وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
أطلقت الشعوب الآرية القديمة في الهند وفارس على الله تعالى اسم "ديو" بمعنى الإشراق والضياء، وفي فترةٍ ليست بعيدة عن العصر الذي أُوحي فيه إلى زرادشت، أُطلق الاسم نفسه على الظواهر الطبيعية المختلفة وعلى الأوثان كـ آلهة، وعندما اصطُفِيَ زرادشت رسولًا ونبيًا، أنبأ خاصَّة قومه بـ الاسم الحقيقي لله وهو أهُورَا مَزْدَا (الإله الحق).
هذا الاسم في أصوله اللغوية القديمة ليس بالغريب ولا بالجديد على مَن أُرسل إليهم؛ بل كان موجودًا وشائعًا بصورته نفسها تلك وسط القبائل الآرية في إيران، مع اختلافٍ يسيرٍ في الحروف وتقديمٍ وتأخيرٍ في مقطعي الاسم لا يُغيِّر من معناه أو دلالته اللغوية، حتى إن الميديين اشتقوا من أحد مقطعيه(مَزْدَا) اسم مَازْدَاكَـا (Mardaka) الذي ظل مُتداولًا بينهم إلى ما بعد عام ٧١٥ ق.م.
والجديد الذي جاء به زرادشت هو دلالته على إلهٍ واحدٍ مُتفرِّدٍ بالخلق والإيجاد، ومُجرَّد عن المشابهة والمماثلة بالغير؛ فـ الصفة التجريدية وحدها هي التي لم تكن معهودة ولا مألوفة في الاعتقادات الوثنية لأهالي مادا وفارس. [History of Zoroastrianism Dhalla, p.٣٠]
لقد تعدى الأمر عند الفرس حدود المعرفة العادية بالله ليبلغ درجة من الإدراك العميق لحقيقة أُلوهِيَّته أدت بهم إلى الاعتقاد بأنه ليس إلهًا خاصًا بهم وحدهم أو بغيرهم، وإنما هو إله الناس جميعًا، وإله العالم كله، ولا غرابة في ذلك أبدًا؛ فالآشوريون من قبلهم سمَّوا الله تعالى أسَارَا مَازَاسْ (Asara Masaz)، وهو مُسَاوٍ في تركيبه لـ أهُورَا مَزْدَا بمعنى الله الواحد الحكيم، المرادف للمعنى نفسه الذي عرفه به الآريون.
ويذهب كثير من المؤرخين الزرادشتية إلى أن اسم أهُورَا مَزْدَا بتفرُّده الذي لا نظير له هو من ابتداع زرادشت، وقد دعته الضرورة لـ اختراعه ليُخالف به ما كان سائدًا في زمانه عن آلهة مُتشابهة في الأسماء والأفعال، والرد المباشر على ما ذهبوا إليه ينحصر في شيوع الاسم قبل مَبعث زرادشت؛ فالناس - كما رأينا سابقًا - قد عرفوه به على اختلاف اعتقاداتهم وتنوع لغاتهم، فتقارَب في النطق، واتَّحد في المعنى، وفي تجرُّده وصفاته، وفوق ذلك دلالته البيِّنة على إلهٍ واحدٍ كبيرٍ مُتعال. [History of Zoroastrianism Dhalla, ٢]
إن اسم الله في لغة الابْتِسَاق القديمة مُركَّب من ثلاث كلمات هي على التوالي: (أَهُوو) (رَاو) (مَزْدَا)، وتعني مُفردة أو مُركَّبة عدة معانٍ تدور ترجمتها الحرفية حول ثلاث كلمات فقط هي: "أنا" و"موجود" و "خالق"، وليس من السهل إعادة تركيب وترجمة الكلمات الثلاث معًا، ليس لشدة الغموض في أصولها الفارسية، وإنما لأن الكلمات الثلاث قد تُفيد مضمون أو فحوى كلام، ولكنها لا تدل مُجتمِعة في ترجمتها تلك على اسم، ولا تُنبئ عن مُسمَّى بحيث يُشار إليه إشارة وضعية اصطلاحية [زرادشت الحكيم، حامد عبد القادر، ص ٨٠].
