركة الذكر مع الأنثى فآدم كان يقول النسل هو مني، وهكذا حواء فكانت تقول النسل مني، وعلى هذا صار النزاع بينهما وبعد البحث الدقيق صار الرأي والاتفاق بينهما على أن كل واحد منهما يلقى شهوته في جرة وهكذا عملا وختم الجرتين إلى مدة تسعة أشهر، وعند نهاية التسعة أشهر فتح آدم جرته فطلع منها ولدان ذكر وأنثى، وأسمهما شيث وهورية ومنها تناسلت الأمة اليزيدية [نقلًا عن عبد الله الأمين، دراسات في الفرق والمذاهب القديمة والمعاصرة، ص ٢٧١].

أما فيما يتعلق بميلاد يزيد، فيروون قصة خرافية يحكون فيها أن لسيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - خادمًا يدعى معاوية، وبينما كان يقص للنبي شعر رأسه - صلى الله عليه وسلم - جرحه فخاف معاوية أن يسيل دم سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - على الأرض فأكب يلعقه بلسانه، فسأله حضرة النبي - صلى الله عليه وسلم - متعجبًا: ماذا تفعل؟ فأجاب لعقت دمك الطاهر خشية أن يسيل على الأرض، فعاتبه الرسول - صلى الله عليه وسلم -  وقال له: أخطأت في فعلتك هذه وستكون ذريتك عدوة لأمتي، فعاهده معاوية ألا يتزوج أبدًا ولم يكن له بنون من قبل، لكن الله سلط على معاوية عقارب لدغته، وجزم الأطباء بضرورة زواجه وإن لم يفعل لقى حتفه فاشترط معاوية أن يزوجوه من امرأة عجوز في سن الثمانين ليأمن منها الحمل، فلما حل الصباح بعد ليلة الزفاف إذ هي في الخامسة والعشرين بقدرة الله الكبير فحملت وولدت بيزيد أحد آلهتهم السبعة [عبد الرازق الحسيني، اليزيديون في حاضرهم وماضيهم، ص ١٩].

المراحل الأربع للتطور التاريخي والعقدي

من خلال تحليل الروايات السابقة، يمكن تحديد مراحل النشأة والتطور لهذه الطائفة على النحو التالي:

المرحلة الأولى وهي مرحلة اختلاط الفكر الإسلامي بالمعتقد المجوسي الزرادشتي منذ دخول الإسلام منطقة شمال الموصل.

المرحلة الثانية وتبدأ بظهور الشيخ عدي بن مسافر الأموي في التاريخ اليزيدي والغلو فيه.

المرحلة الثالثة تبدأ بعد وفاة الشيخ وظهور بعض الأتباع والخروج بتعاليم جديدة وبدع تخالف تعاليم الإسلام.

المرحلة الرابعة وهي تتسم بالخروج التام عن تعاليم الإسلام، وإثبات الإلوهية ليزيد وتقديس إبليس وشيوع الأسطورة في كتبهم المقدسة [سعيد مراد، الفرق والجماعات الدينية في الوطن العربي قديمًا وحديثًا، ص ١٨٢].

وهكذا يتضح كيف كانت الطائفة على الإسلام وأنها كانت تعتقد في يزيد أنه على الحق، ثم كيف توارثت الطائفة عادات وتقاليد صوفية نظرًا لوجودها بين ظهراني الشيخ عدي فترة من الزمن، إلى جانب عادات وتقاليد أخرى مزجت بالتعصب للبيت الأموي، لكن يظهر أن هذا التعصب ربما يكون قد بلغ أشده بعد رحيل شيخها الأول وتوليه من خرج بتعاليم جديدة تخالف الإسلام، مما زاد في حدة الشقاق فيما بينها وبين جماعة المسلمين، حيث أدى الأمر في نهايته إلى تقاليد خاصة ربما تكون قد أفسدت على هؤلاء جوهر إسلامهم.

الخلاصة

يكشف تحليل المسار التاريخي لطائفة اليزيدية عن عملية تطور معقدة مرت بأربع مراحل رئيسية، بدءًا من الاختلاط بين المعتقدات المجوسية والإسلامية، مرورًا بفترة الشيخ عدي بن مسافر والغلو فيه، ثم مرحلة الانحراف العقدي بعد وفاته، وانتهاءً بالاستقلال الكامل كديانة لها معتقداتها وأساطيرها الخاصة، وتظهر الروايات التاريخية المختلفة تناقضات عميقة في تفسير نشأة هذه الطائفة، بين من يرى أصولها مجوسية بحتة، ومن يراها حركة صوفية انحرفت، ومن يحاول تفسيرها من خلال الأساطير والخرافات، ويبقى فهم هذه العملية التاريخية ضروريًا لفهم الظاهرة الدينية في عمقها وتعقيدها، مع التأكيد على أهمية المنهج العلمي الموضوعي في دراسة مثل هذه القضايا الشائكة والمعقدة.

موضوعات ذات صلة

تتمحور الطائفة اليزيدية في تاريخها حول شخصيات مؤسسة ومحورية.

يُرسي المنهج الإسلامي قواعد منضبطة في دراسة الفرق والنحل، توازن بين الأمانة العلمية في النقل والعدل الشرعي في الحكم والتقييم.

الخريطة الجغرافية للطائفة اليزيدية من مراكزها الدينية الأصلية في كردستان العراق.

موضوعات مختارة