الأكثر خطورة أن فكرة التناسخ لدى اليزيدية ليست
نظرية مجردة، بل هي آلية عقائدية مرتبطة عضويًّا بالنظام الطبقي
الصارم للمجتمع اليزيدي الذي ينقسم إلى مجموعه من الطبقات تفصل
بينهم الحدود والمعاملات، فمنهم طبقة العوام، ومنهم طبقة الروحانيين أو الكهنة وهم
رؤساء الدين، وهذه الطبقة حكر على عائلات
خاصة يتوارثها الأبناء عن الآباء، وهي بدورها تنقسم إلى: (الأمير) الذي هو معصوم
عندهم وفيه جزء إلهي ويجمع بين السلطة الدينية والزمنية، و(بس أمير) أي معاون
الأمير، و(الشيخ)، وهو القائم بخدمة قبر الشيخ عدي، و(الفقير)، وهم صلحاء وزهاد
اليزيدية وذوي السيرة الحسنة منهم، ثم (القوَّال)، وهم من مرتلي الأناشيد الروحية،
ثم (الكُوجَك)، وهو المسكين أو الحقير؛ حيث يقومون بخدمة الأضرحة المقدسة وتنظيفها
من القمامات، ثم (الملائية) أو الإمام الذي يقوم بتحفيظ الأولاد مضمون الكتاب
المقدس [دراسات في الفرق
والمذاهب القديمة المعاصرة ص ۲۷۸-۲۷۹]، فالتناسخ مرتبط بالأفراد وما
يمثلونه من طبقات أو رتب أو مراتب اجتماعية"، ويوضح الأمير اليزيدي إسماعيل
بك جول الآلية العملية لهذا الربط:
١. الصعود
للصفوة: "الذي
يموت إذ يكون أميرًا أو واليًا أو سلطانًا... وكان يمشي بالاستقامة... فهذا يتعلى
أعلى من درجة بتناسخ الأرواح". [اليزيدية قديمًا وحديثًا، إسماعيل بك جول، ص ٨٨].
٢. الهبوط
للعوام والمنحرفين: "إذا كانت سيرته غير مرضية، وكان شريرًا وفاسقًا
أو سافك دماء... فهذا يدبح بحيوان دنيء حقير مثل كلب أو خنزير... وينتقل بتناسخ
الأرواح إلى سبعة أجناس". [نفس المصدر].
٣. التفصيل
الجزائي: لكل
خطيئة حيوانها المحدد:
o الزناة: تنزل
روحهم إلى خنزير.
o الكذابون: إلى
جحش.
o الظالمون: إلى
كلب دنيء.
o السارقون: إلى
هرة.
o الخونة: إلى
ثعلب.
o المتعنتون: إلى
حية. [نفس المصدر، ص ٨٩].
وهكذا يصبح التناسخ أداة ترهيب دينية تدعم التمايز
الطبقي: فالأمير المعصوم (بحسب زعمهم) يسمو، والعامي الفاسق ينحدر، بل إن الأمر
يمتد للأطفال: "إذا مات ولد لا يعرف الخير والشر يبقى أربعين يومًا في جنة
شداد بن عاد، وبعدها ترجع روحه إلى البشر" [نفس المصدر]، وهذا
النظام يخلق تصنيفًا ثنائيًا للأرواح: أرواح شريرة تتعذب
في أجساد حيوانات خبيثة، وأرواح خيرة تحوم في الفضاء وتكشف الأسرار.