فالكلمات الثلاث إذن في أصلها القديم كلمةٌ واحدةٌ، تُفيد ما تُفيده كلمة شهادة (لا إله إلا الله) في العقيدة الإسلامية؛ وآية ذلك أن تقدير معنى الشهادة هو "موجود" و "أنا" أو "أنا موجود"، يستلزم بالضرورة نفيًا مُطلقًا لأي وجود سوى وجوده تعالى، وفي الوقت نفسه إثباتًا مُجرَّدًا لوجود ذاته المُتعالية، ومركَّب الكلمة في الفارسية القديمة قريب من هذا، ويُشير في مُجمله لا تفصيله إلى الذات الأحدية المُتفرِّدة بالوجود الذاتي، والذي يُعدُّ كل وجود لسواها وجودًا عرضيًا زائلًا، وتستقل هي وحدها بالوجود الحقيقي.
إن اقتران الوجود المطلق لله تعالى بـ (الإنِّيَة) أو (الأنا) جعل من هذا الوجود في الزرادشتية وفي الإسلام معًا وجودًا معرفيًا؛ بمعنى أن الإنِّيَة قد قيَّدت هذا الوجود المطلق تقييدًا معرفيًا، فأصبح معنى كونه موجودًا أنه معروفٌ معلومٌ والمقصود الحقيقي من وراء ذلك هو عدم خضوعه تعالى لـ أحكام العقل المُجرَّد.
لذا فقد تقرَّر في العقيدة الزرادشتية أن الله تعالى لا يقدر على إدراك حقيقته عقل بشري، ولا يقدر على تصوُّره خيال، وأما الوصول إلى معرفة كُنه حقيقة ذاته فضَرْبٌ من المُحال لا يقدر عليه عاقلٌ رشيد، كل ما يُدرَك عنه هو ما سمَّى به نفسه من أسماء وما اتصف به من صفات، وهي التي عُرفت في عقيدة الإسلام بـ أسماء وصفات الكمال اللائقة في حقه تعالى.
توجد عدة اعتبارات تتحكم في تعريف الله تعالى بنفسه للناس، من أبرزها: خصوصية الوحي لأناس بأعينهم، ومحدودية زمانها، والغاية التي أُنزلت من أجلها، وفي الزرادشتية عقبة لا يمكن تجاهلها، وهي أن المُعرِّف بالله تعالى هو في الغالب الأعم زرادشت، ويتخذ في تعريف الله مسلكين:
إن أكثر الذين تعرضوا لفكرة الألوهية في الزرادشتية قد أسقطوا من مباحثهم أهمية تعريف الله تعالى بنفسه كركنٍ جوهريٍّ في العلاقة التكليفية، وانساقوا وراء النصوص المحرَّفة والبعيدة عن أصول الدين إلى اعتبار زرادشت أول نبي ورسول عرَّف الناس ولأول مرة في التاريخ بالله، وما ذهبوا إليه أمرٌ تكذِّبه وظيفة المُرسَل، والتي هي عادة ما تقتصر في حدود إبلاغ الناس بوحي الله تعالى، وتعريفهم بالحق عزّ وجلّ على قَدْرِ الحاجة إلى التعريف دون زيادة ولا نقصان، وما فعله زرادشت تركز جُلُّه في إخبار الناس بـ حقيقة الله وكما أرادها، وبأسمائه وصفاته التي تناسب زمان الناس، وفي حدود ما تُطيقه عقولهم، لتُساعدهم تلك المعرفة على فهم واستيعاب مُوجِبات ومُقتضيات العلاقة التكليفية. [History of Zoroastrianism Dhalla, p.٣١]
استخدم في تعريفه الله تعالى اللغة المتداولة في زمانه، وبصور ذهنية تُقرِّب معناها من مداركهم، وبتشبيهات وأقيسة مألوفة في حياتهم، مُتحرِّزًا في الوقت نفسه من النزول بالله إلى مستوى يُخِلُّ بكمال أُلوهِيَّتِه، ويضعه على قدم المساواة مع مخلوقاته. [History of Zoroastrianism Dhalla, p.١٣].
التنزيه المطلق:
لقد ترتب على تنزيه الله عن المشابهة والمُشاكَلَة في الذات، وفي الوجود تنزيهه أيضًا عن سمات التجسيم وعن شوائب المادة، وعن مظاهر التغيير والتبديل والتأثُّر والانفعال، بل هي -كما تقرَّر في العقيدة الزرادشتية - مستحيلة في حق ذاته المُتعالية عن كل حدٍّ ونظير، فالله - كما يقول زرادشت- لم يَلِد ولم يُولَد، ولن يموت، ولا ينام (الساهر)، ولا يُرى في جهة، ولا يحصره مكان، ولا يُلمَس، إلى غير ذلك مما تعالى الله عنه، ومع هذا التنزيه المطلق، فالله لا يُرمز إليه برمز، ولا يُشار إليه بشيءٍ ماديٍّ، ولا يجوز تصويره في شكل أو هيئة مادية كانت أو معنوية، إذ في كل ذلك نزول به من مرتبة الألوهية المُجرَّدة إلى مُرتبة المحسوس المُدرَك. [Avesta Yasna, vol.٢, p.٨٥].
ولا يعني تنزيه الله تَنَائيه وبعده عن خلقه، فلا يأنس إليه عباده ويستوحش كل إنسان، بل هو قريبٌ لا يتعب عبدٌ بالبحث عنه، ومعروف فلا ينفُر منه إنسان، ومشْعُورٌ به بحيث يمكن إقامة علاقة حميمة معه تُبنى على الإحساس بالألفة والأنس والحب والتعظيم. [Avesta Yasna, vol.٢, p.١٠٢]
تم الاعتماد في العرض لذات الله أسماءً وصفات على ما جمع ودوّن في العصر الساساني، وأُثبت الجانب الأعظم منه في الابْتِسَاق، وهو الوحيد الذي يتَّحد تارة ويتقارب تارة أخرى مع ما جاء في العقيدة الإسلامية، ولذلك أبقينا على المعاني والصور الذهنية كما وجدناها، ليس فقط لقربها الشديد لما أخبر به زرادشت، بل لأنها الأصدق في التعريف بالله في ذلك الزمان البعيد ولأولئك الناس وحدهم.
صفات الذات الإلهية:
جاء في الابْتِسَاق: "إن الله نور وضياء لا يُوصَف، ولا مثيل له في المعانِي والإشراق، وهو مصدر الأنوار كلها، ولذلك فهو لا يراه شيء، ولكنه يرى الأشياء كلها، لا تخفى عليه خافية، والله واحدٌ وأحدٌ لا شريك له في مُلكه، وهو الكمال المطلق، والأكبر، والقيُّوم الذي لم يُسبق له مثيل، وهو رب العالمين، ومُحرِّك الأشياء جميعًا، وهو فوق الزمان، ليس له بداية ولا نهاية، فهو الأول والآخر، وهو القديم والأزلي والأبدي، وهو موجود قبل العالم، وسيبقى بعد فنائه، وهو حاضر في كل شيء، وظاهر في كل شيء، ولكنه يعز على الإدراك والإحاطة، إذ هو في غيب ومحجوب بنوره عن الحواس، ولا سبيل إلى معرفته إلا بالعقل" [الأسفار المقدسة، علي عبد الواحد، ص ١٤٤].
جوهرية الصفات:
إن صفات الله مُتناثرة على صفحات الابْتِسَاق، وأغلبها يرد في الفنديداد واليسنا، وهي في دلالتها ليست أعراضًا أو حالات طارئة، وإنما هي "جوهر ذاته"، ومن ثم أخذت من خواص الذات الإلهية التجرد والتنزه عن المثيل والشبيه، أثارت تلك الحقيقة دهشة وإعجاب علماء مقارنة الأديان؛ لأن صفات الله كما عُرضت لا تشذ في المعنى عما جاءت به رسالة الإسلام الخاتمة، بالرغم من أن الدين بُنيت عقيدته على أساس الثنائية (الصراع بين قوى متنازعة) [Avesta Yasna, vol.٢, p. ٨٦]
ترجع صفات الله إلى ثلاث صفات عُرفت في العقيدة الإسلامية بأمهات الصفات، وهي: العلم، والإرادة، والقدرة.
أ. صفة المُكَلِّف (واهب القوانين):
إن صفة المُكَلِّف هي أول صفة تعيَّنت في العقيدة الزرادشتية، فوصف زرادشت الحق عزّ وجلّ بأنه الآمر بالقوانين، أو واهب ومُعطِي القوانين، وهذا الوصف ليس موقوتًا بزمانه أو مقيدًا برسالته، وإنما هو منذ أن خلق الإنسان وخلق العالم أي الصفة له بحكم ألوهيته، وكمال صفة المُكَلِّف مُرتبط بالضرورة بما أسماه زرادشت بـ قوانين الجزاء والمُكافآت أي الثواب والعقاب، بوصفهما الثمرة الطبيعية للعلاقة التكليفية والغاية الكبرى منها. [History of Zoroastrianism - Dhalla, p.١٣٢].
وأسَّس الثواب والعقاب في الزرادشتية كما هو الحال في الإسلام على العدل والرحمة؛ فالله يُكافئ الطائع ويثيبه على أدنى خير يصدر منه، وينظر إلى المذنب والمخطئ النابذ لقوانين الله نظَرَتَه إلى مريض في حاجة إلى إصلاح وتطهير، فالله بعدله يُعاقب على ما اقتُرِف من خطايا، وبرحمته يتجاوز عما ارتُكب في حقه، ولا يُخِلُّ ذلك في الحالتين بعدل الله ولا برحمته.
ب. صفة الخالق والمُوجِد:
إذا تضمنت صفة المُكَلِّف معاني التأليه والألوهية، فلا شك أن صفة الخلق والإيجاد تتضمن معاني الربوبية والمالكية والسيادة والإنعام، وقد نصَّ سفر اليسنا على أن الله هو وحده الخالق والمُبدِع للأشياء جميعًا، والمخلوقات قبل خلقه لها لم يكن معه منها شيء، ثم خلقها وأبدعها باختياره ومن غير مثال سابق، لغايةٍ مقصودة ولهدفٍ مُراد، لا عبثًا ولا لعبًا ولا لهوًا، ولذلك انتفى من خلقه تعالى كل ما يدل على عدم الحكمة والاستخفاف. [Avesta Yasna, vol.٢, p. ٣٥]
ومخلوقاته تعالى نوعان:
ج. صفة المؤثِّر والحافظ:
صفة الخلق وثيقة الصلة في الزرادشتية بصفة التأثير؛ فقد أكد سِفر اليسنا على أن الله وحده هو المُؤثِّر في كل شيء، وهو المصدر الحقيقي للموجودات قاطبة، فكل ما في العالم من حركة أو سكون، خير أو شر، موت أو حياة، فمردُّه إلى الله، وبدون الله - كما ينص سفر اليسنا - لا يبقى موجود، وبه يحيا كل مخلوق وهو يُشير بذلك إلى صفة الحافظ والحفيظ؛ أي أن الله هو الذي يُبقي الحياة في أبدان مخلوقاته لأداء دورها في الوجود، وهو الذي يُفنيها ويُعدِمُها إذا أدَّت وظيفتها وأتمَّت مهمتها.
ومن صفتي المُكَلِّف والخالق تفرَّعت صفات وأسماء عديدة لله وردت في الابْتِسَاق وفي شروحاته في العصر الساساني، نذكر منها: الواحد الأحد، القدوس، النور، الكريم، الأزلي، رب الأرباب، مالك الملوك، الكبير، الجميل، المُنْعِم، نصير الأطهار، غافر الذنب، القوي، القهَّار، الغني، الكامل، الشريف، الشافي، المانع، الجامع، المنتقم، العطوف، السيد، الحسيب، شديد العقاب. [Avesta Yasna, vol.٢, p. ٢٢, ٦٣, ٦٦]
أ. العلم الإلهي:
إن خصوصية العلم الإلهي وسموَّه ساقت مُترجِم النص البهلوي لـ الابْتِسَاق إلى التعبير عن علم الله بعبارات عدة، من أدقها قوله: "إن الله كلي العلم، وكثير العلم، والعليم العالم بكل شيء، والمُحيط بكل شيء"، من هذا يتضح شمولية العلم الإلهي؛ فالله يعلم الماضي والحاضر والمستقبل، ويعلم ما توسوس به نفس الإنسان، ويعلم ما في أعماق قلبه، ومن صفة العلم اتصف الله بـ الحكمة فـ سُمي الحكيم، واتصف بـ الخبرة فـ سُمي الخبير، واتصف بـ البصر فـ سُمي البصير الذي يُدرِك الأبصار ولا تُدرِكه الأبصار [History of Zoroastrianism Dhalla, p ٣١٥]
ب. القدرة الإلهية:
صِيغَ معنى صفة القدرة الإلهية بعبارة: "ليس في حاجة إلى شيء"، وهي مطابقة في المعنى للعبارة الإسلامية (الغني المطلق) في غناه، والذي لا يحتاج ولا يفتقر إلى شيء، وكل شيء محتاج إليه في ذاته وفي صفاته وإرادة الله في الابْتِسَاق وصفت بأنها "قاعدة الخير" فكل ما يصدر عن الله هو خير لا شر فيه، وخيره يشمل جميع خلقه، المؤمن والكافر، وهو يرأف بكل من يتوجه إليه في اليُسر والعُسر.
خلاصة ما تقرَّر في العقيدة الزرادشتية عن الإله لا يخرج في مُجمله عن كونه تعريفًا بالله بصفةٍ أخصَّ من صفة الرب الخالق، هي صفة المُكَلِّف، الصفة الأصل لسائر الصفات والأسماء الإلهية. والزرادشتية في هذا التعريف تتفق مع الأديان الكتابية، ولأجل هذا، أوجبت الزرادشتية على كل مُخاطَبٍ بالتكليف الاعتراف بالله بصفة المُكَلِّف الخالق، أي الإيمان بالله بصفة الألوهية كأول خطوة في بناء العلاقة، وبعد الإيمان، دعت إلى عبادة إله واحد هو الله وحثَّت في الوقت نفسه على هَجْر المعتقدات الوثنية المتمثلة في عبادة الأصنام والقوى الطبيعية.
والنتيجة الطبيعية التي نخلص إليها هي أن الدين كله يقوم على أصولٍ من التوحيد الخالص، وفي أنقى صوره، حيث لا يوجد إلا اعتراف وإقرار بـ إله واحد أحد، لا شريك له، ولا مثيل له، ولا شبيه له لا في ذاته ولا في صفة من صفاته، وهو خالق كل شيء. [زرادشت الحكيم، حامد عبد القادر، ص ٨٠]
ولأجل ذلك، أطلق الزرادشتيون على دينهم اسم دِينُ مَزْدَيَسْنَ(Mazdayasna) ، أي الدين الذي يُؤلِّه الإله الواحد الأحد، ومِن بعدهم سمّاه الإسلاميون بـ (دين مارسيان)، بمعنى الدين الذي يدعو إلى تأليه الإله الحق. فلا غرابة بعد هذا أن سمّاهم الناس قديمًا وحديثًا بـ المَزْدِيِّين أو المَزْدَايَسْنِين ، أي المُوَحِّدِين الذين يعبدون الله وحده ولا يشركون به شيئًا. [الأسفار المقدسة، علي عبد الواحد، ص ١٤٤]
تؤكد دراسة قضية الألوهية كأحد أصول العقيدة الزرادشتية أن جوهرها يقوم على التوحيد الخالص، والإيمان بـ أهُورَا مَزْدَا (الإله الواحد الأحد، الخالق، الأزلي، المُنَزَّه عن التجسيم)، والإقرار بـ التكليف والجزاء (الثواب والعقاب) القائم على العدل والرحمة، هذه الأصول تتفق مع جوهر رسالات السماء التي يؤمن بها الإسلام.
ويكمن نطاق الاختلاف من المنظور الإسلامي في أن النصوص الزرادشتية المتداولة (الابْتِسَاق) تُعتبر ناقصة أو مُعرَّضة للتحريف بمرور الزمن، وأن الشريعة الإسلامية هي الرسالة الخاتمة والناسخة لما سبقها من شرائع الأنبياء، وأنها جاءت لإكمال هذه الأصول التوحيدية وحفظها.
وعلى الرغم من التباين العقدي، فإن الإسلام يُرسخ مبادئ التعايش السلمي والإنساني:
١. الاحترام والحقوق: يوجب الإسلام العدل والإحسان والبر في التعامل مع المخالفين في العقيدة، وحفظ حقوقهم وكرامتهم قال تعالى: {لا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَلَمۡ يُخۡرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ أَن تَبَرُّوهُمۡ وَتُقۡسِطُوٓاْ إِلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ} [الممتحنة: ٨]
٢. لا إكراه في الدين: يُرسخ القرآن مبدأ حرية الاعتقاد قال تعالى: {لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَيِّۚ} [البقرة: ٢٥٦]
الحوار والتفاهم: يأمر الإسلام باللجوء إلى الحوار بالتي هي أحسن كوسيلة للتعامل مع الآخرين، مؤكداً أن الاختلاف العقدي لا يُبيح التصادم أو الصراع الحضاري. قال تعالى: {وَلَا تُجَٰدِلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡۖ وَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱلَّذِيٓ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَأُنزِلَ إِلَيۡكُمۡ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمۡ وَٰحِدٞ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ} [العنكبوت: ٤٦]
مفهوم الإله الواحد في الزرادشتية يعبر عنه الاسم الآري "ديو" إلى الاسم التوحيدي "أهُورَا مَزْدَا"، وركز زرادشت على التوحيد المطلق وكمال الإله وتنزيهه عن المادة والتشبيه، وتضمنت رسالته الإيمان بصفات الذات الإلهية (مثل الخالق والمُكَلِّف والعليم) والجزاء بالعدل والرحمة، وهذه الأصول التوحيدية تتفق مع جوهر الإسلام، بينما يكمن التباين في تعرض نصوص الزرادشتية للضياع والتحريف.
تحوَّل اسم زرادشت من "زاراثُشترا" إلى "زراسترو" عبر المراحل اللغوية المختلف.
زرادشت نشأ في قلب آذربيجان الآرية، ليقضي ثلاثين عامًا بين التكوين العلمي ومقاومة فساد عصره، لينتهي به المطاف في عزلة جبل سابلان.
تلقى زرادشت الوحي عبر المخاطبات السبع على مدى عشر سنوات، وفي سن الـ ٤٢، تحوّل جهاده بدعوة الملك كُشْتَاسْب.